سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل



عن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ – رضي الله عنهما – قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، فما زالت تلك طعمتي بعد.


* * *


هذا الحديث فيه أدب من الآداب التي جاء بها الإسلام الحنيف تهذيباً للنفوس، وتقويماً للأخلاق، وإبطالاً لما كان عليه العرب في الجاهلية في مأكلهم ومشاربهم، وبهذا الأدب وغيره من الآداب في المآكل والمشرب، والملبس والمشي، والجلوس والنوم، والزيارة والضيافة، وما إلى ذلك من عادات الناس وأحوالهم – تأدب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.



ولعلنا نعرف أن هناك عادات أقرها الإسلام على ما هي عليه، وعادات أبطلها، وعادات عدلها، وسنرى ذلك بوضوح في الأحاديث التي نعرض لها بالدراسة والتحليل.



وهذا الحديث يتضمن ثلاثة آداب رئيسية للمأكل والمشرب، وغيرها من الآداب الأخرى تبع لها.

ونركز هنا على هذه الآداب الثلاثة أولاً ثم نذكر شيئاً من الآداب الأخرى بعد ذلك بإيجاز، فنقول: عمر بن أبي سلمة هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان عمر بن عبد الله هذا في كنف النبي صلى الله عليه وسلم وحضانته؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج أمه أم سلمة بعد وفاة أبيه.



قال – رضي الله عنه -: "كنت غلاماً" أي دون البلوغ، "في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم "بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم، أي في كفالته وحضانته.



قال: "وكانت يدي تطيش في الصحفة" أي تذهب فيها هنا وهناك، فأتناول منها ما أريده، كما يفعل الصبيان في الغالب، وغيرهم ممن لا يعبأ بمن يأكل معه.



والصحفة: إناء يوضع فيه من الطعام ما يكفي خمسة، بخلاغ القصعة فإنها أكبر منها مرتين، كما أفاده العيني في شرح صحيح البخاري.



وقد حكى هذه الحال، ليرتب عليها ذكر ما أوصاه به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال "يَا غُلَامُ" وهو خطاب تنبيه يحمل في طياته حب النبوة والأبوة.



"سَمِّ اللَّهَ" أي قل في أول الطعام "بسم الله"؛ ليكون الطعام مباركاً نافعاَ كافياً شافياً.



"وَكُلْ بِيَمِينِكَ" وهو أمر له شأنه، فإن اليمين قد جعلت لكل ما هو شريف طيب، ولهذا سميت يميناً أخذاً من اليمن وهو البركة.



وقوله: "وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" أي مما هو في ناحيتك وتحت يدك من الصحفة، ولا تأكل مما يلي جارك فإن ذلك يتنافى مع الأدب، والمروءة، والعفة، والنبل، وفيه من الإحراج التقزز، وجرح المشاعر ما فيه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.


قال عمر رضي الله عنه وعن أبيه وأمه: "فما زالت تلك طعمتى بعد" أي قد أخذت بهذا التوجيه الحكيم، فكنت لا أتناول الطعام إلا بيدي اليمنى بعد التسمية، ومنعت نفسي من تناوله من أنحائها البعيدة عني.

والطعمة – بكسر الطاء – اسم هيئة كجلسة ومشية، أي فما زالت هيئتي في الأكل على النحو الذي رسمه لي النبي صلى الله عليه وسلم. "بعد" أي بعد ذلك.

هذا هو فحوى الحديث، وفيه من الأحكام والمكارم ما سنذكر بعضه الآن إن شاء الله تعالى.


* * *


قال العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: "الأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الندب عند الجمهور.

وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر.

وقال النووي: استحباب التسمية في ابتداء الطعام مجمع عليه، وكذا يستحب حمد الله في آخره.

قال العلماء: يستحب أن يجهر بالتسمية لينبه غيره، فإن اتبعها بالرحمن الرحيم كان حسناً.

ويسمى كل واحد من الآكلين.

وقال الشافعي: فإن سمى واحد منهم حصلت التسمية" أ.هـ.



أقول: الأصح أن الواحد لو سمى على الطعام لا يكفي عن الجماعة بدليل ما جاء في سنن أبي داود من قصة الأعرابي والجارية اللذين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأيديهما، وقال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ".



ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه كانوا قد سموا على الطعام، فلو كانت تسمية الواحد كافية عن الجماعة ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأيدي الأعرابي والجارية.

وإذا خشى الآكل أن ينسى من يأكل معه التسمية، جهز بها؛ ليقتدوا به في ذلك، فيكون الجهر تعليماً وتذكيراً.

فإن كانوا صالحين، يعلمون أن التسمية سنة فلا يجهر بها لعدم الحاجة إلى ذلك.

ومن نسى التسمية في أول الطعام سمى متى ذكر.



روى أبو داود والترمذي من طريق عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها - مرفوعاً: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ".

واعلم أن التسمية في بداية كل عمل له شأن من أحد المستحبات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيِهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبتر".

وكل شيء ببسم الله كان ويكون، فلا يقع في ملكه إلا ما يزيد.
فمن أراد أن يبارك الله له في عمله كله فليبتدئه ببسم الله.

والبسملة هي أول آية من آيات القرآن، وتفتح كل سورة بها إلا سورة التوبة؛ لأنها نزلت بالسيف على رقاب المشركين والمنافقين واليهود والنصارى.


* * *


وأما الأكل باليمين فهو سنة من آكد السنن أيضاً، وبذلك صرح الغزالي في الإحياء، والنووي في الأذكار، وغيرهما من الأئمة الأبرار، وقد نص الشافعي في الأم على وجوبه لظاهر الأمر في هذا الحديث.

أقول: وهو الصحيح الذي تطمئن إليه النفس ما لم تكن هناك ضرورة، لأن الأمر للوجوب على الحقيقة عند جمهور الأصوليين ما لم تصرفه قرينة، ولا أرى لصرفه قرينة ظاهرة.



وهناك من الأحاديث ما يرجح قول الشافعي ومن نحا نحوه.

فقد جاء في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع: "أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأى رَجُلًا يَأَكَلَ بِشِمَالِهِ فَقَالَ كُلْ بِيَمِينِكَ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ، فَمَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِعت فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بعد".

وروى أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: "مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ".

وروى مسلم من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَاتَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ".

"وقال الطيبي: معنى قوله "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِهِ" أي يحمل أولياءه من الأنس على ذلك ليضار به عباد الله الصالحين.



وقال بعضهم: فيه عدول عن الظاهر، والأولى حمل الخير على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخير به فلا يحتاج إلى تأويله".

لكن ماذا يفعل من احتاج إلى استعمال يده اليسرى مع اليمنى؟.

يجيب العيني على هذا السؤال بقوله: "فإن احتيج إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية".

وأفهم من كلامه ذلك أنه جائز للضرورة، وهو كذلك إن شاء الله تعالى.


* * *


وقد اختلف الفقهاء في حكم من تطيش يده في الصحفة فتأكل من هنا وهناك، فمنهم من قال: يكره ذلك لمن يعلم أن إخوانه لا يكرهون ذلك، ومنهم من يقول: إذا اختلفت الأصناف في الصفحة جاز أن يأكل ما شاء من أي ناحية.

وقد ترجم البخاري في صحيحه لهذا الباب بقوله: باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية. وذكر حديثاً عن أنس بن مالك- رضي الله عنه -: "أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قال أنس فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرَأَيْتُه يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِن يَوْمِئِذٍ".

قال العيني: "حمل البخاري الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه".

والراجح عندي والله أعلم أن الأكل من كل ناحية في الصحفة يحرم إذا تأذى منه من يأكل معه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مالك في موطئه وابن ماجه في سننه: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ". ولا شك أن إيذاء المسلم ظلم له والظلم قليله وكثيره حرام.

ونستطيع أن نتصور الإيذاء في أربعة أمور:

الأول: أن هذا الفعل يسبب لإخوانه التقزز، ولا سيما إذا كانت يده غير نظيفة، وكان الطعام مائعاً، وكان إخوانه الذين يأكلون معه أكبر منه سناً، أو كانوا من أهل العلم، أو من ذوي الجاه والمنصب، وقد أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فلا نتجرأ عليهم ولا تحرجهم ولا سيما فيما يؤكل ويشرب؛ لأن نفوسهم تعاف ذلك وتأباه، وتنفر منه طباعهم.



الثاني: أن هذا الفعل قد يؤدي إلى تناول أكثر الطعام الحسن الذي يرغب فيه إخوانه ويحتاجون إليه، فلا يخفى ما في ذلك من اعتداء على حقوقهم وكبت لرغباتهم، وهو أمر يجعلهم يحتقرونه في أنفسهم، ويغضبون منه، ويسخطون عليه، ويتحرجون من الأكل معه مرة أخرى، بل ربما اعتزلوه اعتزالاً تاماً وصار بينهم كالأجرب بين الصحاح.



الأمر الثالث: الذي يؤدي إليه طيشان اليد في الصحفة فقدان المروءة ويكون بفقدانها غير مرضي الشهادة، وكفى بذلك ظلماً لنفسه وإهانة لشخصه.



الأمر الرابع: أن هذا العمل يدل على الحرص والطمع والجشع والشح، وهي من أقبح القبائح فكيف لا يكون هذا العمل حراماً!.



أما إذا كان الرجل بين أصدقائه وكان التكلف بينهم مرفوعاً، وكانوا في مستوى واحد أو متقارب في العلم والخلق، والمنصب والنظافة والسن، فإن هذاالعمل لا يكره ولا يحرم؛ لعدم وقوع أمر من الأمور الأربعة غالباً.

أما إذا كان الرجل ممن يتبرك الناس به ويحبون أن يأكلوا من بين يده، ومن تحتها وعلم منهم ذلك، وكان الطعام يابساً ومتنوعاً فلا بأس من أن تجول يد الرجل في الصفحة.



ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن أصحابه يحبون ذلك ويتمنونه ويرغبون في أن يشربوا بقية شربه، ويأكلوا من فضلة طعامه بل كانوا – كما ذكر ابن حجر – يتبركون بريقه ومماسة يدة، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها.


ونحن كنا ولا زلنا نحب أن نقاسم شيوخنا اللقمة بعد أن يضع الواحد منهم طرفاً منها في فمه تبركاً ومداعبة وكانوا يفرحون بذلك، ولم يكن بين الشيوخ وتلاميذهم فجوة تجلب النفرة، بل كان الحب هو السائد بينهم، به يجتمعون، وعليه يفترقون.

وذلك أسوة بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فكان يحيل يده في الصحفة أحياناً مداعبة لهم، وتلبية لرغباتهم، وتوثيقاً لعرى المحبة بينه وبينهم.

صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار, ورضى الله عن التابعين له بإحسان إلى يوم الدين.


* * *


وبعد أن تكلمنا عن الآداب الرئيسية لتناول الأطعمة يجدر بنا كما وعدنا أن نذكر شيئاً من آداب الأطعمة والأشربة التي تندرج تحت هذه الآداب الرئيسية، ونبين بعض الأخطاء التي ترد على ألسنة أهل العلم، ونصحح المفاهيم في هذا الباب بإيجاز مفيد فنقول:


يتبع هذه الآداب الثلاثة عشرون أدباً:


الأول: ألا يكون في الطعام شبهة تجعل الحكم فيه متردداً بين الحل والحرمة.
لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ".
وهذه الأدب عام في الطعام وغيره.

والطعام لا يكون هنيئاً مريئاً إلا إذا كان حلالاً طيباً لا شبهة في مصدره ولا في سبب اكتسابه.



الثاني: غسل اليد اليمنى، بل واليد اليسرى أيضاً – إذا كان سيعتمد عليها في معاونة اليمنى – قبل الطعام وبعده.

وذلك لأن اليد غالباً ما تكون ملوثة بالأتربة وغيرها مما يحمل العدوى، وتكون ملوثة بعد تناول الطعام أيضاً فلا بد من غسلها قبل الطعام وبعده من أجل النظافة، والنظافة من الإيمان.



وقد ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر مشهور، قال صلى الله عليه وسلم: "أَنَّ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ, وَبَعده يَنْفِي اللمم"، وفي رواية " يَنْفِي الْفَقْرَ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعدُه".



الثالث: أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض، فهو أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفعه على المائدة.

"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إَذا أَتَى بِطَعامٍ وَضْعِهِ عَلَى الْأَرْضِ" كما في حديث أحمد وغيره، فهذا أقرب إلى التواضع.

فإن لم يكن فعلى السفرة، وهي عبارة عن صحفة من جلد أو من خشب أو من معدن.

قال أنس بن مالك – رضي الله عنه -: "مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُوَانٍ وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ قَيلَ فَعَلى مَاذا كُنتم تَأْكُلُونَ قَالَ: عَلَى السُّفَرِة ".

والخوان: مائدة مكونة من حامل وصحفة واسعة من نحاس يحمله رجلان لثقله وارتفاعه، حتى يوضع أمام الملك، ويصل أرتفاعه إلى عنقه حتى لا يضطر إلى خفض رأسه استعظاماً وتكبراً.

والسكرجة: إناء يوضع فيه الويتوت ونحوه من الموالح والمشهيات.

قال الإمام الغزالي في أول الجزء الثاني من كتاب الإحياء: (واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا نقول: الأكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهي. وما يقال: إنه ابتدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما ابتدع منهياً عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته.
بل الابتداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب، وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض ليتيسر الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه).

فليفهم أولئك المتنطعون هذا، فإنه هو المناسب لسماحة الإسلام ويسره ومرونته؛ فإن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان يساير العصور وأعراف الناس من في كل مكان.

فماذا على المسلم لو دعى إلى مائدة مرتفعة عليها تلك الأدوات التي نعرفها من أطباق وملاعق، وشوك وسكاكين وما إلى ذلك، هل من اللائق أن يخالف الناس فيجلس على الأرض وحده، أو هو من على شاكلته بحجة أن هذا هو السنة وما سواه بدعة.

إن البدعة في العادات ليست ضلالة يدخل بها صاحبها النار، إذا كانت هذه العادات لا ينكرها الشرع، وإذا أنكرها الشرع كانت حراماً ولم تكن بدعة فهناك فرق بين البدعة والمعصية، فكل بدعة معصية وليست كل معصية بدعة كما يقول الشاطبي في كتاب الاعتصام.

وقد ذكرنا الفرق بين البدعة والمعصية عند الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: "إِيَاكُم مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ" فراجعه هناك.



الرابع: أن يحسن المسلم الجلسة على الطعام عند حضوره، ويستديمها ما أمكن بحيث يتمكن من تناوله من غير أن يضر من حوله، ودون أن يكون مخالفاً لما اعتاده الناس عند حضور الطعام وتناوله، فالمسلم يراعي ما يتقبله الناس عادة، ويجتنب ما يعيبون عليه فيه، وذلك في الطعام وغيره، فإن مخالفة العادة تتنافى مع المروءة غالباً، المروءة صفة يتحلى بها أهل العدل الحلم والعلم، ويستخف بها أهل الجَور اللؤم والجهل.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضر الطعام ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى، كما في سنن أبي داود وغيره.

وربما أكل جالساً مقعياً كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود.


والإقعاء في الجلوس – كما قال ابن الأثير في جامع الأصول-: هو أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يده بالأرض، وقيل: هو أن يجلس على وركيه وهو مستوقز أي متهيئ للقيام.
وخلاصة القول أنه يجلس جلسة مريحة لا يعاب عليها ولا يترتب عليها ضرر له ولا لغيره كما أشرنا.



الخامس: ألا يأكل متكئاً من غير ضرورة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما في البخاري وغيره- : "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ...".

وروى أبو داود أيضاً عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس على المائدة يشرب الخمر عليها، وأن يأكل رجل أو يشرب منبطحاً على بطنه – وفي نسخة: وجهه – ورخص في أكل حب مقلي ونحوه متكئاً".


السادس من الآداب: أن ينوي بأكله التقوى على طاعة الله تعالى وعبادته حتى يؤجر على كل لقمة يضعها في فمه، بل يؤجر على جلوسه للطعام نظره إليه.

وبالنية يستطيع المسلم أن يجعل أعماله كلها وأنفاسه جميعها لله، فيؤجر على كل ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".



السابع: أن يتذكر أن هذا الطعام من فضل الله عليه، وأن يتفكر في عظيم قدرة الله في صنعه.



الثامن: أن ينظر إلى الطعام ليتعرف أولاً على صلاحيته للأكل، ويتأكد من نظافته ويعرف محتوياته، ويتفكر في أنواعه ليعرف عظيم قدرة الله فيه فيزداد بهذا التفكر إيماناً، ويحمله هذا التفكر أيضاً على المبالغة في شكر المنعم عز شأنه على نعمة الطعام، ونعمة اليد التي يتناوله بها، والعين التي يبصره بها، والصحة التي تجعله قادراً على تناوله، والاستمتاع بطعمه وغير ذلك مما يقود الفكر إليه.

والتفكر في صنع الله عبادة من أعظم العبادات، على ما سيأتي بيانه في حديث آخر إن شاء الله تعالى.



التاسع: أن يتناول من الطعام بقدر ما يقيم صلبه ويدفع عنها غائلة الجوع والوهن، ولا يشبع شبعاً يعوقه عن العبادة، وعن مزاولة الأعمال الضرورية، فالجوع شر والتخمة شر، وخير الأمور الوسط.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التخمة ومن الجوع أيضاً، ونصح الناس بأن يكتفوا بما يقويهم على العمل ولا يضر بالصحة.

روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن مقدام بن معد يكرب قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِه حَسْبُ الْآدَم لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كان لا محالة فَثُلُثٌ لِطَّعَامِه وَثُلُثٌ لِشَّرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَّفَسِهِ".



العاشر من الآداب: أن يقنع بما أحضر إليه من الطعام، ولا يطلب المزيد منه إلا لضرورة، ولا يبالغ في تعدد الأصناف كما يفعل الأثرياء والمتكبرون؛ فإن ذلك يتنافى مع الزهد في الدنيا، ولا يتفق مع الوسطية التي دعا إليها الإسلام، وربما أدت كثرة الأصناف إلى التخمة المفاجئة، فإن النفس الأمارة بالسوء تغري صاحبها بألا يترك شيئاً إلا ذاقه، فيذوق هذا، ويذوق ذاك، وهو لا يدري حتى يقع في المحذور فيصاب بأمراض كان من الواجب عليه أن يتقيها؛ فالوقاية خير من العلاج.



الحادي عشر: أنه إذا حضر الطعام، وحضرت الصلاة قدم الصلاة على الطعام ما لم يكن جائعاً، أو خشى على الطعام من الفساد ونحو ذلك من الأعذار فعند ذلك يقدم الطعام على الصلاة على سبيل الإباحة أو الاستحباب.

فالأصل تقديم الطعام على الصلاة عند عدم الجوع أو خوف فوات الطعام بالفساد أو بأكل حيوان له أثناء صلاته ونحو ذلك.



وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس: "إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ". فمحمول على من كان جائعاً أو خائفاً على الطعام من التلف، وليس هو الأصل في ذلك عند الحنفية والشافعية وكثير من أهل العلم.



الثاني عشر: ألا يذم مأكولاً قدم إليه، فإن أعجبه أكله، وإن لم يعجبه تركه، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشتهاه أَكَلَهُ وَإِن كرهه تَرَكَهُ".



الثالث عشر: ألا ينفخ في الإناء الذي فيه الطعام والشراب الحار بل ينتظر حتى يبرد؛ فإن ذلك يجلب الأمراض، وهو مما تعافه النفس وتأباه، ويكره ذلك كراهة شديدة إذا كان معه من يأكل من هذا الطعام.

وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة رواها أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ومالك في الموطأ.



الرابع عشر: ألا يأكل أو يشرب واقفاً؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في صحيح مسلم، من حديث أنس وأبي سعيد وأبي هريرة، لكن ورد في الصحيحين أنه شرب واقفاً، ولعله فعل ذلك بعذر أو لبيان الجواز.



الخامس عشر: ويستحب أن يشرب الماء مصاً لا عباً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً ".



السادس عشر من الآداب: أن يدار الإناء الذي فيه اللبن ونحوه على الحاضرين، على الأيمن فالأيمن ولو كان صغيراً.

لما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ – وفي رواية: أصغر القوم- وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ".

وزاد رزين: "والغلام: الفضل بن العباس".

وفي هذا الحديث يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم العدل والنظام، ورعاية الحقوق في المجالس، وغيرها، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفضل على الأيمن شيخاً كبيراً ولا غيره من السابقين إلى الإسلام، بل كان يبدأ بمن عن يمينه فيعطيه الإناء ليشرب ثم يعطيه لمن بعده.

منها ما رواه البخاري ومسلم عن أنس من حديث طويل جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تناول القدح فشرب وعن يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي فضلته، ثم قال: "الأيمن، فالأيمن".



السابع عشر: أن يجمع على طعامه وشرابه من هو في حاجة إلى الطعام والشراب ولو في الأسبوع مرة، ولو من أهله وولده وجيرانه.

قال صلى الله عليه وسلم: "اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيه".



الثامن عشر: أنه إذا فرغ من طعامه يستحب أن يلعق أصابعه ويلعق ما في الصحفة فإن في ذلك بركة.

وقد وردت في هذا الأدب أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم والترمذي عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةَ".

التاسع عشر: أن يحمد الله بقلبه ولسانه بعد الفراغ من الطعام بالوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى أبو داود والترمذي في الشمائل عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من طعامه قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ".

وروى أبو داود والنسائي بالإسناد الصحيح عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا".

وروى الترمذي وابن ماجة وأبو داود عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

الحمد بأي صيغة هو المستحب، وأحب منه الحمد بالدعاء الوارد.


العشرون: أن يدعوا بعد الحمد بما شاء من الدعاء.
ويستحب أن يدعو الضيف لأهل البيت أو لمن أطعمه بوجه عام بالدعاء الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما جاء في مسلم من حديث طويل عن عبدالله بن يسر: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم ، واغفر لهم وارحمهم".

وما ورد في سنن أبي داود عن أنس – رضي الله عنه-: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: "أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ".



وروى أبو داود عن رجل عن جابر – رضي الله عنه – قال: صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ أَثِيبُوا أَخَاكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ ".

هذه هي أهم الآداب التي سنها الإسلام في هذا الباب، وهي في جملتها تدل على عظمة الإسلام في تشريعه الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج الناس إليه ومما فيه سعادتهم إلا بينها بياناً شافياً.

نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يهدينا سواء السبيل.


* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم