لَا عَدْوَى

الكاتب : الدكتور / محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
 

 

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه – قَالَ: سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ".

 

 
*     *     *

 
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم معلماً ومتمماً لمكارم الأخلاق، ومؤيداً لما شاع بين الناس من مقولات صحيحة، ومبطلاً لما راج بينهم من مقولات باطلة.
 
فكان – صلى الله عليه وسلم – لا يدخر وسعاً في القضاء على الخرافات التي توارثتها العرب والعجم، وتناقلوها بينهم جيلاً بعد جيل من غير تعقل ولا نظر، حتى بلغت منهم مبلغ الاعتقاد الجازم بصحتها.
 
كالطيرة، والهامة، والصفر.
 
ونبدأ أولاً ببيان هذه الخرافات الثلاثة بإيجاز؛ لتفرغ إلى ما يعنينا فهمه بالدرجة الأولى؛ لما يترتب عليه من حقائق علمية وطبية لا غنى عنها.
 
أما الطيرة فهي التشاؤم، مأخوذة من تطير الطير، فقد كان العرب إذا أراد الرجل منهم سفراً طير طيراً، فإذا طار جهة اليمين مضى، وإن طار جهة اليسا ترك السفر، ولهم في ذلك أحوال وأحوال، سنتكلم عنها في حديث آخر.

 
 
وأما الهامة فهي: ما يخرج من الجن في المكان الذي قتل فيه القتيل بحسب اعتقاد العرب في الجاهلية، ويطوف على بيوت ولي المقتول ويقول اسقوني اسقوني، أو خذوا بثأري، أو كما يذكر ابن حجر في فتح الباري هي دودة تخرج من رأس المقتول تدور حول قبره تقول: اسقوني اسقوني.

 
 
وأما الصفر: فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فمنهم من قال: هو التشاؤم بشهر صفر، ومنهم من قال: حية في البطن تقول إذا جاع الإنسان: أطعموني أطعموني.
 
وقيل: هي عقدة يعقدها من أراد سفراً على جذع نخلة عالية، ثم يمضي فإذا عاد صعد النخلة ونظر إلى تلك العقدة، فإن وجدها – كما هي – أيقن أن امرأته لم تخنه، وإذا لم يجدها – كما هي – فالويل لامرأته منه.

 


*     *     *

 


وأما قوله – صلى الله عليه وسلم – في أول الحديث: "لَا عَدْوَى" فقد اختلف في تأويله العلماء.
 
فمنهم من قال: لا عدوى تصيب أحد إلا بإذن الله، دفعاً لاعتقاد من يظن أن الداء يعدي بنفسه، فهو رد للناس إلى القدر؛ إذ كثيراً ما يقترب الصحيح من المريض فلا يصاب بدائه.
 
وهذا صحيح في التأويل.
 
وأصح منه عندي أن قوله "لَا عَدْوَى": جملة خبرية في اللفظ، طلبية في المعنى، أي لا يُعدى أحدكم الآخر بالاقتراب منه إذا كان يحمل داء يغلب على الظن أنه ينتقل إلى غيره، بدليل قوله في آخر الحديث: "وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ". فآخره يفسر أوله.
 
وهذا التأويل هو المناسب للطلب، والموافق للواقع.
 
أما القدر، فأمره إلى الله، وعلينا أن نأخذ بالأسباب، فإن عدم الأخذ بالأسباب معطل لها، وهي مرتبطة حتماً بالمسببات ومعطل أيضاً لأوامر الشرع ونواهيه؛ فهو تواكل وليس بتوكل كما يعتقد كثير من العوام.
 
وقد عرف العلماء التوكل بتعريف جامع لأركانه، فقالوا: هو الاعتماد على الله، والثقة بفضله مع مباشرة الأسباب.
 
وقد تقدم بسط ذلك في مواضعه من هذا الكتاب.
 
وقد جاء في السنة ما يدعو الناس إلى اتخاذ الحيطة والحذر من الاقتراب من العدوى.
 
ومنها ما جاء في الصحيحين: أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغ – قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز – لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين، قال: فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال له بعضهم: خرجت أمر، فلا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: معك بقية الناس، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عنى، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم له، فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا: نرى أن ترجع الناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فأذن عمر في الناس إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله تعالى؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!، نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما حصبة والأخرى جدبة، ألست إن رعيتها الحصبة رعيتها بقدر الله تعالى، وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن ابن عوف وكان متغيباً في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذه علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِذَا كّان  بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ  وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ".
 

 

(الطاعون وباء قتاال، وهو ورم رديء يحدث في ثلاثة مواضع غالباً: في الإبط – وخلف الأذن وأرنبة الأنف.. واللحوم الرخوة، وهو مرض يفسد العضو ويغير ما يليه، وربما رشح دماً وصديداً يؤدي إلى الموت السريع، وهناك أورام خبيثة لا تقل خطورة عنه، وهناك أوبئة سريعة الانتشار قد ظهرت في هذا العصر لأسباب كثيرة معروفة، فكان من الواجب على الإنسان أن يتقيها بكل طريقة ممكنة، فالمحافظة على الأبدان من الضروريات التي أمر الله بحفظها، فمن أهمل في صحته فقد ارتكب إثما عظيماً، والإسلام دين واقعي صالح لكل زمان ومكان، يستجيب لمطالب الفطرة، ويلبي رغبات الإنسان في حدود مصلحته، فيدعوه إلى تحصيل ما فيه منفعته ودفع ما فيه مضرته بالطرق الممكنة والوسائل المتاحة، فلا ينبغي لأحد أن يهمل الأسباب ويعطلها – كما أشرنا.. فإن ذلك اعتداء على الدين ومخالفة لسنن الله الكونية.
 
ومن نظر بعين البصيرة، وفكر بعقله بعيداً عن الأهواء والتقليد الأعمى أدرك حقيقة ذلك بوضوح).
والله هو الهادي إلى سواء السبيل.


*     *     *



المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم