ائتِ المَعْرُوفَ وَاجْتَنِب المُنْكَر

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عن حرملة بن عبد الله بن أوس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، مَا تَأمُرنِي أَعمَل؟
قال: "يَا حرملة، ائْتِ المَعرُوفَ، وَاجْتَنِب المُنْكَر، وَانْظُر مَا يُعْجِبُ أُذُنَكَ أَنْ يَقُولَ لَكَ القَومُ إِذَّا قُمْتَ مِنْ عِنْدَهم، فَآتِهِ، وَانْظُرِ الذي تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ لَكَ القَومُ إَذَّا قُمْتَ مِنْ عَنْدِهِمْ، فاجتْنِبه".
حرملة بن عبد الله بن أوس راوي هذا الحديث من بني تميم، أسلم وحسن إسلامه، وكان من أهل الصفة، وكان زاهداً عابداً، وكانت الصلاة روحه وريحانه.
يدل حديثه هذا على أنه كان مُحِباً، ميالاً إلى الإكثار من فعل الخير والبعد عن فعل الشر.
سأل النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن يوصيه وصية جامعة لخصال الخير كلها، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني أعمل؟
أي ما الذي تأمرني أن أعمله لتصحيح ديني وإصلاح دنياي، وما الذي توصيني بعمله في حلي وترحالي؟
واختار هذه الصيغة على غيرها لأنها تجمع معنى النصح والإيصاء، والإرشاد والتوجيه، والأمر الواجب فعله والنهي الواجب تركه، وغير ذلك مما في معناه، فكأنه قال: بماذا توصيني وتنصحني وترشدني وتشير علي...إلخ.
وهي صيغة تدل على أدب الرجل وحسن منطقه، وشدة حرصه على امتثال الأمر في سرور وحبور.
وهكذا كان أصحاب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يفعلون في مخاطبته، فهم الذين ارتقت مداركهم، وتهذيب طباعهم، وتقومت ألسنتهم بأسلوب القرآن العظيم ومنطق النبي الكريم، فأشربوا حب الحكمة ونطقوا بها وجسدوها بأفعالهم، كما جسدها النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأفعاله، فكانوا للناس هداة مرشدين بالأقوال والأفعال معاً، وصاروا خير سلف لخير خلف، فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء.
وقد أوصاه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وصية ما تركت من الخير حبة خردل. وقد أوتى النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جوامع الكلم، كما هو معروف من خلال أسلوبه المشرق، المتميز بجمال التعبير ودقة التصوير وروعة البيان.
قال – عليه الصلاة والسلام – لحرملة: "ائْتِ المَعرُوفَ، وَاجْتَنِب المُنْكَرُ".
والخطاب له ولجميع المكلفين من الأمة فلا يختص به أحد دون أحد إلا بدليل.
ومعنى قوله: "ائْت المَعرُوفَ" اعرفه وافعله، وداوم عليه وعظمه في نفسك، وأمر به غيرك، كل هذه المعاني يحملها الأمر بالإتيان.
ولو قال: افعل المعروف، أو اصنعه لفاتت بعض المعاني التي ذكرتها.
ومن نظر في كتب اللغة وجد أن الإتيان يطلق على المجيء بسهولة وبسرعة، كقوله تعالى: { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } (سورة الحشر: 2)، ولو قال سبحانه: "فجاءهم" لفات معنى السهولة والسرعة.
قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "ائْت المَعرُوفَ" يتضمن الفعل على وجه السرعة وبالطريق الأيسر أيضاً.
والمعروف: ما استحسنه الشرع واستحسنه العقل تبعاً له، وأقرته الطباع السليمة، وشكنت إليه النفوس المستقيمة، واطمأنت به القلوب المؤمنة.
وأما قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَاجْتَنِب المُنْكَر" فمعناه: خذ لنفسك جانباً بعيداً عنه، وكن منه على حذر.
والمجانبة هي المباعدة، والاجتناب لزوم المجانبة والمداومة عليها، كقوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } (سورة الحج: 30)
وقوله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (سورة المائدة: 90)
والأمر بهذا اللفظ أبلغ من قوله: لا تأت المنكر، أو لا تفعله، أو لا تقارفه أو لا ترتكبه؛ لدلالته على لزوم المباعدة والمداومة عليها – كما ذكرنا – وهذا المعنى يلزم منه بُغْضُ المنكر وشدة إنكاره بالقلوب، ونفرة الطبع من ذكره فضلاً عن مقاربته.
فمن رضي بالمنكر بقلبه، فهو كمن فعله.
والمنكر ضد المعروف، وهو ما أنكره الشرع وأنكره العقل تبعاً له.
وسبق الكلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصيتين سابقتين.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "وانظُر مَا يُعْجِبُ أُذُنَكَ أَنْ يَقُولَ لَكَ القَومُ إِذَّا قُمْتَ مِنْ عِنْدَهم، فَآتِهِ".
معناه: تدبر فيما سمعته أذنك من الكلام المعسول، الي تستسيغه وتستحسنه ممن قاله في شأنك ولم يكن فيك شيء مما قالوه فأته وتحل به حتى تصدقهم فيه وتصدق أنت مع الله به، فإن العاقل من عرف عيوب نفسه بنفسه أو بواسطة غيره فقام بإصلاحها على الوجه المرضي.
قالت امرأة غريبة توصي ولداً لها أراد سفراً في وصية طويلة: ومثل لنفسك مثال ما استحسنت به من غيرك فاعمل به، وما استفبحته من غيرك فاجتنبه، فإن المرء لا يعرف عيب نفسه، فالمرء مرآة أخيه.
وقيل للأحنف بن قيس – رحمه الله - : ممن تعلمت الحلم؟
قال: من نفسي، كنت إذا كرهت شيئاً من غيري لا أفعل مثله بأحد.
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أنه قال: من أحب أن ينصف الناس من نفسه فليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه.
وإسناد الإعجاب إلى الأذن في الحديث أسلوب بلاغي حكيم، فإن الأذن أحيانا تميل إلى سماع ما تستسيغه وتستيسره وتستمتع به، وإن كان العقل في كثيرمن الأحيان لا يصدقه، كالشعر مثلاً في المدح، فإنهم قد قالوا: أعذب الشعر أكذبه.
وهذا الأسناد المجازي يجعل السامع يُحَكِّمُ عقله فيما يسمع ولا يترك الحكم لأذنه.
والعرب يُسندون الفعل لغير فاعله لغرض بلاغي لا مجال هنا لذكره.
وقد جاء في القرآن من ذلك الكثير، كقوله تعالى حكاية عن موسى والخضر – عليهما السلام: { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } (سورة الكهف:77)، فانظر كيف أسند الله للجدار إرادة وهي ليست من خصائصه.
وإني أوصيك – أيها الأخ المسلم – أن تتتبع مثل هذه الأساليب في القرآن والسنة، وتنظر ماذا قال فيها علماء التفسير والبلاغة والأدب، فإنك لو فعلت لاستزدت فقهاً في دينك ودنياك.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَانْظُرِ الذي تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ لَكَ القَومُ إَذَّا قُمْتَ مِنْ عَنْدِهِمْ، فاجتْنِبه" – توكيد لقوله: "وَانْظُر مَا يُعْجِبُ أُذُنَكَ...إلخ"، وهو توكيد بذكر المقابل، وهو ما يسمى بالطباق، كمقابلة المعروف للمنكر، ومقابلة الحسن للقبيح، ومقابلة الحب للكره.
قال الأحنف بن قيس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا ما لا يعلمون.
وقال الحكماء: من قل توقيه، كثرت مساويه.
وقال صفي الدين الحلي:
وأغزر الناس عقلاً من إذا نظرت عيناه أمراً غدا بالغير معتبرا
وقال آخر:
إذا أعجبتك خــــلال امرئ فكنه تكـن مـثل من يعجبك
وليس على المجد والمكرما ت إذا جئتها حاجب يحجبك
وقال آخر:
لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئاً وأتى مثله فــإنما دل عــلى جهــله
وقيل لعيسى بن مريم – عليه السلام: من أدبك؟
قال: "ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل فتجنبته".
وقيل: كفاك تهذيباً وتأديباً لنفسك ترك ما كرهه الناس منك ومن غيرك.
وقال ابن المقفع: من نظر في عيبه استعظم زلة نفسه، ومن سل سيف البغي قتل به.
وقال آخر: من نظر في عيوب فأنكرها ثم رضيها لنفسه، فذاك الأحمق حقاً.
والخلاصة: أن الحكيم من الناس من وعظ نفسه بنفسه، واعتبر بغيره، واستعمل فكره فيما يرى ويسمع، فإن كان ما يسمعه أو يراه خيراً، فليقدم عليه إن شاء، وإن كان غير ذلك، فليحجم عنه؛ فإن الخير كل الخير في معرفة مواطن الخير والشر، ومناهج الإقدام والإحجام، فلا يأتي أمراً إلا إذا عرف ما يحمله على إتيانه.
قال صفي الدين الحلي:
وأحزم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الورد حتى يعرغ الصدرا
أي لا يقرب الماء حتى يعرف مصدره، فالورد في اللغة الماء الذي يرده الناس ليشربوا منه، وأحزم الناس أعقلهم وأشدهم كبحاً لجماح نفسه.
والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها.
والحكمة ليست مقصورة في الأقوال وحدها، بل في الأقوال والأفعال معاً.
فمن الناس من يُعبر عن حكمته بأقواله دون أفعاله، وهذا في الحقيقة غير حكيم، بل هو أفاق أثيم يقول ما لا يفعل.
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (سورة الصف: 2-3).
ومن الناس من يفعل أكثر مما يتكلم، فتسبق في الخير أفعاله وأقواله، ومنهم ومنهم.
الناس أصناف إذا ما أتت ذقتهموا لا يستون كما لا يستوي الثمر
وأعظم ما يؤتاه المرء بعد الإيمان حكمة يضع بها الأمور في موضعها ويلزم بها السداد في أقواله وأفعاله.
قال تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة: 269).
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم