عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ  زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ".
كان النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رحيماً بالحيوان كما كان رحيماً بالإنسان، فهو – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ينبوع العطف والحنان والإحسان في كل شيء.
 
قال جل شأنه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (سورة الأنبياء: 107) أي لجميع الخلق من إنس وجن وحيوان وغيره من المخلوقات التي من شأنها أن تُرحم.
 
والإسلام هو الدين الذي جمع في تشريعاته أصول الحكمة التي بها يتراحم الناس فيما بينهم، ويرحمون بها ما تحت أيديهم من الحيوان، لأنها خلقت لهم رحمة بهم وإنعاماً عليهم، فكان من واحب الشكر عليها أن يعطفوا عليها ويحسنوا إليها، ويكفوا عن أذاها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
 
وهذه الوصية واحدة من عشرات الوصايا التي جاءت في الرحمة بالحيوان والرفق به، وهي وصية واضحة في معانيها لا تحتاج إلى تأمل طويل.
فهذا البعير الذي ركبته عائشة كان في طبعه شدة وجموح، فحاولت عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – أن ترده إلى الاعتدال في مشيته بشيء من العنف كما يفعل كثير من الناس بركائبهم، فقال لها النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ" أي الزميه في شأنك كله، ولا تكوني فظة غليظة القلب، فإن الرفق خلق حسن وطبع جميل يزين صاحبه ويحول بينه وبين القبيح من الأقوال والأفعال، ويدفعه إلى التأني والتريث في الأمور، "فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ".
 
والمراد بالشيء هنا الإنسان، كما يدل عليه سياق الكلام.
والزين مأخوذ من الزينة وهي نوع من الجمال الظاهري والباطني.
والشين ضده وهو ما يؤدي إلى القبح في المظهر والمخبر.
ولكن ما معنى الرفق؟.
 
الرفق هو الرقة واللين، والرأفة والرحمة ومعالجة الأمور في تؤدة واتزان.
 
فهو جماع الخير كله، وهو حسن الخلق في أسمى درجاته؛ لأنه في الغالب يكون جبلة في صاحبه وطبعاً له لا يفارقه ولا يتخلى عنه أينما كان.
 
ولا شك أنه من كان رفيقاً بنفسه لم يدخلها فيما لا يعنيها، ولا يقحمها فيما لا يرضيها، ولا يحملها على التسرع في اتخاذ القرار من غير وعي ولا دراسة ولا يعامل الناس إلا بما يحب أن يعاملوه به.
 
من هنا كان الرفق هو صمام الأمان لصاحبه لا يوقعه أبداً في شيء يندم على فعله، ولا يجلب عليه من الشر ما هو في غنى عنه.
 
إن الرفق خُلق وكمال وافر، وعز دائم وسلوك نبيل، يغبط عليه أهله في كل زمان ومكان.
 
والرفق والحلم صنوان لا فرق بينهما فكل رفيق حليم، وكل حليم رفيق، إلا أن الحلم أوسع دائرة من الرفق فهو سيد الأخلاق على الإطلاق لما فيه من زيادة كرم وشهامة وعلو نفس ورباطة جأش وقوة تحمل وثبات.
 
فالحليم إنسان رقيق المشاعر والأحاسيس لا يغضب حيث يغضب الناس ولا يجزع مما يجزع منه الناس.
 
الرفق ديدنه والعفو دينه والسماحة مذهبه، لا يقطع صلته بالقاصي ولا بالداني، بل يجمع ما تفرق ويرأب ما تصدع.
 
يحبه الناس كما يحبهم ويألفونه كما يألفهم، وذلك لأنه قد أرضى الله بحسن فعاله فوضع له القبول في الأرض.
والمؤمن إلف مؤلف فلا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.
 
واقتضى السمو الخلقي في الإسلام أن يعم نفعه الإنسان والحيوان؛ لأن الحيوان صديق الإنسان يخدمه ويستخدمه وله فيه منافع كثيرة يجب أن يشكر الله عليها، وذلك بالرفق به في جميع أحواله.
 
فإذا جاع أطعمه وإذا عطش سقاه، وإذا استعمله في حمل الأثقال لم يكلفه فوق طاقته، وإذا ركب عليه لم يضربه من أجل أن يسرع في مشيته؛ فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البزار في مسنده.
 
والمنبت هو المسرع بدابته ليصل إلى هدفه قبل غيره فتؤدي به السرعة إلى فقد دابته وهلاك نفسه، فلا هو قطع الأرض التي يريد قطعها ولا هو أبقى الظهر الذي يركبه.
 
وهذا مثل تمثل به النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما تمثل به العرب، فقد روى أن رجلاً ضرب جمله ليسرع به حتى يقطع الطريق إلى هدفه قبل القافلة فسقط جمله على الأرض ميتاً وسقط هو من فوقه ميتاً، فلما مرت به القافلة قال قائلهم هذا المثل فأصبح مضرباً لكل من يتسرع من الأمر ويتشدد فيه.
ومن أحاديث الرفق بالحيوان ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ. لَا هِي أَطْعَمْتِهَا وَسَقَيْتِهَا، إِذ هي حَبَسْتهَا وَلَا هي تَرَكَتْهَا تَأَكُل مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ".
 
وهذا ذنب يحسبه الناس هيناً، وهو عند الله عظيم.
 
فالمرأة التي حبست هذه الهرة كانت متعمدة حبسها قطعاً قسوة عليها، أو استخفافاً بشأنها، ولو حبستها نسياناً ما دخلت بسبب حبسها النار.
 
وفي هذا الحديث تنبيه على أن الرحمة بالحيوان واجبة، وأن ظلم الحيوان بالحبس والضرب والتجويع... وما إلى ذلك حرام كحرمة ظلم الإنسان للإنسان؛ فالحيوان له روح تجب المحافظة عليها رحمة به وعطفاً عليه. وإحساناً إليه.
 
والله – عز وجل – قد كتب الإحسان على كل شيء.
 
والمؤمن رحيم بنفسه، رحيم بإخوانه، رحيم بما يملك من الدواب والأنعام وما يراه في البر والبحر من حيوان، فيسقيه إن كان ظمأناً، ويطعمه إن كان جائعاً، ويطلقه إن كان محبوساً بلا داعٍ يقتضيه، ويرفق به في معاملته إن أراد أن يبقيه أو أراد أن يذبحه ليأكله.
 
يقول الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".
 
وقد تقدم شرح هذا الحديث، وبينا فيه كيف يكون الرفق بالحيوان، وإلى أي حد اهتم الإسلام به.
 
وقد قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ".
 
وذلك لأن الرفق يتيح لصاحبه أن يأخذ نفسه بالحزم مع اللين، وبالعزم مع اليقين في كل شأن من شئونه؛ فيصيب الخير من قرونخ ويحقق الآمال بأناته وثباته وحسن معاملته للناس، بخلاف القسوة والعنف؛ فإن القاسية قلوبهم لا يحبون من الخير إلا نكداً، ولا يلقون في حياتهم ما يسعدهم أو يرضيهم، وسرعان ما يأخذ العنف بتلابيبهم فيمنعهم من مجاراة الناس والتعاون معهم في حب وإخلاص.
 
فالقسوة ظلام في القلب، وانتكاس في الشعور.
 
والعنف طبع معوج، وسلوك منخرف، وغضب لا مبرر له.
 
وذكر الله – عز وجل – يخفف كثيراً من قسوة القلب وعنف الطبع، وشدة الغضب، ويشرح الصدر ويوسع مدارك الحس ويهدي العقل إلى الرشد وتحري الحق من أيسر طريق وبأعدل أسلوب.
 
يقول الله عز وجل: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (سورة الزمر: 22).
 
ويقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } (سورة الأحزاب: 41-43).
 
أي من ظلمات الجهل والمعاصي وسوء الطبع وفساد الخلق إلى نور العلم والإيمان الكامل الذي يهدي إلى الرشد وإلى طريق مستقيم.
 
نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم