قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ".
كان خالد بن الوليد – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قائداً ملهاً، لم يهزم في معركة قط، بل كان يرهب العدو قبل أن يلقاه، فزعاً من سطوته وإقدامه، وفراراً من سيفه المسلول، ومع ذلك كان يُفزعُ في منامه ويُرَوعُ، وهذا ليس بالعجيب من أمر أمثاله، فغالباً ما يحدث للعظماء ما يعكر عليهم صفو الحياة، ويحد من شعورهم البالغ بقوتهم وإحساسهم بسمو مكانتهم بين الأبطال والعظماء من الرجال.
جاء يوماً يشكو إلى النبي– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما يجده في نومه من أرق وفزع، فيعلمه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دعاءً يذهب الله عنه به ما يساوره في منامه، فيقول: "قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ..." إلى آخر هذا الدعاء الذي رواه مالك في موطئهغن يحيى بن سعيد الأنصاري.
وهذا الدعاء معناه ظاهر لا يحتاج إلى شرح وإيضاح، إلا في بعض كلماته، فلنبين أولاً بعض هذه الكلمات التي تحتاج إلى شيء من البيان، ثم نذكر ما يفتح الله به علينا فيه من أبواب العلم.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ" أي: عندما تضع جنبك على فراشك، كما هو المتبادر من الشكوى.
(وفي المحلى لابن حزم، والنسائي في سننه، أن خالداً كان يُفزع في نومه، فذكر ذلك للنبي– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فقال: "إِذَا اضْطَجَعْتُ قُل: بِسْمِ اللَّهِ".
وفي مسند أحمد عن خالد بن الْوَلِيدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً، قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّة مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يَضُرُّكَ".
وقد اختلفت الروايات في كون القصة له أو لأخيه الوليد بن الوليد، ولا مانع من الجمع. أهـ) بأن يقال: إن كليهما شكا إلى النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما يجده في نومه من فزع.
وَكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ كما قال النووي: هي الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب.
وقيل: هي النافعة الشافية، وفيل: المراد بها ههنا القرآن، وقيل: هي أسماؤه وصفاته، كما قال ابن حزم في المحلى، وقيل: هي جميع ما أنزله الله على أنبيائه؛ لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم، كما قال الزرقاني في شرح المؤطأ، وقيل: هي الثابت حكمها، قال تعالى: { تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (سورة الأنعام: 115)
وقوله تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى } (سورة الأعراف: 137).
والراجح عندي – والله أعلم – أن الكلمات التامة: هي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ إذ إن كل كلمة منها تدل على التوحيد الخالص والتنزيه المطلق، ومنتهى الجلال والجمال والكمال.
وكل منها تؤيد الأخرى وتؤكدها وتسد مسدها عند الإطلاق.
وهمزات الشياطين: وساوسها وهواجسها، وخطراتها ونزغاتها وما في هذا المعنى.
والأصل في الهمز: الضغط والعصر، والدفع والقطع، فالشياطين تضغط على الإنسان، وتعصر قلبه بالأحزان، وتدفعه إلى الشر، وتقطعه عن الخير، وتمنعه عما هو في حاجة إليه، وتورثه الجنون، وتصده عن الصراط المستقيم، وتحضره عند الموت؛ لترده عن دينه إن استطاعت، وتحول بينه وبين التلفظ بكلمة التوحيد.
ولهذا أمر الله نبيه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن يستعيذ بالله من همزات الشيطان، فقال – جل وعلا -: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } (سورة المؤمنون: 97-98). يعني عند الموت، وعند الصلاة، وعن الصدقات وسائر أفعال الخيرات، فهم يحضرون الإنسان في هذه المواطن كلها.
يقول الله – عز وجل -: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } (سورة فاطر: 6).
إنه ينفث فيه سمومه، وينفخ فيه ما يدعوه إلى الرياء والغرور والكبر، ويناجيه خضبة؛ ليدخل عليه الحزن والهم والغم.
قال تعالى: { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (سورة المجادلة: 10).
1- يؤخذ من هذا الحديث: وجوب الأخذ بالأسباب، ومنها الذهاب إلى الطبيب؛ لتشخيص الداء ووصف الدواء، وتناوله من أجل الشفاء والاعتماد على الله مع ذلك كله.
ولما كان محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – طبيب الأطباء وأحكم الحكماء، جاءه خالد بن الوليد يشكو إليه علته؛ ليجد عنده النصح النافع والدواء الناجع، فكان عند حسن ظنه به.
2- ويؤخذ منه: أن الدواء قد لا يكون مادياً فحسب، بل يكون معنوياً أيضاً.
وكثيراً ما يكون الدواء المعنوي أقوى تأثيراً من الدواء المادي، وذلك معروف عند أهل الطب؛ فإن أكثر الأمراض العصبية والنفسية والبدنية بوجه عام إنما تحدث بسب نقصان المناعة الروحية، وعدم الأخذ بالأدوية المعنوية، التي تتمثل في الذكر والدعاء والاتجاه إلى الله – عز وجل -.
وهذه الأدوية المعنوية أو الروحية إنما يصفها للناس أرباب العلم بالكتاب والسنة، وأهل المعرفة بطبائع البشر وأمزجتهم وأحوالهم.
ويتلقى هذه الأدوية أصحاب القلوب الواعيىة والعقول النيرة والعقائد السليمة، فهم الذين ينتفعون بها دون غيرهم { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة الذاريات: 55).
من أجل ذلك صعب على الكثير من المرضى أن ينتفعوا بهذه الأدوية الروحية، ولو جاءتهم من غير طلب ولا تكلف.
وذلك لأنهم لا يؤمنون بها، إلا إيماناً ظاهراً، لم يتعمق في قلوبهم، ولا يوقنون بأن الدعاء يرفع البلاء ويحقق الشفاء من كل داء.
وقد يدعو الداعي بهذا الدعاء الوارد وبغيره من الأدعية الواردة دون أن يجد إجابة، فيسيء الظن بالله، ويقول: دعوت فلم يستجب لي، فيترك الدعاء ويشك في وعد الله تعالى الوارد في قوله – جلا وعلا -: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (سورة البقرة: 186)
وقوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (سورة غافر: 60).
وقوله عز شأنه: { أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } (سورة النمل: 62).
لكن خالد بن الوليد يدعو الله بهذا الدعاء وهو موقن كل اليقين بأن الله – عز وجل – سيعافيه مما يعانيه، فيزول أرقه وفزعه بعد ليالٍ قليلة بأمر الله تعالى وقدرته.
روى الطبري في هذا الحديث زيادة تعتبر دليلاً على ما ذكرت: "عن عائشة قالت: فلم ألبث إلا ليالي حتى جاء خالد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، والذي بعثك بالحق ما أتممت كلماتي التي علمتني ثلاثاً، حتى أذهب الله عني ما كنت أجد، ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسه".
والخيس – بالكسر- : موضع الأسد، كما في مختار الصحاح.
ومعنى قوله هذا: أن الله – عز وجل – قد استجاب له، فرفع عنه البلاء، وأمده بقوة عظيمة في مواجهة جميع المفزعات من جن وإنس وحيوان، فهو الكريم الذي يعطي عبده أكثر مما يسأله ويتمناه.
فعلى كل مسلم أن يضرع إلى الله – عز وجل – بالدعاء الوارد عن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ؛ فإنه أدوية روحية خارقة للعادة؛ والدعاء كما نعلم مخ العبادة، والشفاء بيد الله تعالى: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } (سورة الشعراء: 80).
وليكن الداعي حسن الظن بالله؛ فالله عز وجل – يقول في الحديث القدسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُم، وَإِنْ تَقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقرَبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تقرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".
3- يؤخذ من هذا الحديث: أن العبد ينبغي إذا دعا الله – عز وجل – أن يذكر ذنوبه ويعترف بتقصيره في حق ربه، ويسأله أن يقيه غضبه وعقابه قبل أن يسأله شيئاً من مطالب الدين والدنيا، ولو بقلبه، فإن الاعتراف بالذنب والخوف من عاقبته يمهدان العذر للداعي، فيستجاب له مع تقصيره وعدم استحقاقه لقبول الدعاء منه.
وهذا دين الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين.
فآدم – عليه السلام – دعا ربه هو وحواء فقالا كما حكى القرآن عنهما: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (سورة الأعراف: 23).
ويونس – عليه السلام – قال كما حكى القرآن عنه: { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } (سورة الأنبياء: 87).
والاعتراف بالذنب والخوف من عقوبته فيه ما فيه من التواضع الجم لعظمة الخالق – جل شأنه – وإظهار الافتقار التام إليه، وهذا هو ما يؤهل الدعاء للقبول.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن تجاب دعوتهم إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم