إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا".
أحكام الشريعة الإسلامية تبني على الصدق واليقين لا على الظن والتخمين.
 
فقواعد الإسلام العقدية والشرعية قطعية، لا شك فيها ولا التباس ولا تناقض فيها ولا اختلاف.
 
ومن هذه القواعد قولهم: اليقين لا يرتفع إلا بقين.
وقولهم: لا عبرة بالظن البين خطؤه.
وقولهم: استصحاب الأصل وطرح الشك، وبقاء ما كان على ما كان.
والعمدة في هذه القواعد ونحوها قوله تعالى: { وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } (سورة النجم: 28).
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ".
 
أي اترك الشيء الذي ترتاب في حله، أو تشك في منفعته، أو تجد في نفسك حرجاً في تصديقه، أو تظن أنك لو أخذته لعاد عليك من وراء أخذه شيء لا ترضاه لنفسك، أو هو مما يقدح في مروءتك وسلامة دينك، والزم ما يطمئن إليه قلبك فافعله أو خذه، ودع الشبهات؛ فإنها من المهلكات.
 
والصدق ثبات في الدين وطمأنينة في القلب وسكينة للنفس، والكذب على الضد من ذلك.
 
والإسلام حريص كل الحرص على تحرير المسلم من بوائق الشك وغوائله، وهواجس النفس وخطراتها، ووساوس الشيطان وخطواته.
 
والمرء رهين قلبه فصلاحه في صلاحه، وفساده في فساده.
 
ولا يصلح القلب إلا بترك الظنون السانحة، والتي ترد عليه من هنا وهناك؛ فإنها تعكر عليه صفوه، وتكدر جلوته، وتطفيء نوره، وتذهب بما فيه من سكينة وطمأنينة.
 
ولهذا حذرنا الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في هذه الوصية من الظن السيئ فقال: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ".
 
إي احذروا الظن كل الحذر، واخشوا على أنفسكم من بوائقه، ولا تطلقوا له العنان فيما لا يعنيكم أمره، وتثبتوا من الأنباء الواردة على ألسنة الفساق، ولا تأخذوا بأقوال المرجفين في البلاد، ولا تعتمدوا على الشائعات المغرضة في إحقاق الحق وإبطال الباطل، والزموا الأدب مع الله في الأقوال والأفعال، والزموا الأدب مع الناس في أعراضهم وحرماتهم، ولا تجعلوا للظن دخلاً في اتهام هذا وتبرئه ذاك؛ فالظن أكثره وهم، ولا يعتمد عليه في نفي ولا في إثبات، ولا يعول عليه في أي أمر من أمور الدين، بل ولا في أي أمر من أمور الدنيا، ولا سيما إذا كان الظن بينا خطؤه.
 
فإن الظن أكذب الحديث عند الله وعند العقلاء من الناس.
 
والمراد بالحديث: حديث النفس؛ فإنها أمارة بالسوء تملي لصاحبها من وحي خيالها أوهاماً لو عُرضت على العقل السليم لكبتها في مهدها، وقضى عليها إبان ورودها، وما تركها لحظة تغادر الخيال.
 
والظن قسمان: ظن حسن يهدي إلى البر، ويقطع الشك المؤدي إلى إفساد المعتقد.
 
وظن سيئ يؤدي إلى تتبع العورات وانتهاك الحرمات، وتخوين الأبرياء وإيقاع الفتن بين الناس.
والظن المنهي عنه في هذه الوصية هو الظن السيئ كما أشرنا وليس الظن بنوعيه؛ فالعام يخصص بأدنى قرينة كما يقول علماء الأصول.
 
وآية الحجرات دليلٍ قاطع على التخصيص، وهو قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } (آية: 12).
 
فقد نهى الله عن الكثير من أنواع الظن؛ لأن أكثر أنواعه موضع للتهمة والتخون في الأعراض والحرمات، وهو الأمر الذي يؤدي إلى التجسس وتتبع العورات كما سيأتي بيانه في قوله: "وَلَا تَجَسَّسُوا".
 
فلا ينبغي أن يترك المسلم نفسه نهياً للوساوس الشيطانية والهواجس النفسية لما يدور حول الآخرين من شكوك وشبهات.
 
والنهي منصب على أكثر الظن، والإثم متعلق ببعضه دون بعض، ومادام الأمر كذلك كان النهي مقتضياً لاجتناب الظن أصلاً دفعاً للشبهة وسداً للذريعة فإنه لا يدري أي ظنونه تكون إثماً، بهذا الأمر يطهر الله قلوب عباده من التلوث بالظن السيئ المؤدي حتماً إلى الوقوع في الإثم، ويدعها نقية بريئة من الهواجس والشكوك سليمة من كل ما يعكر صفو إيمانها.
 
ونحن نعلم أن العبد لا ينجو من عذاب الله في الآخرة إلا بسلامة القلب وصدق اليقين.
 
{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } (سورة الشعراء: 88-89).
وعلى المسلم أن يحسن الظن بأخيه المسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
 
فإن ذلك يعينه على تطهير قلبه من عوائل سوء الظن ومفسداته الأخلاقية والاجتماعية.
 
فإن عمر بن الخطاب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
 
فقد يذهب الرجل إلى أخيه فيسأله قرضاً حسناً، فيقول له أخوه: ليس عندي ما أقرضك. فيظن أنه بخل عليه بماله ولم يُرث لحاله فيقاطعه ويهجره، وربما يغلظ له في القول أو يدبر له مكايدة، أو يشنع عليه ويشهر به، مع أنه كان من الواجب عليه أن يحسن الظن به، ويلتمس له العذر في ذلك، ويقول في نفسه: ربما لا يكون معه شيء يقرضني منه، أو معه شيء هو في حاجة إليه. أو ما أشبه ذلك من الأعذار، ويبحث في حاله معه، فربما يكون الرجل قد أقرضه يوماً شيئاً من المال فماطل في السداد، أو أقترضه منه ولم يكن في حاجة إليه، أو اقترض منه شيئاً أنفقه في غير محله أو في غير الوجه الذي أخبره إنه ما اقترض منه هذا المبلغ إلا لأجله.
 
وبذلك ينصف الرجل وينصف نفسه.
 
وخير الناس من نظر في عيبه فاستعظم ذلة نفسه وحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره.
 
وما يقال في القرض يقال في العرض، فإذا رأي منظراً ساءه من جاره أو من امرأة جاره فليعرض عنه ولا يحاول أن يتحقق من جلية الأمر؛ فذاك تجسس مبني على الظن، وربا لو تحقق من جلية الأمر لترتب على ذلك ما لا تحمد عواقبه.
 
وقد قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ".
وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن".
فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟
 
قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض".
 
أي إذا دب الحسد في قلبك فاستغفر الله من ذلك، واذكر الله في نفسك، وقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. كما جاء في الأخبار الصحيحة؛ فإن فعلت ذهب عنك حسدك، ولم يؤثر في المحسود.
 
وإذا وقع في قلبك الظن السيئ فلا تحاول أن تحقق هذا الظن بالتقصي والتحسس والتجسس واتباع العورات.
 
وإذا تشاءمت من شيء فاستبدله بالتفاؤل، وامض في طريقك متوكلاً على ربك عز وجل.
 
والمسلم الحق من يحمل الظن على أحسن وجوهه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولا يدخر وسعاً في تبرئة الناس مما يتهمون فيه أو يعابون به؛ خوفاً من أن يقع فيما وقعوا فيه أو يصاب بما أصيبوا به؛ فإن من حفر لأخيه جباً وقع فيه مكباً. وكما تدين تدان.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا" معناه: لا تحققوا الظن الذي خطر لكم بالتحسس ولا بالتجسس.
 
لكن ما الفرق بين التحسس والتجسس؟
أقول: التحسس: الاستماع لحديث القوم، والتجسس: البحث عن العورات.
 
وقيل التجسس هو: التفتيش عن بواطن الأمور من غير داع يقتضيه.
 
وغالباً ما يطلق التحسس في الخير والتجسس في الشر.
 
والنهي عن التحسس هنا إنما هو نهي عن المذموم منه، وهو الاستماع إلى ما يروجه قالة السوء عن الأحرار والحرائر من الشائعات المغرضة والتهم التي لا يؤيدها الدليل.
 
أما التحسس في الخير فلا شيء فيه.
 
ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } (آية: 87).
 
أي اسألوا الناس عنهما، واستمعوا إلى ما يقولونه في شأنهما.
 
والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن السيئ، وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات والاطلاع على السوءات.
 
والإسلام يقاوم هذا العمل الدنيء مقاومة لا هوادة فيها، لتطهير القلوب من مثل هذا الاتجاه اللئيم في تتبع عورات الأخرين، وكشف سوءاتهم؛ وتمشياً مع مقاصده في تقويم الأخلاق وتهذيب السلوك.
 
وهذه المباديء الأخلاقية التي حث عليها الإسلام تنسحب على المجتمع كله؛ إذا الفرد لبنة في بنائه العام.
 
فللناس حرياتهم وحرماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في أي صورة من الصور، ولا أن تمس بأي حال من الأحوال.
 
ففي المجتمع الإسلامي الرفيع يعيش الناس آمنين على أنفسهم وأموالهم وبيوتهم في ظل هذا الدين القويم، فلا يوجد مبرر في نظامه العام والخاص لانتهاك حرمة من الحرمات ولا انتهاش لعرض من الأعراض. ولا اعتداء على ملكية أحد يتمتع بالحصانة الإسلامية والعدالة الاجتماعية.
 
حتى الذريعة التي تتخذها بعض القوانين في تتبع بعض الآثمين الذين يرتكبون آثامهم في الخفاء بعيداً عن أعين الناس لا يسمح بها الإسلام ما دامت لا تتعدى على حقوق الآخرين مبالغة في صيانة الأعراض والحرمات والحريات الشخصية؛ فالناس قد وكلوا إلى بواطنهم، فإن ظهر منهم شيء يخل بالآداب العامة أخذنا على أيديهم؛ إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، وحماية للمجتمع من شرهم وخطرهم وليس لأحد أن يتعقبهم في عقر ديارهم ليكشف ما ستروه عن الناس.
وليس لأحد أن يظن فيهم ظن السوء فيحقق ظنه بالتطلع عليهم وتفقد أحوالهم في بيوتهم، حتى ولو كان هو الحاكم؛ إذ ليس له أن يوقع بهم العقاب لمجرد الظن أو لخبر نقله فاسق أو صالح، بل إنه لو نقل إليه شخص عن شخص ما رآه فيه من سوء انتهره على ذلك وأنبه، ونهاه عن ذلك، ووعظه وذكره بالله وحذره من عواقب التجسس والتميمة، وأخذ منه العهد ألا يعود لمثلها.
 
هذا هو الإسلام في أسمى تشريعاته وأرقاها. فأي نظام يدانيه في ذلك؟
 
إن الحرية الشخصية شيء مقدس في نظر الإسلام ما لم يتجاوز بها الفرد حدود اللياقة والأدب، فهو دين الوسطية، لا إفراط فيه ولا تفريط.
 
روى أبو داود في سننه، أن ابن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قيل له: إن فلاناً تقطر لحيته خمراً، فقال – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
 
قال مجاهد: لا تجسسوا، وخذوا بما ظهر لكم، ودعوا ما ستر الله.
 
وروى أبو داود عن الليث بن سعد قصة خلاصتها: أن رجلاً قال لعقبة: إن لنا جيراناً يشربون الخمر وسوف أدعو لهم الشرط ليأخذوهم، فقال له: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: فعلت ولكن لم ينتهوا، وسوف أدعو لهم الشرط ليأخذوهم، قال عقبة: لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أمريء فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوْءُودَةً فِي قَبْرِهَا".
 
وروى ان عمر بن الخطاب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال له رجل: إن فلاناً يشرب الخمر، فكتب إليه كتاباً وأورسل له رجلاً إليه، فلما فَضَّ الرجل الكتاب نظر فيه، فإذا هو يقرأ قول الله تبارك وتعالى: { حم  تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } (سورة غافر: 1-3) فبكى الرجل بكاء شديداً وتاب إلى الله عز وجل، فلما جاءه الرسول وأخبره خبره فرح بذلك فرحاً شديداً، وقال لجلسائه: هكذا فافعلوا بإخوانكم.
ورأى عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يوماً جمعاً من الناس خلف رجل وجارية يرمونهما بالحجارة، فلم يتحقق عمر من جلية الأمر ولكن زجرهم وصدهم عنهما وقال: اغربوا عن وجهي، وجوه لا ترى إلا في الشر.
 
ومن اطلع على الشروط التي وضعها الإسلام في إقامة الحدود – عرف صدق ما قلناه من أن حرية النفوس في الإسلام مصانة، وأن كشف الأسرار عدوان مبين وجرم عظيم.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في هذا الحديث: "وَلَا تَبَاغَضُوا" أي: ولا يبغض بعضكم بعضاً في غير الله تعالى؛ فإن البغض في الله واجب؛ وغيرة على حرمات الدين، وصيانة لأعراض المسلمين؛ فإن المسلمين إخوة جمعت بينهم كلمة التوحيد، وألفت قلوبهم على الحب والإيثار.
 
قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ".
 
وقد حرم الله على المؤمنين كل ما من شأنه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كتعاطي الخمر ولعب الميسر، والتجسس والغيبة والنميمة، وما إلى ذلك مما هو من مصايد الشيطان ومكايده.
 
روى أحمد في مسنده أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ 
قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ".
وأما البغض في الله فهو واجب – كما ذكرنا – وهو من أوثق عرء الإيمان، فلو ظهر لرجل من أخيه شر فأبغضه عليه، وكان الرجل معذوراً فيه – أثبت على بعضه له.
 
قال عمر بن الخطاب: إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بين أظهرنا، وإذا ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم، إلا وإن رسول الله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد انطلق به وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نخبركم، ألا من أظهر منكم لنا خيراً ظننا به خيراً وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شراً ظننا به شراً وأبغضناه عليه، سرايركم بينكم وبين ربكم تعالى.
 
هذا.. ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم – كثر سبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا تَدَابَرُوا" معناه: لا يقاطع بعضكم بعضاً؛ فإن التراحم بين المسلمين حبل موصول الحلقات، لا يجوز فصم عراه بسبب النزاع على غرض من أغراض الدنيا، أو الخصومة في أمر من أمور الدين؛ فإن الخلاف لا يفسد للود قضية.
 
وسمي التدابر تدابراً لأن كل واحد يولي دبره للآخر عند المفارقة والمقاطعة.
 
والتدابر من الكبائر – كما هو معلوم من نصوص الكتاب والسنة.
 
قال الله تبارك وتعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (سورة آل عمران: 103).
 
وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (سورة الحجرات: 10).
 
وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي أيوب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ".
 
وهذا الحديث محمول علة الهجران لأمر من أمور الدنيا.
 
أما إذا كان الهجران لأمر من أمور الدين فإنه يجوز أن يزيد على الثلاثة عند جمهور العلماء، بدليل هجران النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بهجرانهم حتى أنزل الله توبتهم، وقد ظل الهجران قائماً نحو خمسين يوماً.
 
وكذلك يباح هجران أهل البدع والمنكرات؛ احتقاراً لهم وتوقياً من شرهم.
 
وذكرالخطابي أن هجران الوالد لولده والزوج لزوجته وما كان في معنى ذلك تأديباً – تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هجر نساءه شهراً.
 
واختلفوا هل ينقطع الهجران بالسلام.
 
فقالت طائفة: ينقطع بذلك، وهو الصحيح إن شاء الله؛ فقد روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يهَجِر أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ فَلَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عليه السلام فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْهِجْر".
 
وقال مالك – رحمه الله – : لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودة.
 
وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: يزول الهجر بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب، وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في نهاية هذا الحديث: "وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" توكيد لما تقدم وتعليل له، وبيان لفحوى هذه النواهي، فإنها من الأمور التي تقطع هذه الأخوة أو تؤثر فيها تأثيراً سلبياً يجعلها كالسراب، يراه الناظر فيحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
 
ونحن نسمع الرجل يقول لأخيه: يا أخي، أو أنت أخي وأنا أخوك، ونحن إخوة، وحضر الإخوة، وذهب الإخوة، وليس بينهم من الإخاء شيء يذكر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 
فكن – يا أخي – عند حسن ظن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بك، وأقبل نصحه لك؛ فهو رحيم بك وبأمثالك من المؤمنين، يريدك أن تكون مثالاً حياً للخلق الفاضل والكمال الوافر والسلوك النبيل.
 
يريدك أن تكون أخاً لكل المؤمنين، تحب لهم ما تحب لنفسك، وتحسن عشرتهم، وتخفض جناحك لهم، وتتواضع للكبير والصغير، والغني والفقير، وتتعاون معهم على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.
 
فالأخوة بنيان روحي، وتفاعل بين القلوب المؤمنة، وتجاذب بين الأرواح الخيرة.
وهي – يا أخي – ثلاثة مراتب، ذكرها الإمام الغزالي في كتابه الإحياء، أذكرها لك هنا بالمعنى من غير خوض في التفاصيل، فأقول:
 
المرتبة الأولى: أن تعطي أخاك ما هو في حاجة إليه دون أن يسألك، فإن تركته حتى يسألك فلست له بأخ كما ينبغي أن تكون الأخوة.
 
المرتبة الثانية: أن تخلط مالك بمال أخيك، فلا تسأله: كم أخذ، فإن سألته فلست له بأخ كما ينبغي أن تكون الأخوة.
 
المرتبة الثالثة: أن ثؤثر أخاك على نفسك بأعز ما تملك إن كان هو في حاجة إليه وكنت إليه أحوج.
 
وهذه المرتبة فاز بها الأنصار – رضوان الله عليهم – فقد قال الله فيهم: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } (سورة الحشر: 9).
نسأل الله أن يلحقنا بهم في أعلى عليين بفضله ورحمته.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم