مَا جَاءَكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْرَافٍ نَفْسٍ فَخُذْهُ

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل

عَن الزهري قال: حدثني سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر قال: سمعت عمر يقول: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فأقول أعطه أفقر إليه منى حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فقلت أعطه لمَن من هو أفقر إليه مني فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ".

* * *

كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم بأصحابه من أنفسهم على أنفسهم، كما وصفه ربه – عز وجل – بقوله: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (سورة التوبة: 128).

ولهذا كانت طاعته واجبة على المؤمنين في أمور الدين والدنيا، وكان نصحه وتوجيهه فيما يخص المؤمنين تقدير وتوقير من جميعهم؛ لعلمهم أنه يقول الحق ويهدي سواء السبيل بإذن الله تبارك وتعالى.

وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ممن سبقوا إلى الإسلام ولازموا النبي صلى الله عليه وسلم لا يعملون عملاً ولا يقطعون برأي إلا إذا استشاروا النبي صلى الله عليه وسلم فيه، أو تقدم منه نص فيه يأمرهم بالإقدام أو بالإحجام، واضعين نصب أعينهم قوله تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } (سورة الأحزاب: 6)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (سورة الحجرات: 1).

* * *


ومعنى قوله تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }

أي: هو أحق وأولى بالمحبة والطاعة من أنفسهم لأنفسهم، فإذا ما دعاهم لأمر ودعتهم أنفسهم إلى خلافه وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه على ما تدعوهم إليه أنفسهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم، وأما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم.

ومعنى قوله تعالى: { لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: لا تسرعوا إلى عمل تعملونه إلا بعد أن تعرفوا حكم الله ورسوله.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعدل بين الناس كما كان يعطف إليهم، ويحسن إليهم وينفقد أحوالهم، وينشر السلام والحب والوئام بينهم، ويأخذ من أغنياءهم إلى فقرائهم، ويقسم ما جاءه من الصدقات والغنائم على المهاجرين والأنصار مراعياً في ذلك الضرورة والحاجة، وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقيراً لكنه كان يعمل ويتكسب فلا يكاد يجد من عمله إلا القوت الضروري، فيكتفي به ولا يسأل الناس شيئاً، ولا يقبل صدقة من متصدق، شأنه في ذلك شأن كثير وكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رسم الله على وجوههم سيما القناعة والعفة والزهد والورع.

ولهذا لم يكونوا يتعرضون للصدقات التي كانت ترد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا يستترون في بيوتهم تنزهاً عن طلبها فضلاً عن الإلحاح في المسألة على غرار ما كان يفعل بعض الناس.

ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم: يتتبع أمثال هؤلاء، ويسأل عنهم، ويأمر من يأتيه بهم، وربما ذهب إليهم في بيوتهم ليعطيهم ما يكفيهم، عملاً بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } (سورة البقرة: 273).

وقد صادف يوما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عمر بن الخطاب شيئاً من المال كما كان يعطيه من قبل، فأبى أن يأخذه تعففاً وتنزهاً شأنه في ذلك شأن الأخيار الذين ذكر الله أوصافهم في هذه الآية، وآثر بهذه العطية من هو أشد حاجة إليها منه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: " خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ" أي: تملكه، "وَتَصَدَّقْ بِهِ" أي: لك أن تنتفع به، ولك أن تتصدق به؛ فالواو بمعنى "أو" – على الصحيح – كما في رواية أخرى لسالم بن عبد الله بن عمر.

ثم وضع له النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة في الأخذ والرد، فقال: "فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". أي: ما جاءك من هذا المال الحلال. وهذا هو السر في اسم الإشارة، أي من جنس هذا المال الذي بين يدي، ولا يملك النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحلال الطيب، ولا يعطي أصحابه إلا منه، ولا يأمرهم بأخذ ما سواه.

وهذا هو الشرط الأول في الأخذ.

والشرط الثاني: في قوله: "وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ" أي: وأنت غير متطلع إليه, ولا مترقب حصوله، بحيث لو لم يأتك ما غضبت ولا حزنت.

فإن التطلع إلى الشيء والتعرض لأخذه بطريقة ما فيه ما في من إذلال للنفس واستخفاف بها، وهو أمر يتنافى مع العفة والقناعة، والزهد والورع – على ما سيأتي بيانه.

والشرط الثالث: ألا يسأل الناس شيئاً مهماً كان مضطراً إلى ذلك، وهو أشد من الإشراف والتطلع، فكل سائل مشرف متطلع وإلا ما سأل، فالإشراف بالقلب، والسؤال باللسان، واللسان ترجمان القلب.

وقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم عمر في نهاية الحديث أن يتنزه عن كل ما يأتيه بتطلع وانتظار زهداً فيه وقناعة بما عنده.

وقد عرفنا فيما سبق عند الكلام عن قوله صلى الله عليه وسلم: "ازْهَدْ فِيالدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَاعند النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاس" كيف يكون الزهد، وكيف تكون القناعة.

هذا هو فحوى الحديث، ولكن فيه من الأحكام والتنبيهات ما لا غنى لنا عن معرفته، فلنذكر أهم ما اشتمله هذا الحديث منها.

* * *

فمن الأحكام التي ذكرها الفقهاء أخذاً من هذا الحديث:

1- أنه يجوز للمسلم أن يأخذ أجراً على عمل قام به لصالح المسلمين، وله أن يطالب به، سواء كان محتاجاً إليه أم لا، فهو حق من حقوقه، ولكنهم اختلفوا في شأن من يأخذ على عمله أجراً هل يثاب على فعله أم لا؟.

فمنهم من قال: الأجر والثواب لا يجتمعان، فمن أخذ على أذانه أجرة أو على إمامته أو على جمعه الزكاة لا يثاب على عمله هذا عند الله إلا إذا كان في حاجة إليه.

والراجح عند العلماء: أن له الثواب مع أخذه الأجر، سواء كان محتاجاً إليه أم لا، ولكن ينبغي أن يجعله من قبيل الرزق لا من قبيل الأجر.

بمعنى أنه يعتبر ما جاءه رزقاً ساقه الله إليه لا أجراً، والفرق بين الرزق والأجر أن الرزق من قبيل الإحسان، والأجر من قبيل العقود، والإحسان غير مقدر، والأجر مقدر.

فإذا اعتبره من قبيل الإحسان لا يبالي أنقص أم زاد، فإن زاد شكر، وإن نقص لا يطالب بشيء، بل لو انقطع هذا الرزق لا يغضب، ولا ينقطع عن العمل لأنه قد جعل الهجرة لله، والعمل خالصاً لوجهه الكريم، فما جاءه من غير استشراف نفس أخذه فانتفع به أو تصدق به كله أو تصدق ببعضه، فإن لم يأته فلا يتبعه نفسه – كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

2- وينبغي على من كان في غير حاجة إلى المال أن يتنزه عن أخذ الصدقات.

لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَاتَحِلُّ الصَّدَقَةُلِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ".

ويظهر أن عمر – رضي الله عنه – إنما رفض الأجرة على عمل عمله، لهذا أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوصاه.

وهذا ما أفادته رواية أخرى أخرجها البخاري – أيضاً – في صحيحه: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِىِّأَخْبَرَهُأَنَّهُ قَدِمَ عَلَىعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُعُمَرُأَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَتَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِأَعْمَالًا فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَى فَقَالَعُمَرُرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟

قُلْتُ إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَعُمَرُرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي قَالَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَمِنْهَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ".

قال الطحاوي: "ليس معنى هذا الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر، ولكن من الحقوق العامة، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني، لم يرضى بذلك – رضي الله عنه – أنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر".

وخلاصة القول: أن المسلم لا يلجأ إلى أخذ شيء من الصدقات إلا عند الضرورة تعففاً وتنزهاً، وأنه إذا عمل عملاً لوجه الله تعالى فلا يستحب أن يأخذ عليه أجراً، وإن كان ولا بد أن يأخذ شيئاً لحاجته إليه فلينو أن هذا الشيء رزق ساقه الله إليه وليس أجراً، "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، والمرء فقيه نفسه، ولينظر إلى دنياه وأخرته، وليجعل نظره إلى آخرته مقدما دائماً على النظر إلى دنياه"، { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (سورة الأعلى: 17).

والحمد لله رب العالمين.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم