إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ".
دأب التجار في الأسواق وغيرها على الحلف بأغلظ الإيمان لترويج بضائعهم، وإغراء الناس بشراء ما معهم بأثمان مرتفعة يحددونها بأنفسهم ويغالون فيها؛ بدافع من الطمع والجشع الذي عرفوا به وجبلوا عليه.
 
ويستخدمون في ذلك شتى الحيل، وهم لا يبالون بما يرتكبون من الكبائر التي تكون هي السبب في خسرانهم في الدنيا والآخرة.
 
ومن الكبائر التي يرتكبونها: الحلف بالله العظيم، وهو أمر منهي عنه إلا في حالة الاضطرار. كأن يتهم الإنسان في دينه أو في عرضه أو في أخذ مال من فلان وفلان فيأمره الحاكم بحلف اليمين، أو يرى أنه لا يخلصه من هذه التهمة إلا أن يحلف للمدعي أنه بريء.
 
يقول الله عز وجل: { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (سورة البقرة: 224).
 
أي لا تجعلوا الله مجالاً للحلف به في كل حال من أجل أن تحملوا أنفسكم على البر أو على عدم البر، وعلى أن تتقوا فعل كذا وكذا، أو أن تقدموا على فعل كذا وكذا، وعلى أن تصلحوا بين الناس أو لا تصلحوا بينهم.
 
ففي الآية تقديران:

الأول: من أجل أن تبروا وتتقوا وتصلحوا.

 
والثاني: على تقدير (لا) أي لئلا تبروا ولئلا تتقوا ولئلا تصلحوا بين الناس على حد قوله تعالى: { وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ } (سورة النحل: 15).
أي لئلا تميد بكم، فالعرب أحياناً يحذفون حرف النفي بعد (أن) تخفيفاً.
 
ولما كان الحلف في التجارة يقع بكثرة بين البائعين والمشترين بقصد وبغير قصد – شدد النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في النهي عنه، وحذر من مغبته وعاقبته، وبين أنه يمحق البركة ويذهب آثارها، فلا يكون الربح حلالاً ولا نافعاً، وتكون الخسارة أقرب إلى الحالف من شراك نعله، ويقع له من البؤس والحرمان ما لم يكن يتوقعه.
وعلى الباغي تدور الدوائر.
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ" تحذير شديد لمن يكثر منه الحلف، سواء كان بائعاً أم كان مشترياً؛ لأن البيع يطلق على الأمرين معاً، فيقال لهما: البيعان، كما سيأتي في الحديث الآتي بعد قليل.
 
والنهي عن كثرة الحلف في البيع لا يدل على إباحة القليل منه، وإنما هو أمر جاء مناسباً للحال التي كانوا عليها، فقد كانوا يكثرون الحلف بالله على القليل والكثير، وعلى الصدق والكذب، حتى تعودت ألسنتهم على ذلك وأصبح طبعاً فيهم، ودفعهم هذا إلى الاستخفاف بعظمة من يحلفون به، وهذا أمر يتنافى مع الإيمان، ويتناقض مع اليقين بأن ما كان مقدراً فإنه يقع على النحو الذي قُدر وفي الوقت المحدد.
 
ويقاس على البيع ما في معناه: كالإيجارة، والترغيب في نكاح فلان وفلانة ونحو ذلك.
 
وقد بين النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن الحلف قد يروج السلعة ويرغب الناس في شرائها، قتنفد في وقت قصير، ويأتي بغيرها، فيربح ويربح، حتى إذا ظن أنه قد تمكن من نواصي التجارة، واشتهر بين التجار بكثرة المشترين، وجرى الخير في يده انتكس حاله فجأة فيخسر في ساعة ما ربحه في سنة.
 
فقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ" أي فإن الحلف يروج السلعة ثم يمحق البركة منها، فهي وسيلة خاسرة وحيلة جائرة، لا يلجأ إليها إلا من فقد عقله وسفه نفسه، ولم يكن ذا خبرة بأصول التجارة وفنونها ووسائلها المربحة.
فمن أصول التجارة: الصدق الدائم مع الله ومع الناس، بحيث لا يكون التاجر غشاشاً ولا مدلساً ولا مروجاً لبضاعته بالطرق الملتوية والحيل المقنعة.
 
قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –:" الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا الْبَيِّعَانِ وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا مَا، وَيُمْحَقَ بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا. اليمين الفاجرة منفقة للسلعة مُحِقَة للكسب". 
 
والأمانة من الصدق بمنزلة الروح من الجسد، فلا صدق بلا أمانة ولا أمانة بلا صدق.
 
فالبيعان لابد أن يكون كل منهما أميناً مع صاحبه إلى أبعد حدود الأمانة، فلا يخلفه في وعد ولا يظلمه في شيء، ولا يخونه في أي أمر من الأمور، فكل منهما في ذمة صاحبه وموضع ثقته، ينصح له ويرشده إلى ما فيه صلاحه في دينه ودنياه، ويحب له ما يحبه لنفسه بقدر طاقته البشرية، فإن فعل ذلك عظم الله أجره وأربحه في تجارته.
 
يقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ".
 
وفي رواية: "التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
 
والتجارة – كما نعلم – سلاح ذو حدين، فإما أن يصدق البائع في بيعه وشرائه ويتحرى العدل ما أمكن في تجارته، ويراعي الأمانة في جميع أحواله فيفوز فوزاً عظيماً في دنياه وآخرته، وإما أن يغش ويدلس، ويغدر ويخون، ويكثر من الحلف على القليل والكثير، فيبوأ بالخسران المبين في الدنيا والآخرة.
 
فالتجار إما أن يكونوا أبراراً وإما أن يكونوا فجاراً، وأنت خبير بموطن الأبرار وموطن الفجار.
 
روى الترمذي في جامعه وابن ماجة في سننه، بسند صحيح عن رفاعة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ"، فاستجابوا لرسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ إِليهِ، فقَالَ: "إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ".
 
وروى أحمد في مسنده بسند جيد عن عبد الرحمن بن شبل – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: سمعت رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  يقَول "إِنَّ التُّجَّارَ هُمْ الْفُجَّارُ". 
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ أَحَلَّ الْبَيْعَ؟
قَالَ: "بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَيَأْثَمُونَ، يُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ".
 
فالتاجر قد يكذب في نوع سلعته ومقدار ثمنها، وقد يلبس البضاعة الرديئة ثوب البضاعة الحسنة، وقد يغري المشترين بشتى المغريات، ويخدعهم بفنون من الخدع المستوردة من كبار الغشاشين في أمريكا وأوربا وغيرها، ويزعم أنها بضاعة مستوردة من فرنسا، أو من أيطاليا، أو من ألمانيا، وهي في الحقيقة مصنوعة في الخُرنفش، أو في الجبل الأصفر، أو في وكالة البلح وغيرها من الأماكن المحلية، فأين يذهب هؤلاء من الله.
 
{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } (سورة إبراهيم: 42-43).
 
إن هذا التاجر قد باء بغضب من الله، باع دينه بعرض من الدنيا، وخان الأمانة، وغدر بالعهد، وأساء صنعاً بنفسه، فألقاها في مكان سحيق، ولو أنصف نفسه ويرحمها ما اشتغل بالتجارة؛ إذ هي مورد من موارد الهلكة لمن لم يتق الله ويلزم البر والصدق والأمانة في أقواله وأفعاله.
 
يقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ".
 
وعن ابن أبي أوفى: أن رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف بالله: لقد أعطى بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين – فنزل قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (سورة آل عمران: 77).
 
والأمانة – يا أخي – قلب حي وضمير يقظ، به تحفظ حقوق الله وحقوق الناس، وبه تصان الأعمال من التخليط والإهمال.
 
ضمير حي يقظ مع فهم كامل لكتاب الله تعالى وسنة رسوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
 
وهذا الضمير يولد ويعيش معه في أعماقه، فإما إن يظل حياً يقظاً كما هو، وإما أن يموت أو تعتريه من العوامل البيئية ما يضعفه ويمرضه.
 
واعلم – يا أخي – أن التجارة نوعان: تجارة مع الله، وتجارة مع الناس، فإياك أن تشتغل بالثانية وتنسى الأولى، بل كن ممن لا تلهيهم مطالب الدنيا عن مطالب الآخرة.
 
يقول الله – عز وجل - : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (سورة القصص: 77).
 
والتجارة مع الله إنما تكون صحيحة مقبولة إذا كان الإنسان ممتثلاً لأوامره مخلصاً له في أقواله وأفعاله، صادقاً معه ومع نفسه ومع الناس.
 
يقول الله – عز وجل –: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } (سورة فاطر: 29-30).
 
هدانا الله وإياك إلى صراطه المستقيم، وجعلنا وإياك من عباده الصالحين.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم