لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ جَابِرِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ".
الإنسان عجول بطبعه، كفور في أكثر أحواله، كثير الجدل حتى مع نفسه، يغضب أحياناً لأتفه الأسباب، ويثور على من يغضبه حتى ينسى ما قد فعله به من صنائع المعروف، وما يكنه له من الاحترام والحب، فيسبه ويشتمه ويدعو عليه، بالويل والثبور وعظائم الأمور.
 
وأحياناً يملكه الغضب فيدعو على نفسه دعاءً لو أفاق من غضبه لاستنكره غاية الاستنكار، وندم على التفوه به إن صدق نفسه أنه قد دعا به؛ فالغضب يسلب الإنسان لبه، ويفقده إرادته، ويسيطر على كيانه كله، ويجعله دمية تصرفها الرياح إلى هنا وهناك، وحتى تهوى بها في نهاية الأمر إلى مكان سحيق.
 
وقد تحدثنا في الحديث السابق، وكذلك في الحديث الحادي عشر – عن الغضب وويلاته، وذكرنا كثيراً من الأسباب التي تؤدي إليه والأدوية التي تقضي عليه، ولم يبق إلا أن نبين هنا معنى هذه الوصية بإيجاز فنقول:
 
إنها وصية من رءوف رحيم بالمؤمنين، يتلقاها المؤمن بصدر رحب وقلب مطمئن، ويجد فيها تبصرة لضميره الحي اليقظ، فلا يسعه إلا أن يشكره عليه بعد شكره لله تعالى ويزداد حباً له وقرباً منه وتقديراً لهذه الرسالة الجامعة التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا شملتها بالتشريع والبيان.
 
إن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول لنا بدافع من الحب العميق والود الرفيق: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" أي بالشر في وقت الغضب أو وقت الشعور بالنكد واليأس والجزع؛ فإن المؤمن يطرد من نفسه بنفسه أي شبح من الأشباح المثبطة للعزائم والهمم، والمنافية للتوكل على الله والثقة بفضله، ويعالج نفسه بنفسه من تلك الآفات التي تعكر صفو الإيمان وتكدر جلوة اليقين.
 
وعندئذ يجد نفسه معتدل المزاج، هادئ الشعور، قد ملك زمام نفسه، واستعاد سلطانه عليها، فلا يدع حينئذ على نفسه بالشر كما هو شأن الكافر ومن في حكمه، ولكن يدعو لها بالعفو والمغفرة وصلاح الحال.
 
وهذا ما يبغيه الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من قوله: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ" أي ذكورهم وإناثهم؛ فإن الولد يطلق على كل مولود، ويشمل أولاد الأولاد مهما نزلوا.
 
والمعنى: لا تدعوا عليهم إن أساءوا إليكم، أو قصروا في واجب من واجباتكم، أو رأيتم منهم ما لا يسركم؛ فإن ذلك ليس من الحكمة في شيء.
 
ولو دعونا لهم بالهداية والتوفيق لكان ذلك أجدى لنا ولهم؛ فإن حنان الأبوة يتنافى مع الدعاء بالشر على من هم قرة الأعين وفلذات الأكباد.
 
فأي عاقل يعرف عواقب الأمور – لا يدعوا على نفسه أبداً ولا على أولاده مهما كانت الظروف صعبة، ومهما بدا له أن سورة الغضب لا ينقشع إلا بذلك.
 
وقد عرفنا في الحديث السابق الأدوية التي يعالج المرء بها نفسه من الغضب، فلماذا نتركها ونحن أحوج ما نكون إليها. إن هذا مما لا ينبغي أبداً.
 
وأضاف النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قوله: "وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ" فالمال عصب الحياة وشريانها الحيوي، وعمودها الفقري وطاقتها الفعالة، وأساسها المتين.
 
وقد علل النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – النهي عن ذلك بقوله: "لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةَ يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ" أي: لئلا توافقوا بدعائكم ساعة منحة من الله – تبارك وتعالى – تكون فيها أبواب القبول مفتوحة، فيستجيب لكم فيما سألتموه فتندمون على ذلك حيث لا ينفعكم الندم.
 
وما كان أغناكم عن هذه لو تسلحتم بالحلم والعفو والصبر الجميل، وتأنيتم في رفع الأكف بالدعاء اليائس البائس، الخائب المخيب للآمال.
 
سلوا الله – عز وجل – أن يرحمكم، وأن يغفر لكم ذنوبكم، وأن يطهر قلوبكم من الآفات والعلل، وأن يشفي صدروكم من كل ما يسبب لها الضيق والحرج.
ويستفاد من هذا الحديث فوق ما ذكرنا: أن يكون العبد مؤدباً مع ربه – عز وجل – فلا يسأله عن شيء هو لا يرجوه منه في قرارة نفسه، ولا يتمناه لنفسه ولا لأولاده ولا لماله، فإذا دعا بالشر على نفسه وولده وماله فقد أساء الأدب مع الله – عز وجل-، وفي ذلك من الإثم ما فيه، فليس هناك جرم أعظم من سوء الأدب مع الكبير المتعال عز جاهه وقوي سلطانه ولا إله غيره.
 
والمرء يكذب على نفسه عندما يدعو عليها وعلى من تحبه وما تحبه بالشر، والكذوب معذب في الدنيا بفساد القلب وسوء الحال، ومعذب في الآخرة بسوء المآل.
 
وهو في الحقيقة يكذب على الله في هذا الدعاء، فكيف يكون حاله ومآله.
 
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } (سورة الأنعام: 21).
 
فلا يستخفن بهذه الوصية إلا من فقد عقله وسفه نفسه؛ فإن أقبح شيء في الحياة شيء يفعله المرء ثم يندم عليه.
 
وكيف يسأل الله عبد شيئاً ليس من المستحب أن يسأله عنه.
كيف يسأله الشر وهو ليس منه؛ فالخير منه وإليه والشر ليس إليه.
 
ولهذا نعى الله عمن يفعل ذلك بقوله: { وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } (سورة الإسراء: 11).
 
والمعنى: أن الإنسان العجول وهو الكافر ومن في حكمه يدعو بالشر على نفسه وولده وماله، مثل ما يدعو لها بالخير، فهو لجهله لا يفرق بين دعاء ودعاء؛ فالدعاء بالشر مردود على صاحبه، لكن يخشى عليه من أن يوافق ساعة إجابة فيستجاب له فيها، فضلاً عن أنه لا يثاب عليه، ولا يعد نوعاً من أنواع العبادة، بخلاف الدعاء بالخير، فإنه مستجاب قطعاً بواحدة من ثلاث:
 
إما أن يستجيب الله له فيعطيه ما طلب على وجه التحديد.
 
وإما أن يدفع عنه من الشر ما يساويه وأكثر.
 
وأما أن يدخر له ثواب دعائه في صحائف أعماله، وهو في الأحوال الثلاثة مأجور، والدعاء مخ العبادة بل هو العبادة نفسها كما جاء في الحديث الذي بسطنا القول فيه في بعض الوصايا، وفي كتابنا "صفحات من نور في الدعاء المأثور".
 
إن هذه الوصية ترقى بنا إلى أعظم المقامات مع الله – تبارك وتعالى – لأنها تهدينا إلى الرشد، وتدعونا إلى التأني والتثبت في الأمور والحلم في جميع التصرفات على الجملة، وتعودنا الأدب في الدعاء والسمو به في آفات الخير فحسب، من غير تكلف ولا اعتساف.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم