مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ".
فطرحت وصية تبدو وكأنها وصية مودع، تحمل في طياتها أموراً ذات بال، قد ينساها الإنسان أو يتناساها؛ لبعده عن الله عز وجل؛ وشدة تعلقه بالدنيا واتباعه للهوى، وانطباعه على الأثرة وحب الذات.
 
من هذه الأمور الأخوة الصادقة بين المؤمنين وما لها من حقوق يجب أن تؤدى، وآداب ينبغي أن تراعى، وحرمات يجب أن تصان.
 
ومنها توخي العدل بين الناس مسليمن وغير مسلمين؛ ومعرفة الأسس التي يقوم عليها، وكيفية تطبيقه على النحو الأمثل؛ من أجل استقرار الأمن ونشر السلام في ربوع البلاد بين العباد.
 
ومنها أن الإنسان خطاء بطبعه، ومادام هذا طبعه فلا يلام عليه، إلا إذا أصر على التمادي فيه.
 
ومنها أن الإنسان إذا أخطأ في حق أخيه وجب عليه أن يعتذر إليه، ويرد إليه ما اقتطعه منه بالمعروف إن استطاع إلى ذلك سبيلا. أو يطلب منه السماح فيه بحكمة وتلطف وأدب.
 
وهناك أمر آخر هو الدافع إلى التمسك بهذه المباديء الثلاثة، وهو الخوف من الله عز وجل؛ فإن الخوف منه إذا ملك على الإنسان مشاعره حال بينه وبين المعاصي صغيرها وكبيرها، وجمع قلبه على حبه وطاعته عز وجل.
ونحن إذا نظرنا في هذا الحديث وجدناه واضحاً في معانيه ومراميه، ولكن لا غنى لنا عن الدندنة حوله؛ طلباً للمزيد من الفهم والفقه.
 
وقد قلنا في وصايا سابقة: إدراك المعاني فهم، وإدراك المرامي فقه، ووراء المعاني والمرامي أسرار وآثار.
 
"وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ" كما قال الرسول– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
في هذه الوصية كلمات لابد أن نعرف مدلولها في اللغة العربية، ليسهل علينا فقهه.
1- المظلمة – بكسر اللام وفتح الميم – اسم لما يطلبه المظلوم من الظالم.
ويقال لها ظُلامة – بضم الظاء.
 
والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وهو بمعنى المنع أو النقص.
يقال: فلان ظلمني حقي أي: منعني حقي كله أو بعضه.
 
ومنه قوله تعالى: { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا } (سورة الكهف: 33) أي: لم تنقص شيئاً منه.
 
وسميَّ الظلم ظلماً لأنه يشبه الظلمة؛ لما فيه من ستر الحقائق وضياع للحقوق.
ولهذا قيل: الظلم ظلمات يوم القيامة.
ولا يصدر الظلم إلا عن ظلمة القلب.
وظلمة القلب قسوة وكآبة.
والمظلمة – بكسر اللام – نوعان.
 
مظلمة مادية تتمثل في الأموال النقدية والأمتعة ونحوها مما يتملك.
 
وهذا النوع هو المراد هنا في هذا الحديث بدليل قوله: "فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ".
 
ومظلمة معنوية تتعلق بالأعراض والحرمات والآداب العامة والأعراف المتبعة في إعطاء كل ذي حق حقه من الاحترام والحرية، ونحو ذلك مما يجب أن يؤدي ولا يُملك.
 
وهو مراد في الحديث أيضاً لكن بالتبعية؛ لأن النص. لا يأباه فإن النص إذا احتمل معنين فأكثر ولم يكن بين المعاني تضاد – جاز حمله عليها جميعا-.
 
2- التَّحَلُّلُ منها معناه: التخلص منها بردها والتكفير عنها بالتوبة والعمل الصالح وبطلب التجاوز عنها والسماح فيها بطيب نفس من صاحبها، فهذان طريقان للتحلل من المظلمة المادية إجمالاً.
 
فمن أخذ من أخيه مالاً ظلماً فعليه أن يَرُدَّهُ إليه متى تمكن من ذلك من غير إبطاء ولا إحراج، فتأدية الحق لصاحبه شرط في صحة التوبة، فإن لم يؤده إليه بقيت المظلمة عليه يأخذها المظلوم من حسناته يوم القيامة.
 
هذا فوق ما يلاقيه الظالم من العذاب في الدنيا، فإنه قد غلب صاحب الحق على حقه، فلابد أن يسلط الله عليه من يغلبه ويسيء إليه.
 
قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (سورة  الأنعام: 129).
 
ومن المعلوم أنه كما تدين تدان، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن صارع في الحق صرع.
 
وما أحسن قول الشاعر:
من يزرع الشر يحصد في عواقبه                   ندامة ولحصد الزرع إبان
 
وقول الآخر:
الخير يبقى وإن طال الزمان به            والشر أخبث ما أوعيت من زاد
 
فإن كان الذي عليه المظلمة لا يعرف صاحبها، أو غاب عنه فلم يجده فليتصدق بما أخذه منه على ذمته.
 
وإن كان صاحب المظلمة قد مات فليعط الحق لورثته؛ فقد صار ملكاً لهم.
 
وإن كان لا يستطيع دفعه في الحال طلب من صاحبه أن يمهله.
 
وإن كان فقيراً لا يرجو الغنى عن قُرب، وخاف أن يموت قبل أن يقضي الحق لصاحبه – فليوص بذلك أولاده إن كان له أولاد، أو يطلب منه السماح كما أشرنا.
 
فإن لم يعف عنه فليطلب العفو من الله عز وجل، فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وسوف يرضى الله عنه خصومه يوم القيامة بفضله ورحمته.
وأن التحلل من المظالم المعنوية فإنه يختلف باختلاف الأحوال.
 
فإن كان الحق يتعلق بالحرمات والأعراض فليعترف له به، وليعتذر له عما بدر منه ما لم يؤد الاعتراف إلى ذنب آخر وضرر أكبر، كالزنا وما يقاربه، فإنه لا ينبغي أن يعترف له به لو حدث منه ولا بمقدماته، ولكن عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويكثر من الأعمال الصالحة، ويتودد إلى من ظلمه، ويعمل جاهداً على خدمته والتعاون معه على البر والتقوى، والإحسان إليه حتى يحبه ويرضى عنه يوم القيامة، حين تظهر فضائح النفوس، وحين يحصل ما في الصدور.
 
والإنسان عبد الإحسان، فإذا نفر بسيئة مال بحسنة.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم            فلطالما استعبد الإنسان إحسان
 
فليس من المعقول أن يقول واحد من الناس لأخيه أنا فعلت بأهلك أو بابنتك أو بأختك كذا فاعف عني فيعفو عنه.
 
إنه لو أخبره بذلك ربما قتله وشرب من دمه؛ غيرة على عرضه وحرمته.
فعليه إذاً أن يطلب العفو من خالقه ومولاه، ويلجأ إليه وحده ليخلصه من مثل هذه المظالم، التي لا يقدم عليها إلا من طاش عقله وسفه نفسه.
 
ومثل الزنا القذف، فإنه ليس من الخير أن يقول الرجل لأخيه: إني قلت فيك أو في امرأتك قولاً استحق أن أُجلد به ثمانين جلدة. فاعف عني.
 
ولكن من الخير أن يتوب ويستغفر ويكثر من الحسنات.
فقد قال الله – عز وجل –: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (سورة هود: 114).
 
وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
 
وكذلك سائر الحدود؛ فإن الشأن فيها الستر والإخفاء.
 
فقد جاء في الصحيحين، عن عبادة بن الصامت – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال: "كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلوا أولادكم  ثم قَرَأَ لْآيَةَ التي أخذت على النساء { إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ }: فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ".
 
نسأل الله العفو والعافية وحسن الخاتمة.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم