إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَدْمَة الأَوَّلى

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي".
فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي. فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ.
فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ.
فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ"
أَوْ قَالَ: "عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ".
*     *     *
التقوى مع الصبر من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد.
وللتقوى آثارها العميقة في القلوب المؤمنة، وقد تقدم الكلام فيها أكثر من مرة.
 
والقول الجامع لآثارها قول عائشة – رضي الله عنها –: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء.
 
والصبر أثر من آثارها، بل هو قرينها الذي لا يفارقها، ولكن ما هو الصبر – ما هي حقيقته وما هي أمارته؟
 
هذا ما سنعرض له إجمالاً، وسنعرض له بشيء من التفصيل في موضع آخر، لأن الأمر بالصبر في هذا الحديث خاص بالصبر عند مصيبة الموت، فلنقصر كلامنا فيه فنقول:
 
الصبر هو: مواجهة الصعاب بصدر رحب وقلب مطمئن والرضا بقضاء الله وقدره، والتخلي عن كل ما يجلب اليأس والجزع بقدر الصدمة، والاستعانة على ذلك كله بكثرة الذكر وقراءة القرآن، والصلاة في جوف الليل، والدعاء الخالص، وسماع المواعظ، ومفارقة الأماكن التي يشعر فيها بضيق الصدر وانقباض القلب، والذهاب إلى الأماكن التي تشرح الصدر، وتذهب الجزن بشرط ألا يكون فيها ما لا يباح رؤيته أو مجاورته   والنزوح إليه.
ومن هذا يتبين لنا عظمة الصبر ومنزلته من الإيمان.
وقد قسم العلماء الصبر إلى أقسام باعتبارات مختلفة.
 
فقالوا: ينقسم الصبر إلى صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر على البلاء.
 
أما الصبر على الطاعات فمعناه: تأدية الواجبات والسنن والمستحبات من غير تقصير ولا تباطؤ؛ ابتغاء مرضات الله تعالى، وطمعاً في رحمته وخوفاً من عذابه.
 
وعلامة الصبر على الطاعات، أن يجد العبد في الطاعات لذة لا يجدها في غيرها مما تشتهيه نفسه، ويشعر عند تأديتها براحة نفسية عجيبة لا يجدها إلا فيها.
 
وأما الصبر عن المعاصي فهو لا يقل شرفاً عن القسم الأول ولا يفارقه؛ فالطاعة: امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولا يسمى العبد مطيعاً إلا بهما.
 
وعلامة الصبر عن المعاصي أن يتذوق العبد حلاوة النصر على النفس، والهوى، والشيطان، والدنيا، كلما هم بمعصية ولم يفعلها.
 
وحلاوة النصر لا يعرفها إلا من ذاقها، وهي منتهى أمل الساعين إلى ثواب الدنيا والآخرة معاً.
 
قال تعالى: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } ( سورة الصف: 13).
 
والنصر والفتح القريب: هو قسط من ثواب الدنيا ولا يحصل إلا بالصبر والمجاهدة.
وبشرى المؤمن نوعان: دنيوية وأخروية، فالمؤمن يتقلب في أنعم الله الظاهرة والباطنة، ولا يرى فيها ما يراه غيره من النكد، والكمد، والفلق، والحرج، والحرمان من المتعة الحقيقية، وذلك بسبب رضاه بقضاء الله وقدره، وصبره على طاعته، وتخليه عن معصيته، وشكره على نعمائه.
فهو في سعادة لو علم بها الملوك لقاتلوه عليها بسيوفيهم، فهو فقير إلى الله، غني بالله، مجاهد في الله، متوكل على الله، فأي سعادة أعظم من هذه السعادة! وأي نعمة أعظم من هذه النعمة!.
 
يقول الله عز وجل: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (سورة آل عمران: 146-148).
 
وثواب الدنيا يتمثل في القناعة والرضا، والشعور بالأمن والاكتفاء الذاتي.
ومبدأ هذا كله من الصبر ومنتهاه إليه.
 
لهذا أمر الله المؤمنين أن يستعينوا به في جميع أمورهم، وأن يستعينوا في تحصيله بالصلاة.
 
قال جل شأنه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (سورة البقرة: 153).
 
وقد بين الله ثواب الدنيا في آيات كثيرة فقال في سورة هود: { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } (آية: 1- 3).
 
والمتاع الحسن ليس في المال والجاه، والمنصب وكثرة الملذات، ولكنه في القناعة فهي كنز لا يفنى، وهي الحياة الطيبة التي أشار الله إليها بقوله: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }  (سورة النحل: 97).
 
وأما القسم الثالث من أقسام الصبر، وهو الصبر على البلاء فإنه ناشيء عن الرضا بقضاء الله وقدره كما أشرنا من قبل، وملازم للنوعين الأولين وداخل فيهما.
 
والثواب على قدر المشقة، والدرجات في الجنة على قدر الإخلاص، ويكفيك إذا أردت أن تعرف عظمة ثواب الصابرين أن تتدبر قوله تعالى { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (سورة البقرة: 155-157).
 
وانظر على وجه الخصوص إلى هذا الوعد الجامع في قوله: { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }، لتعلم بعد التأمل الدقيق: أن المراد بالصلوات النفحات التي لا يعلم مداها إلا الله.
 
والرحمة: هي الجنة، بدليل قوله تعالى في سورة آل عمران: { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (آية: 107).
 
ولكن ما معنى قوله تعالى: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }؟
أرى – والله أعلم – أنهم مهتدون في الدنيا إلى ما يرضاه الله لهم، ويرضونه لأنفسهم.
 
ومهتدون في الآخرة إلى الصواب في القول.
 
أخذ من قوله تعالى: { لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } (سورة  النبأ: 38)، فهم أهل الصواب في الدنيا والآخرة.
 
وهم مهتدون في الآخرة أيضاً إلى طريق الجنة، وإلى ما أعده الله لهم فيها بحيث يعرف كل مؤمن درجته ومسكنه وأهله فيها بيسر ميسر بلا نصب ولا لغوب.
 
قال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } (سورة الانشقاق: 7-9).
 
والصبر على البلاء درجات، من أعظمها الصبر عند الصدمة الأولى، فإنها تسلب الإنسان غالباً لبه، وتفزع قلبه، وتفسد مزاجه وتتلف أعصابه – فينسى عند وقوعها حلمه، فيقول ما لا ينبغي أن يقال، ويأتي من الأعمال ما لا يليق بمثله أن يأتيها.
 
فإذا ما ملك نفسه عند وقوع الصدمة، واسترد حلمه على وجه السرعة، أقلع عما بدر منه فوراً أو بعد وقوعها بقليل، واسترد عافيته، واستلهم رشده، وعاد إلى ما كان عليه حاله قبلها، بل ربما ازداد بها إيماناً مع إيمانه، وسكينة على سكينته، بل ربما يفرح بوقوع الصدمة ويعتبرها في ميزان حسناته وتكفيراً لسيئاته، ويقول في نفسه: "ذنب عُجلت عقوبته". و "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة".
 
وأعظم ما يُعَتبر به المسلم عن الرضا بالقضاء والقدر قوله: "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"، بحيث تَصدُرُ من أعماق قلبه.
 
ولكي تهون عليه مصيبته ينبغي أن يُرددها كثيراً كلما لاح له شبح الصدمة، أو أطل عليه من بعيد.
 
والشيطان يحاول جهده أن يستدعي للإنسان خواطره السابقة، ويوردها عليه كلما نسيها أو حاول أن يتناساها؛ ليحزن قلبه، ويُشتت ذهنه، ويجلب عليه اليأس والقنوط والجزع والهلع، ويعوقه عن الفرار إلى الله.
 
ولا يرد الشيطان عن هذه الوسوسة إلا ذكر الله – عز وجل -.
وأعظم أنواع الذكرعند نزول المصيبة هي تلك الكلمة التي كان يرددها النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل شيء نزل به أو يأهله.
*     *     *
... ونعود إلى النظر في الحديث من أوله فنجد أن المرأة التي تبكي على صبي لها قد مات يأمرها النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتقوى والصبر، ولم ينهها عن البكاء، لأنها لا تستطيع أن تكفكف دمعها بسهولة، وهو لا يتنافى مع الصبر؛ لأنه رحمه، وإنما يتنافى معه إظهار الجزع والهلع بلطم الخدود وشق الجيوب وغير ذلك مما كان يقوله الناس ويفعلونه في الجاهلية.
 
وقد أفتى جمهور الفقهاء بجواز البكاء على الميت ولو بصوت مرتفع إذا لم يصحبه صراخ؛ أو لطم للخدود، أو شق للجيوب – كما ذكرنا – أو دعاء بالويل والثيور، وذكر ما كان للميت من نسب منيع، ومقام رفيع، ونحو ذلك من الدعاوي.
 
فقد بكى النبي – صلى الله عليه وسلم – على ولده إبراهيم حين مات وهو ابن سبعة عشر شهراً، وبكى على بعض أصحابه، كعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ – رضي الله عنهما -، وبكى على بعض بناته – رضي الله عنهن -، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة.
 
منها ما رواه ثابت البناني – رضي الله عنه – عن أنس – رضي الله عنه – قال: دخلنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أبي سيف القين وكان ظئراً لإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا الرسول – صلى الله عليه وسلم – تزرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟!
فقال: "يا ابن عوف، إنها رحمة"، ثم اتبعها بأخرى.
 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".
 
وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: استكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي – صلى الله عليه وسلم – يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: قد قضى؟.
فقالوا: لا يا رسول الله.
فبكى – صلى الله عليه وسلم – فلما رأى القوم بكاءه بكوا.
 
قال: "أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وأشار إلى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ". 
 
وعن عائشة رضي الله عنها- قات: إن سعد بن معاذ لما مات، حضره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر وعمر.
 
فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكان كما قال الله تعال: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (سورة الفتح: 39).
 
وهذا الحديث يدل على جواز البكاء بصوت مرتفع؛ لأن عائشة استطاعت أن تميز بكاء عمر من بكاء أبي بكر – رضي الله عنهما -.
 
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه لما ماتت زينب – رضي الله عنها – بكى النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده وقال: "مهلاً يا عمر". ثم قال: "ابكين وإياكن ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمِنَ الرحمة، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ".
 
والإسلام واقعي في منهجه لا يأمر إلا بما في طاقة الإنسان، ولا ينهى عن شيء فيه مصلحته.
*     *     *
وحين قال النبي – صلى الله عليه وسلم – للمرأة: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي" – لم ترض بهذا القول لشدة حزنها على صبيها، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي!. أي: أو ما تبالي بها، أو إنك لا تبالي بها.
 
وفي رواية البخاري قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي.
 
ولم يصرح في روايته أنها تبكي على صبي لها، ولكن جاء في صحيحه أنها كانت تبكي عند قبر، فأفصحت رواية مسلم أن هذا القبر لصبي لها.
قال في رواية البخاري: ولم تعرفه.
 
فلما ذهب الرسول – صلى الله عليه وسلم – عنها. قيل لها: إنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم –.
 
فلما أخبرت بذلك أصابها شيء من الإغماء من شدة الفزع والخجل، والخوف من عذاب الله ومن غضب رسوله – عليه الصلاة والسلام – حتى بدا للناس أنها أشرفت على الموت.
 
فلما أفاقت من صدمتها التي ربما كانت أعظم من صدمتها في صبيها أتت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – في بيته أو مسجده؛ لتعتذر إليه حتى يرضى عنها، ويصفح عن ذلتها، فلم تجد من يحرسه ويقف ببابه ليرد الناس عنه، أو يستأذن لهم في الدخول عليه، فهالها ذلك أيضاً، وأدهشها حاله – كيف يكون بهذه العظمة وليس له من يرد الناس عن بابه، ويحرسه في ليله ونهاره.
 
فقال والحزن والأسف يملأ قلبها كلمة فيها العذر كله: يا رسول الله، لم أعرفك. ولم تزد عليها، فتقبل النبي – صلى الله عليه وسلم – عذرها، وهو يعرفه سلفاً بنور بصيرته، وبادرها بقوله: إِنَّ الصَّبْرُ عِنْدَ أَول صَدْمَة" أو قال: "عِنْدَ أَول الصَدْمَة" شك من الراوي.
 
والمعنى متقارب، إلا أن الفقرة الأولى تفيد أن الصدمة الأولى في حياة الإنسان إذا صبر عليها تدرب على غيرها من الصدمات التي تدانيها أو تساويها أو تعلوها، وحصلت له بكثرة الصبر قوة خارقة للعادة على تحمل الشدائد ومواجهة الصعاب، وصار من أولى الحزم والعزم في جيمع الأمور.
 
{ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } (سورة الشورى: 43).
 
والفقرة الثانية: تدل على أن الصدمة إذا وقعت يكون وقعها في بادئ أمرها شديداً، ثم تزول شدته شيئاً فشيئاً، فإذا ما صبر المرء نفسه في أولها تلاشي وقعها على نفسه في وقت قريب، وربما يتلاشى بعد وقوعها بلحظة إذا ما استجمع قواه واستحضر في ذمته. قوله تعالى:
{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (سورة التوبة: 51).
 
وقوله تعالى:
{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } (سورة الحديد: 22-23).
 
وقوله تعالى:
{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (سورة التغابن: 11).
 
وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على الرضا والصبر والشكر، والزهد والقناعة، وتهون على المسلم هول المصاب.
 
وفي رواية البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لها: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَدْمَةٍ الأَولَى".
 
أي إنما الصبر الذي يحمد عليه المسلم كل الحمد ما كان عند الصدمة الأولى، أو عند مفاجأة المصيبة.
 
ولعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد عدل عن التصريح بقبول عذرها ولم يفصح عن رضاه عنها، لكي يُلَقنها درساً ينفعها في دينها ودنياها، وهي تفهم من خلال هذه المقولة أنه قد قبل عذرها وعفا عنها ضمنها؛ إذ لم يصرح لها بعد القبول والرضا.
 
وكأنه قال لها: دعك من الاعتذار فقبوله أمر هين، وأنا لا أغضب إلا لله، فانظري في أمرك واصبري على مصيبتك لتحصلي على أجر الصابرين، فإن جزعك على ولدك قد فوت عليك الكثير مما أنت في حاجة إليه في أمر معاشك ومعادك، إلى آخر ما تحتمله هذه الوصية من العظات والعبر.
 
ويكفينا ما ذكرناه في فضيلة الصبر، وسيأتي عنه في مواضع أخرى كما وعدناك – أيها القاريء الكريم.
وبالله التوفيق.
*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم