إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

الكاتب : د. محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : اردو English हिन्दी

عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صَلَّىاللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".

* * *

قاعدة الإحسان في الشريعة الإسلامية قاعدة مكينة تبنى عليها جميع الأحكام التكليفية والمبادئ الخلقية، وهي قرينة العدل والمعروف والوفاء والرحمة.

وقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بها حديثه مع المؤمنين، وقدمها في هذه الوصية التي تعد مثلاً رائعاً في الأخذ بالإحسان في كل عمل يعمله المرء حتى ولو كان في ظاهر هذا العمل قسوة، أو الشأن فيه عند بادي الرأي أن تكون الغلظة فيه مقدمة على الرحمة.

والتعبير بقوله: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ" يدل على أن الإحسان – وهو التحسين والإتقان – أمر قدره الله على جميع الخلق وفرغ منه، وأوجبه على كل مكلف وجوب فرض أو ما يقارب الفرض.

وبيان ذلك أن لفظ كتب في الشرع يعني الوجوب غالباً، فهذا هو الأصل فيه وهذه هي حقيقته الشرعية كقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } (سورة البقرة: 183) { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (سورة البقرة: 178)، ولكن قد يخرج هذا اللفظ عن حقيقته إلى معنى الطلب.

والطلب نوعان: طلب على سبيل الفرض، وطلب على سبيل الندب.

والطلب أيضاً قد يكون بمعنى افعل كذا وافعل كذا، وقد يكون بمعنى اترك كذا واترك كذا.

ويسمى هذا الطلب خطاب الشرع.

وقد قسم الأصوليون خطاب الشرع إلى خطاب تكليف، وإلى خطاب وضع، وقسموا خطاب التكليف إلى خمسة أقسام وهي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهية، والإباحة.

ولا يعنينا هنا أن نستفيض في هذا التقسيم ولكن يعنينا أن نفهم أن لفظ كتب قد يتسع ويتسع فيشمل بعمومه كل شيء أمرنا به أو نُهينا عنه، أو أبيح لنا فعله أو تركه، فيكون المعنى: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكم أن تحسنوا في كل شيء أمرتم بفعله فتؤدوه على وجه الإتقان ما استطعتم، وأن تحسنوا في كل شيء نهيتم عن فعله أو خيرتم فيه، فيكون المؤمن عند مرضاة ربه على الوجه الذي يحبه ويستحسنه، والحسن ما حسنه الله، والقبيح ما قبحه الله، لا ما حسنه الإنسان أو قبحه بعقله وهواه.

ومن هنا وجب على كل مكلف أن يتعرف على طرق الإحسان ومواطنة في كل شيء من شئون الدين والدنيا حتى يستطيع أن يحسن فيه ويتقنه بالوسائل المتاحة له.

* * *

وقد اختلف فقهاء اللغة في الحرف "على"، فمنهم من قال هي بمعنى "في"، أي أن الله كتب الإحسان في كل شيء، ومنهم من قال هي بمعنى "إلى" والمعنى أن الله طلب منكم الإحسان إلى كل شيء.

ومنهم من قال هي على بابها، والمعنى أن الله قدر الإحسان على كل شيء بمعنى: أن كل شيء خلقه فإنما خلقه على أحسن ما يكون الخلق.

وهذا المعنى الأخير صحيح يدل عليه قوله تعالى: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ } (سورة السجدة: 7). وقوله تعالى { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } (سورة النمل: 88).

والمعاني السابقة صحيحة أيضاً يؤيدها قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (سورة النحل: 90).

* * *

ولما كانت هذه القاعدة مجملة تحتاج إلى شيء من البسط والتوضيح قال صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ".

أي إذا قتلتم رجلاً أو امرأة قصاصاً فلا تعذبوه ولا تعذبوها أثناء القتل مبالغة في الانتقام والتشفي، ولكن اجعلوا للرحمة نصيباً في ذلك، ويكفي القتيل إزهاق روحه بالسيف ضربة واحدة إن أمكن. فإن لم يمكن قتله بضربة واحدة فضربتان.

وقد حرم الله المثلة بالمقتول، وهي أن يُقطع شيء من جسده وهو حي أو وهو ميت.

وكذلك إذا أراد المرء أن يذبح شاة ونحوها فعليه أن يقطع الأوداج والحلقوم بسرعة حتى لا يُعذب بالإبطاء في الذبح.

ومن أجل ذلك قال – عليه الصلاة والسلام: "وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".

والشفرة هي السكين.

وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تدل على الرحمة بالحيوان ولا سيما عندما يساق إلى الذبح، منها ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَجُرُّ شَاةً بِأُذُنِهَا فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ أُذُنَهَا وَخُذْبِسَالِفَتِهَا" والسالفة مقدم العنق.

وأخرج الخلال والطبراني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: أفلا قبل هذا؟ تريد أن تميتها موتتان؟".

وفي رواية لعبد الرزاق وغيره، قال له: "هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها".

قال الإمام أحمد: "تقاد إلى الذبح قوداً رقيقاًن وتوارى السكين عنها، ولا يظهر السكين إلا عند الذبح. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك – أن توارى الشفار (أي آلات الذبح) – وقال: ما أبهمت عليه البهائم، فلم تبهم أنها تعرف ربها وتعرف أنها تموت".

وروي عبد الرزاق في كتابه عن محمد بن راشد عن الوضين بن عطاء قال: إن جزاراً فتح باباً على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعها فأخذ يسحبها برجلها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اصبري لأمر الله، وأنت يا جزار فسقها إلى الموت سوقاً رقيقاً".

وروى أحمد عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والشاة إن رحمتها رحمك الله".

* * *

ويؤخذ من الحديث فوق ما ذكرناه أن الإسلام يجعل العدل والرحمة قرينين؛ فالقصاص – مثلاً – عدل، والرحمة فيه إحسان، والإحسان هو جماع العدل والرحمة، فلا عدل بلا رحمة، ولا رحمة بلا عدل، ولا إحسان إلا بهما.

وهذا الحديث من الأحاديث التي ينبغي أن يضعها المسلم نصب عينيه عندما تدفعه نفسه إلى مجاوزة الحد في أخذ الحق أو المطالبة به، أو إرادة التشفي من عدوه.

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس كيف تكون الرحمة في السلم والحرب، وفي الباساء والضراء. كما سيأتي بيانه في وصايا أخرى.

والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

* * *


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم