البحث
قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا
حين يُطهّر الله الداخل قبل الظاهر
● حين يكتنز الناس الذهب والفضة، لا يصدأ المال أولًا... بل القلوب.
● وحين يفسد السوق، لا يفسده الغلاء وحده... بل الكذب والخداع.
لهذا جاء الدعاء بعد "شكر النعمة وحسن العبادة" ليقول لك:
قبل أن تطلب رزقًا جديدًا، طهّر الوعاء الذي سيحمله.
أولًا: القلب السَّليم
القلب السليم هو الذي خرج من "عبودية المال" كما يخرج الطائر من قفصه.
● قلبٌ لا يغار من رزقٍ قُسم لغيره،
● ولا يبخل بحقٍّ أوجبه الله،
● ولا يتعالى على فقيرٍ ولا يتذلّل لغنيّ.
إنه القلب الذي سلم من الشحّ والحسد والرياء والكبر، وهي أعظم أمراض المال.
فالشحُّ يُمسك اليد،
والحسد يُسمّم النية،
والرياء يُفسد الصدقة،
والكبر يُميت الإحسان.
فإذا طهّر الله قلبك من هذه الأربعة، بارك لك في القليل وجعله كأنه كثير.
فالقلب السليم لا يقيس البركة بعددٍ، بل براحةٍ.
ولا يرى المال امتحانَ غنى، بل امتحانَ صدق.
سرّ ارتباط "القلب السليم" بالاكتناز
الاكتناز في ظاهره تكديسُ مالٍ،لكن في باطنه هو خوفٌ من الله مستترٌ بعدم الثقة به.
فالقلب السليم لا يجمع المال خوفًا، بل يُنفقه يقينًا.
هو الذي ينام مطمئنًا بعد صدقةٍ أخرجها،
بينما المضطرب ينام قلقًا على مالٍ احتفظ به.
القلب السليم لا يُحصي المال، بل يُحصي النِّعم. لا يُراكم الذهب، بل يراكم الحسنات.
ثانيًا: اللسان الصادق
ثم يأتي "اللسان الصادق"، لأن ما في القلب لا يطول خفاءه؛ فما امتلأ القلب به، نطق به اللسان.
والأسواق اليوم تمتحن الألسنة قبل الأموال:
● إعلاناتٌ مزخرفة تخفي العيوب،
● وعباراتٌ خادعة تلبس الربا ثوب "الاستثمار"،
● وتزويقٌ في الخطاب يجعل الباطل مقبولًا.
فجاء هذا الدعاء ليغلق أفواه الزيف، ويُعيد القداسة إلى الكلمة.
لأن اللسان الكاذب لا يخدع الناس فقط... بل يعلن حربًا على البركة.
العلاقة بين القلب واللسان:
القلب السليم هو الأصل، واللسان الصادق هو الفرع.
فإذا سلم الأصل صدق الفرع، وإذا مرض الأصل نافق اللسان.
وما أكثر من يتظاهر بصدق القول، ولسانه يقطر رياءً لأن قلبه لم يتطهّر بعد.
ولهذا قال الله تعالى في ختام دعاء إبراهيم:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ • إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
فالقلب السليم هو الكنز الذي يُقبل عند الله، حين تبور كل كنوز الأرض.
تطبيقات عملية اليوم:
في التجارة: الصدق في الوصف، والإفصاح عن العيب ولو خسر الصفقة.
في الإعلام: نشر الحقائق دون تضليلٍ أو تزييفٍ من أجل الشعبية.
في التواصل: ترك "الترند الكاذب" والعبارات المزخرفة التي تخدع المتابعين.
في العلاقات: أن لا تعد بما لا تقدر عليه، ولا تبرّر خطأك بالكلام الجميل.
في العبادة: أن يطابق لسانُك نيتك... تقول لله ما تفعله لله.
من سلم قلبه صدق لسانه، ومن صدق لسانه طهُر ماله، ومن طهُر ماله أحبَّه اللهُ في السماء وباركه في الأرض.