احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ،أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"إِذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ". 
كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يبغض المدح؛ لما يؤدي إليه من المبالغة الداعية إلى الكذب والمؤذنة بشيء من النفاق يعرف على صفحات وجه المادح أو في فلتات لسانه، ولذا قال عليه الصلاة والسلام- : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، فَقُولوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
 
وكان – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أحياناً يقبل الثناء عليه من المخلصين من أصحابه مجاملة وإفساحاً لهم في التعبير عن حبهم إياه، ولكن إذا صدر من أحدهم مبالغة نهاه عنها بلطف وأدب.
 
وتبعاً لكراهته المدح كان يكره المداحين ولا يكره المادحين، وهناك فرق بينهما.
 
فالمادح: اسم فاعل يصدق على من وقع منه المدح ولو مرة واحدة، وهو لا يُشعر بالمبالغة في المدح، بخلاف اللفظ الآخر، فإنه من صيغ المبالغة، وهو أيضاً من صيغ النسب السماعي؛ لكثرة مدحه، والتأكل به، واتخاذه حرفة، يتقرب بها إلى الأمراء وغيرهم.
 
فمعنى مداح: منسوب إلى المدح، كحداد وبراد ونجار... إلى آخره، مع ملاحظة المبالغة أيضاً.
 
ومن هنا نفهم المراد من قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ" ولم يقل المادحين.
ولكن ما معنى هذا الأمر، هل هو على حقيقته، أم هو على سبيل المجاز؟
 
ذكر ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري في هذا المعنى خمسة أقوال:
 
الأول: قيل المراد بالمداح هنا: من يمدح الناس بالباطل، فإنه هو الذي ينبغي أن يحثو الناس على وجهه التراب على الحقيقة، كما فعل المقداد بن الأسود مع من مدح عثما بن عفان – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –.
 
الثاني: قيل المراد بالأمر: الخيبة والحرمان مما قصد إليه بمدحه من الأغراض الدنيوية، كقولهم لمن رجع خائباً: رجع وكفه مملوءة تراباً.
 
وعليه يكون المراد بالمداح: من قصد بمدحه عرضاً من الدنيا، وإن لم يكن ماقاله في مدحه باطلاً.
 
الثالث: قولوا له: يفيك التراب، والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله.
 
الرابع: أن ذلك يتعلق بالممدوح، كأن يأخذ تراباً فيبذره بين يديه ليتذكر بذلك مصيره إليه، فلا يطغى بالمدح الذي سمعه.
 
الخامس: المراد يحثو التراب في وجه المادح: إعطاؤه ما طلب؛ لأن كل الذي فوق التراب تراب.
 
قال الطيبي: ويحتمل أن يراد دفعه عنه وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من الرضخ، والدافع قد يدفع خصمه بحثى التراب على وجهه استهانة به. أ.هـ.
ويؤخذ من هذا الحديث فوق ما ذكروه:
 
1-  التنفير الشديد من المداحين؛ لأنهم يهيمون على وجوههم فيمدحون هذا ويذمون ذاك في شعرهم ونثرهم ابتغاء عرض من عروض الدنيا، فيضطرون حتما إلى التملق والنفاق والخداع واتخاذ الحيل الممنوعة شرعاً في تحقيق مآربهم الشخصية، ويحاولون إرضاء الممدوحين بكل حيلة ممكنة، والله أحق أن يرضوه، لكن ممارستهم للمدح أنسته ربهم، ووكلتهم لمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وصرفهم عن الهمم العالية، وجعلتهم كالمتسولين، الذين يسألون الناس من فضول أموالهم، ولا يبالون تخلوا عن العزة أم تخلت العزة عنهم، فهم أحقر الناس شأناً وأحطهم قدراً، لا ينبغي أن يستقبلهم الناس أو يسمعوا منهم أو يتناقلوا مدائحهم، فهم يعيشون على هامش الحياة، ولو عرفوا قيمة الحياة لطلبوها في مظانها.
 
إن الحياة سمو وكمال، وليست دنيا يصيبها الإنسان من حلال أو من حرام.

 
2- حَث هؤلاء المداحين على ترك المدح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وحضهم على الصدق في جميع الأقوال والأفعال والأحوال، والرقي بأنفسهم عن مواطن الذل والهوان.
 
وليجعل كل واحد منهم نصب عينيه قول الله تبارك وتعالى: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } (سورة الشعراء: 224-227).
 
بل على المداح أن يحثو على وجهه التراب قبل أن يفعل الناس به ذلك؛ إذ من هانت عليه نفسه كانت على الناس أهون.
 
نسأل الله السلامة والعافية.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم