أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع - الجزء الرابع

الكاتب : دكتور / محمد بكر إسماعيل

خامساً رد السلام فواجب على من ألقى عليه السلام، بدليل هذا الحديث، ولقوله تعالى في سورة النساء: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } (سورة النساء: 86).

وإلقاء السلام سنة مؤكدة لا ينبغي تركها، لما فيها من توثيق الأواصر بين المسلمين، وتعميق جذور الحب بينهم، وإدخال الطمأنينة على الخائف منهم، فالسلام معناه الأمان.

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ؟ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ".

وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل إلقاء السلام ورده، منها ما رواه الترمذي في سننه عن أبي يوسف عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ".

وروى مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق، لم يمر عبد الله على سقاط ولا صاحب بيعة، ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟, وأقول: أجلس بنا ههنا نتحدث، فقال: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنما تغدو من أجل السلام، فتسلم على من لقيناه.

والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، فهو الذي يبعث الأمان في نفس المؤمنين، وينشر بينهم الحب والوئام، وهو الذي يأمن الخلق عنده من الظلم، فإنه الحكم العدل، الذي حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما.

وعلى المسلم إذا لقى أخاه في الطريق، أو في أي مكان أن يقول له: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ, ولو قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – كان أفضل.

وعلى من ألقِىَ عليه السلام أن يقول: وعليكم السلام، ليكون اسم الله (السلام) في البدء وفي الختام، ليشعر المسلم أن الله هو الأول والآخر.

ولو رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته – كان أكمل؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: { فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا }.

روى أبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين – رضي الله عنهما – قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فردَّ عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر، ثم جاء آخر، فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ رَحْمَةُ اللَّهِ، فردَّ عيه فجلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخرفقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فردَّ عليه فجلس، فقال: ثلاثون".

ويكره كراهة تنزيه أن يقول المسلم: عليك السلام، لما روى أبو داود والترمذي عن أبي جري الهجيمي – رضي الله عنه – قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: "لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى".

قال ابن علان في دليل الفالحين.

يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ"، فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلم عليه واحداً، ويقول المجيب: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فيأتي بواو العطف في قوله وعليكم. أ. هـ.

لعل الحكمة في السلام بلفظ الجمع المبالغة في التعظيم والتكريم، والإيناس وإدخال الأمن والسرور عليه.

لعل الحكمة من ذلك أيضاً إلقاء السلام عليه وعلى من معه من الملائكة، وكذلك الرد بلفظ الجمع يفيد ذلك.

والحكمة في التلفظ بالواو أن يكون بهذا العطف قد سلم على نفسه وعلى أخيه، وأعلن أنه قبل منه السلام، فيكون المعنى: علي وعليكم السلام، والله أعلم.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: "فإن عليك السلام، تحية الموتى" فهو فيم يبدو لي إخبار عما كان يجري على السنة العرب في الجاهلية، فإنهم كانوا يسلمون على ملوكهم وشيوخهم بهذه الصيغة، وجرى عليه الشعراء كثيراً.

قال الشاعر:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

وليس ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم من باب التشريع، بل هو من باب الإخبار عن الواقع.

والشرع يستحب البدء باسم السلام على الأحياء والأموات، فيقال للأموات: السلام عليكم: ولا يقال: عليك السلام، أو عليكم السلام؛ فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال في تحية الموتى: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين".

(وهنا نكتة لطيفة بديعة ينبغي التيقظ لها، هي أن السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلم عليهم؛ لأنه دعاء بخير، والأحسن تقديم المدعو به، إذا كان خيراً، كقوله تعالى: { رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } (سورة هود: 73)، وتأخيره إذا كان شراً كقوله تعالى لإبليس: { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي } (سورة ص: 78).

وسر ذلك – والله أعلم – أن الخير لما كان محبوباً قدم المدعو به وهو الرحمة، وقد المدعو عليه في الشر – وهو اللعنة – للإيذان بتخصيصه بذلك، فكأنه قيل لإبليس: عليك وحدك لعنتي لا شريك لم فيها غيرك.


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم