الزم جماعة المسلمين وإمامهم

الكاتب : محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 

عن أبي أدريس الخولاني أنه سمع حذيفة – رضي الله عنه – قال: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ: هم مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى – وفي رواية: فما تأمرني إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ؟ فَقُلْتُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟

قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".


*     *     *


حذيفة بن اليمان صحابي جليل له في العلم قدم راسخ، أسلم هو وأبوه حسبل بنجابر العبسي، وقد أرادا حضور غزوة بدر فمنعهما المشركون من ذلك، وحضرا معاً غزوة أحد، ومات أبوه بها، وشهد حذيفة الخندق وما بعدها، وشهد فتوح العراق وله بها آثار شهيرة، واستعمله عمر على المدائن عاصمة الفرس فلم يزل بها حتى مات بعد بيعة علي بأربعين يوماً - رضي الله عنه – وأرضاه


*     *     *

يخبر حذيفة عن نفسه أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر، بينما كان الناس يسألونه عن الخير مخافة أن يدركه فيهوله ويزعجه، ولا يستطيع أن يدفعه عن نفسه إذا نزل به، فالمرء إذا عرف الشر قيل نزوله هيأ نفسه لاستقباله بما ينبغي أن يستقبل به، وأعد العدة لتحاشيه وتلاشيه، وتوقي الأسباب المؤدية إليه.

 

والعاقل من يعرف الشر لا للشر ولكن لتوقيه، وأخذ الحيطة من الوقوع فيه.

 

ومعرفة الشر مقدمة على معرفة الخير؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح كما يقول علماء الأصول.

وقد قال علماؤنا الأبرار: التخلية مقدمة على التحلية.

 

والمراد بالشر في هذا الحديث: الفتن التي تقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.

 

ولم يرد حذيفة أن يتعالى على أصحابه، أو يتظاهر بما خصه الله به، ووفقه إليه، فذلك ليس من شأنه وهو حافظ سر النبي صلى الله عليه وسلم، قد ميزه عن غيره بأمارات يعرف بها المنافقين، وأمده بكثير من العلم، ومات وهو راض عنه، وأحبه أصحابه حباً جما، وكان عمر – رضي الله عنه – لا يصلي على أحد مات من المسلمين حتى يصلي عليه حذيفة إذا كان حاضراً، وكان عمر يسأله قائلاً: يا حذيفة هل ترى في علامة من علامات النفاق، فيقول: لو أعلم فيك شيئاً من النفاق لأخبرتك به.


 

وأكبر الظن أنه أخبر عن نفسه بما أخبر به ليثق الناس في روايته فيحذروا مما أمروا أن يحذروا منه، ويقفوا على جلية الأمر فيعدوا له عدته، حتى لا يدركهم الشر وهم عنه غافلون فلا يستطيعون له دفعاً.

 

إن حذيفة – رضي الله عنه – قد حمل أمانة العلم، وأخذ على عاتقه أن يروي لأصحابه كل صغيرة وكبيرة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقص عليهم منا رآه أفعاله التي يتعلق بها التشريع الحكيم.


*     *     *

 

قال حذيفة: يا رسول الله، إنا كنا في الجاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير.

 

والمعنى: إنا كنا نعاني ما نعاني من الجهل المُطبق الذي انتهى بنا إلى السفه والحمق، فبلغ الشر بيننا حده حتى لم يعد أحدنا يميز بين الخبيث والطيب، وطغت علينا حمية الجاهلية، والمعصبية القبلية لم تضع الحرب بيننا أوزارها، وكنا نعيد أصناماً لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولا تعني عنا شيئاً، فبعثك الله إلينا هادياً ومرشداً، ومبشراً ونذيراً، وأنزل عليك كتاباً فيه الخير كله، فآمنا بك وبما أنزل إليك من ربك، فبدل الله عسرنا يسراً، وخوفنا أمنا وأخرجنا الله بك وبالكتاب الذي أنزل من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.

 

هذا كله ترجمة لقول حذيفة – رضي الله عنه – فقوله هذا قليل الألفاظ كثير المعاني، والإيجاز سمة من أبرز سمات البلاغة.

 

وهذا القول تمهيد لسؤال يوحى بما يضمره حذيفة في نفسه من الجوف على ذهاب هذا الخير، أو ذهاب شيء منه، أو تعكير صفوه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: هل بعد هذا الخير من شر؟

 

أي: هل بعد هذه النعمة التي أظلتنا بظلها، وغمرتنا بخيرها من شر بتوقعه فنتوقاه إن نزل بنا بقدر طاقتنا، وبالأسلوب الذي تشيربه علينا.

 

وجاء في سؤاله بالحرف "من" للدلالة على تعظيم خشيته من الشر بجميع صورخ كبيره وصغيره، لأن هذا الحرف بعد النفي أو الاستفهام يدل على الاستغراق إذا دخل على نكرة.

 

فأي شر مهما قل حجمه يعكر على الناس صفو الحياة، ويكدر حلاوة الإيمان.

 

يجبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا السؤال بقوله: "نعم"، فما اكتمل شيء إلا أخذ في النقصان، كما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يوم أنزل الله قوله جل شأنه: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (سورة المائدة:3).

 

إذ فهم من هذه الآية دن أجل النبي صلى الله عليه وسلم.

 


*     *     *


ويسأل حذيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالاً فيقول: وهل بعد ذلك الشر من خير؟.

 

وهو سؤال يدل على غزاره علمه بسنن الحياة، فإن دوام الحال من المحال، والشر والخير يتعاقبات فلا يبقى أحدهما على حاله.

 

يدل على ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } (سورة آل عمران: 140).

 

ويقول جل شأنه: { فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } (سورة الشرح: 5-6).

 

وأكبر الظن أن حذيفة كان يتوقع الجواب لكنه يسأل ليطمئن قلبه، ويزداد بسماع الجواب أنسه وسلواه.

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: في الجواب: "نعم، وفيه دخن".

 

وعندئذ يشتد حرص حذيفة على معرفة الدخن ما هو؟.

 

هل هو الحقد والحسد والصراع على مطالب الحياة والتكالب على مطالب الدنيا.

 

هل هو الأثرة وحب الذات والنفاق والغش والخداع.

عل هو ظلم الأمراء وطغيان الحكام وتقصيرهم في واجباتهم نحو الرعية.

هل هو انصراف الناس عن الدين وبعدهم عن الصراط المستقيم.

 

هل هو عقاب من الله سينزل بذنوبهم، أم ماذا يكون هذا الدخن، فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فيجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة كافية شافية، ويحدد له من يصدر منهم الدخن وإليهم يعود، فيقول: "قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي" "وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ".

 

 

فالدخن إذا كناية عن قوم حجبوا بدخان شبهاتهم وشهواتهم نور الله عن أعين الناظرين وعن قلوبهم، فنزلوا البدع منزلة السنن، واقتدوا بأئمة الضلال من البدو وغيرهم ممن على شاكلتهم، وتمسكوا بالتقليد الأعمى، وعرفوا الحق بالأشخاص ولم يعرفوا الحق بالحق، وتفرقوا بسبب ذلك إلى مذاهب شتى، وكل طائفة تلعن أختها وتفغها أو تكفرها.

 

وقد كثرت هذه الطوائف كثرة لا يحصيها الغادون إلا بعد جهد جهيد.

 

فهناك الخوارج وهم أكثر من عشرين طائفة.

وهناك الشيعة وهم أكثر من خمسين طائفة.

وهناك المعتزلة والجهمية والمعطلة.

وهناك الصوفية وهم أكثر من خمسمائة طائفة أو تزيد.

وكل يدعي أنه على الحق، وأنه هو المؤمن بحق.

 

ومصيبتهم جميعاً أنهم يستدلون على إيمانهم وكفر غيرهم بالقرآن والسنة، والقرآن حمال أوجه، كما يقول على – رضي الله عنه – ولكن كتاب الله لا تناقض فيه ولا اختلاف، ولا زيغ فيه ولا انحراف.

 

{ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } (سورة فصلت 41-42).

 

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } (سورة النساء: 82).

 

فالدخن: هو عبارة عن الشبهات التي يثيرها هؤلاء وهؤلاء لنصرة مذهبهم بأي طريقة، وبأي وسيلة.

 

 

قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة آل عمران 7).

 

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ" أي ليسوا سواء في الخير ولا في الشر، ولكن تعرف منهم من وجوه الخير ما تعرف، وتنكر منهم من وجوه الشر ما تنكر، فهم قد خلطوا عسلاً صالحاً وآخر سيئاً، ما تعرف، وبدلوا دينهم، فجعلوا السنة بدعة والبدعة سنة، وحرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به حتى التبس على الناس أمرهم، فتارة يقول قائلهم: هم من المسلمين، وتارة يقول قائلهم: هم كفار في صورة مسلمين، ولا يعرف الناس جلية أمرهم فيغتر بهم قوم ويفر منهم آخرون.


*     *     *

ولما سمع حذيفة هذا الجواب لم يكف عن السؤال، فقال: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟.

 

قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا".

 

يا له من تصوير بلغ الغاية في دقة التعبير، إنهم دعاة أدعياء قد نصبوا أنفسهم أئمة يدعون إلى النار، ويأمرون الناس بالمنكر وينهونهم عن المعروف، قد نسوا الله فنسيهم وأنساهم أنفسهم فخرجوا من الإسلام من حيث لا يشعرون.

 

لا يكفون عن دعوة الناس إلى جهنم، وكأنهم بهذا يقفون على أبوابها إذ لا يلبسون إلا عشية أو ضحاها حتى يجدوا أنفسهم فيها هم ومن أجابوهم إلى ما دعوهم إليه.

 

{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } (سورة فاطر: 6).

 

 

نعم أولئك دعاة على أبواب جهنم ليس بينهم وبينها إلا مصيبة الموت، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.


*     *     *

ولا يزال حذيفة يسأل والرسول صلى الله عليه وسلم يجيب.

قال: يا رسول الله، صفهم لنا.

 

مع أن الوصف السابق كان كافياً ولكن حذيفة يريد أن يستوثق من أوصافهم بالبسط والتحليل.

 

وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم قد فطن إلى ما يبتغيه حذيفة – إنه يريد أن يعرف هل هم من العجم أم من العرب، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "هم مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، فعلم حذيفة أن الفتنة تخرج من العرب وإليهن تعود؛ لأن الدنيا تنفتح عليهم فيتنافسونها، ويتقاتلون على حطامها، ويتسابقون إلى الإمارة والملك، ولا يرقبون في سبيل ذلك إلا ولا ذمة، ويعودون إلى حميتهم الجاهلية، وعصبيتهم القبلية بسبب هذا التنافس المحموم، ويقتل بعضهم بعضاً لأتفه الأسباب، ويتركون أهم فريضة تحفظ عليهم أمور دينهم ودنياهم، وهي الجهاد في سبيل الله.

 

فإذا ما أهملوا هذه الفريضة استبد بهم عدوهم فشتت شملهم وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم وألقى الرعب في قلوبهم، فلا يزالون يخشون بأس عدوهم حتى يأتي الله بقوم آخرين يطبقون شريعته، ويجاهدون في سبيله حتى يأتي بأمر الله.

 

يقول الله عز وجل: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } (سورة النساء: 133).

 

ويقول جل شأنه: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (سورة فاطر: 16-17).

 

ويقول سبحانه: { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } (سورة محمد: 38).

ويقول عز من قائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (سورة المائدة: 54).

*     *     *

وبعد أن عرف حذيفة ما عرف اتبع حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسؤال كان ولابد له أن يعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو الغرض من الأسئلة السابقة كلها.

 

قال: يا رسول الله، فَمَا تَرَى – وفي رواية: فما تأمرني إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟

فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ".

 

أي: تتمسك بما يتمسكون به من الخلق الفاضل والسلوك النبيل، وتنهج نهجهم في عباداتهم ومعاملاتهم.

 

و " تلزم...إلخ" جملة  خبرية في اللفظ طلبية في المعنى، فهي بمعني إلزم، كأن اللزوم أمر مفروغ منه عند وجود هؤلاء الأشرار على حد قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } (سورة البقرة: 228). { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } (سورة البقرة: 233).

 

وجماعة المسلمين: هم أولئك الذين عرفوا الإسلام من مصادره الأصلية، وعملوا بما جاء في الكتاب والسنة في الوقت الذي فيه الإسلام غريباً كما بدأ.

 

وهم جماعة لا يكاد المرء يعرفهم لقلتهم وانحصارهم في مكان ما، لعله يكون ما بين مكة والمدينة، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا".

 

 

وإمام المسلمين يومئذ: هو أعلمهم وأتقاهم قد تولى أمرهم برضاهم وبقناعة منهم.

*     *     *

قال حذيفة – رضي الله عنه: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟

أي: إن لم يكن لهم رابطة تجمعهم، ولا مكان يضمهم، ولا إمام يأتمون به لقلتهم يومئذ وضعف شأنهم بين الناس، فماذا أفعل؟.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".

 

أي: اعتزل بقلبك وقالبك تلك الفرق الضالة كلها، ولا تركن إلى فرقة منهم فيضلوك عن سبيل الله، ولو أدى بك الأمر إلى أن تعض بأصل شجرة، وهو كناية عن اشتداد الأمر، وحصول المشقة البالغة من العزلة والبعد عن الناس، فالعزلة – كما نعلم – ضد رغبة الإنسان، وضد طبيعته، فالإنسان مدني بالطبع – كما يقول ابن خلدون في مقدمته لا يستطيع أن يعيش بعيداً عن أبناء جنسه، لأنه في حاجة إلى التمدين، وهو: الاجتماع والتعارف والائتلاف.

 

ومن أجل ذلك خلق الله الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل.

 

والعض معناه: اللزوم وشدة التمسك، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عضوا عليها بالنواجذ". 

 

أي: بالأسنان والأضراس.

 

وأصل الشجرة: أسفلها، فيكون المعنى: ولو أدى بك الأمر إلى أن تجلس تحت شجرة فتنحني على جذعها من شدة الإعياء والتعب فراراً بدينك من هذه الفتن التي تموج موج البحر، ولا ينجو منها إلا من اعتزل الناس وترك لهم دنياهم بأسرها، وبفضها وقضيضها.

نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

* * *

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم