المسألة الثالثة: الرحلة في طلب السنة

الكاتب : د . خالد بن عبد الكريم اللاحم

 لقد فقه سلفنا الصالح أهمية السنة، وأدركوا عظيم قدرها فكانوا يبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل تحصيلها ولو كان ذلك كلمات معدودات، والأمثلة والصور والنماذج في هذا المجال كثيرة سطرها التاريخ بمداد من نور فبقيت منارات تشرأب إليها الأعناق ويقتدي بها السائرون اذكر هنا بعضا منها:

 1- رحلة جابر بن عبد الله من المدينة إلى الشام أو مصر في طلب حديث واحد وقد سبق ذكرها في المقدمة.

 2- وعن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: خرج أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه إلى عقبة بن عامر رضي الله عنه يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري - وهو أمير مصر - فأخبره فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ثم قال له ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله، قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر.(1)

 كان قصد أبي أيوب رضي الله عنه من رحلته إلى مصر أن يتأكد ويتثبت من صحة حفظه كل ذلك حرصا على السنة وحبا لها، وكان ذلك في آخر عمره، ولعله خشي أن يموت قبل أن يتثبت من علمه، بمعنى أنه أراد ألا تنتهي فترة امتحانه في الدنيا إلا وقد حصل على الإجابات الصحيحة السديدة، وهو الهدف نفسه الذي صرح به جابر رضي الله عنه، بل هو الهدف الذي يجب أن يسعى إليه كل مسلم، أما أن تمضي الأيام ونحن في جهلنا راضون، وبتقصيرنا في العلم قانعون، فهذا ما لا يليق بعاقل أبدا.

 3- وعن كثير بن قيس قال : كنت جالسا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال له: يا أبا الدرداء ! أتيتك من المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.(2)

 4- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأنا شاب - قلت لشاب من الأنصار: يافلان! هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنتعلم منهم فإنهم كثير، قال: العجب لك يابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فتركت ذلك وأقبلت على المسألة وتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجده قائلا، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فأقول: بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحببت أن أسمعه منك، قال فيقول: فهلا بعثت إلي حتى أتيك، فأقول: أنا أحق أن آتيك، فكان الرجل بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتاج الناس إلي فيقول كنت أعقل مني.(3)

 5- وروي عن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير ثلاثا في الحديث الواحد.(4)

 6- وقال عامر الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت أن سفره ضاع.(5)

 7- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم ( أي استخرجه ) ، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع.(6)

 وهذه الرحلات كانت قبل تدوين السنة حين كان طلب الحديث يحصل مشافهة، ثم تلتها مرحلة أخرى وهي الرحلة من أجل ضبط الكتب وتصحيحها على الشيوخ، ولا زالت حتى الآن، وبعد أن تطورت وسائل الكتابة والطباعة، وتطورت وسائل الاتصال تعارف العلماء وطلاب العلم على نسخ معينة بالضبط والإتقان تعرف باسماء محققيها، لكن يبقى ضرورة المشافهة بها على الشيوخ للتأكد من صحة نطق اللفظ وفهم المعنى، وهذا والحمد لله متيسر في كل حاضرة من حواضر المسلمين اليوم ولا يحتاج إلى رحلة بل يحتاج إلى حرص وجود وسخاء بالوقت والجهد وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، إن من يعرف قيمة السنة يرى أنه لو أوتي أضعاف عمره ما انقضى عجبه من بعضها ، قال الأمير المنصور بن المهدي للمأمون : أيحسن بمثلي أن يتعلم؟ فقال : والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل.

----------------------

1-  مسند أحمد 4- 159 ، مصنف عبد الرزاق 10-228 ، جامع بيان العلم وفضله 1-102

2-   سنن أبي داود 2/341 ، سنن الترمذي 5/48 ، سنن ابن ماجه 1-81

3-  جامع بيان العلم وفضله 1-103

4-  تذكرة الحفاظ 1-52 ، جامع بيان العلم وفضله: 1-113

5-    جامع بيان العلم وفضله 1-114

6-  سنن ابن ماجه 1-131 


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم