1. المقالات
  2. تدبر حديثًا
  3. الحديث الثامن والعشرون: (واها لريح الجنة)

الحديث الثامن والعشرون: (واها لريح الجنة)

تحت قسم : تدبر حديثًا
276 2020/09/02 2020/09/03
الحديث الثامن والعشرون: (واها لريح الجنة)

روى الشيخان والبيهقي واللفظ لمسلم، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِيَ اللهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيَرَانِي اللهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، [فَهُزِمَ النَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ] قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، [وَقَدْ مَثَّلُوا بِهِ] قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب:23)، قَالَ: فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ. الرواية مجمعة من مسلم 1903، البخاري 4048، السنن الكبرى 17917

المعاني: 

سُمِّيتُ بِهِ: كان عمه اسمه أنس بن النضر، وسُمِّيَ أنس راوي الحديث على اسمه.

أَوَّلُ مَشْهَدٍ: أول غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي غزوة بدر.

لَيَرَانِي اللهُ مَا أَصْنَعُ: سأجاهد جهادا يرى الله مني فيه خيرا وصبرا.

فَهَابَ: خاف من التصريح بما سيفعل ورعًا من عدم القيام بحق القسم والعهد مع الله.

وَاهًا: كلمةُ تعجُّبٍ من طِيب كلِّ شيءٍ.

مَثَّلُوا: شوهوا وجهه وقطَّعوا أعضاءه، فلم تظهر ملامحه.

بِبَنَانِهِ: أصبعه، أو طرف أصبعه.

بِضْعٌ: عدد من الثلاثة إلى التسعة.

قَضَى نَحْبَهُ: بلغ أجله، فمات.

الفوائد ( 18 فائدة)

الفوائد العقائدية: 

1. "وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ" يجوز أن يكون قد شم رائحة الجنة نفسها على الحقيقة فتكون كرامة ومددا ربانيا يثبته، ويجوز أن يكون قد شم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها إليه، ويمكن أن يكون مجازًا، فيكون المعنى إنني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه؛ لأن الجنة في هذا الموضع تكتسب وتشترى.

2. "غُيِّبت عنه" بناه للمجهول لأنه لم يكن متعمدا الغياب، ولم يقل "غيَّبني الله عنه"، لكي لا ينسب السوء إلى الله، برغم أنه كان بقدره سبحانه وقضائه، وهذا من الأدب مع الله، ومثله قول إبراهيم عليه السلام:

(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)

(الشعراء:80)

فالمرض والشفاء بقدر الله وقضائه، ورغم ذلك نسب المرض لنفسه والشفاء لله عز وجل.

3. "غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِيَ اللهُ" لما نسب شهود الجهاد وعدمه لقدر الله عز وجل دل على يقينه بأن الأمر كله بيديه، وأن العبد لا سبيل له للسير في طريق الطاعة إلا إذا اصطفاه الله ووفقه لذلك بناء على ما في قلبه من صدق وإخلاص.

4. بروز الأعمال ووقوعها بالجوارح دليل على تمكن وتجذر الإيمان في القلب، خاصة في موطن الجهاد بما فيه من إزهاق للنفس في سبيل الله، وهذا الموطن بالذات يصعب فيه الإقدام في حال عدم تمكن الإيمان من القلب.

الفوائد العامة: 

1. تسميه الأولاد بأسماء أقربائهم يزيد من الارتباط الأسري.

2. عظم قدر معركة بدر لدى الصحابة حتى أن من لم يشهد هذه المعركة تحسر لعدم حضورها.

3. المسلم الحق يحزن لفوات الطاعة ولو لم تكن واجبة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر الصحابة بالخروج إلى بدر، ولم يأثم من لم يحضرها، ومع ذلك شق على أنس فوات هذا المشهد العظيم.

4. قد يبلغ من لطف الله بعبده المؤمن أن يرزقه زيادة الحرص على الخير بأن يفوِّت عليه شيئا من الخير أدركه غيره من المؤمنين، فإن أنس بن النضر حين فاتته بدر زاد حرصه على الطاعة في يوم أحد، فاستدرك ما فاته وصار حُسن جهاده قدوة لكل من أراد أن يستدرك فائتًا من أمره أن يفعل كفعله.

5. فضل صحابة رسول الله وما بذلوه من دمائهم وأرواحهم لنصرة هذا الدين.

6. خطورة القسم على الفعل في المستقبل، فالإنسان لا يعلم ما قدر له في الغيب، لذلك أبهم وأخفى أنس التصريح بشدة ما سيكون عليه جهاده وطلبه للشهادة في قوله "لَيَرَانِي اللهُ مَا أَصْنَعُ".

7. "لَيَرَانِي اللهُ مَا أَصْنَعُ" فيه فضيلة لأنس بن النضر وأنه صدَّق فعلُه قولَه، ووفَّى بقسمه وعهده مع الله، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنسًا في موضع آخر بقوله: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

8. الثبات في الجهاد رغم شدة الجراح ولو كان فيه إهلاك النفس.

9. طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة في قوله تعالى:

(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)

(البقرة:195)

بل إن التهلكة هي الفرار من الجهاد وخوف القتل في سبيل الله.

10. البلاغة والدقة في قوله في حق المسلمين "أعتذر إليك" وفي حق المشركين "أبرأ إليك"، فهو من المؤمنين ويرجو العفو لهم من الله رغم ما وقع من الفرار والتولي، فهو ناصح لهم ومعتذر عنهم، أما الكفار فالبراءة من قتالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة.

11. جاء في بعض الروايات أن أنسًا قابل سعد بن معاذ منهزما من المعركة فنصحه ووعظه، فغير سعد اتجاهه وقال أنا معك، ففيه أن أهل الجهاد هم أهل إنكار المنكرات، ورفع الهمم وتغيير الحال، رغم انشغالهم بخطورة المعركة وشدة وطيسها.

12. شدة وبأس وبسالة أنس في القتال حملت المشركين على الانتقام منه بالتمثيل بجثته وتشويه وجهه حتى ضاعت معالمه، فلم يعرفه أهله ولا أصحابه، إلا أخته فعرفته من شكل أصبعه.

13. إخبار الله عز وجل في حق أنس بن النضر وشهداء أحد بالصدق، فقد قد أخبر أنس أنهم كانوا يرون -يعني في عهد النبوة- أن قوله تعالى:

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)

(الأحزاب:23)

نزل فيهم، وهو ما يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك.

14. 

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)

(الأحزاب:23)

الرجولة الحقيقية هي رجولة الإيمان، والقيام بالطاعات والجهاد في سبيل الله، وغيرها الذكورة ولا فضل فيها.

المقال السابق المقال التالى
موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day