وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي بَكْر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  -أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا".
المدح مدرجة للكذب، يوقع صاحبه أحياناً بغير قصد منه في المبالغة في الوصف أو الخبر أو الإعجاب بالممدوح، والمبالغة في ذلك نوع من النفاق، والنفاق نوع من الكذب، إن لم يكون هو الكذب نفسه.
 
فالمسلم الحريص على دينه ومروءته يجب عليه أن يحاذر حينما يثني على غيره من المبالغة في الثناء والإطراء، فلا يذكر إلا ما يعلم من خير، بأسلوب مهذب لا يشم منه رائحة المداهنه أو المحاكاة للغير فيما قال، إذ إن الكثير من الناس يرددون ما يقوله المادحون عن فلان وفلان من غير تمحيص وتحقيق، فيقعون في لغط الحديث بجهلهم وعدم تحريهم عن صحة القول الذي نقلوه عن الغير، ومن كثر لغطه كثر غلطه كما يقولون.
 
فلا ينبغي أن يكون المسلم إمعة يردد ما يقوله الناس بلا وعي ولا إدراك ولا تثبت، ولا يجنح إلى المبالغة في تضخيم المحامد وطي المثالب، فإن تضخيم المحامد له آفات كثيرة تعود على المادح والممدوح.
 
فالمادح يتعرض للقيل والقال، ويتهم بالمجاملة أو بالجهل أو بالنفاق.
 
وقد يفقد الناس ثقتهم به فل يقبلون له قولاً حتى لو كان صادقاً فيه، ولا يقيمون لخبره أو وصفه وزناً، وبهذا تسقط هيبته من نفوس الناس ويصفونه فوق ذلك كله بأوصاف أقلها أنه مداح.
 
وقد تقدم شرح قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – :" أَحْثُوا فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ".
 
والممدوح قد يغريه المدح بالتمادي فيما خفى على المادح من سوء الأدب وقبح الفعال، فربما يكون من أصحاب النفوس الضعيفة فيغتر بما قيل له فيقع في العجب والرياء والخيلاء وغير ذلك مما يندرج تحت الكبر، فيستوجب غضب الله في الدنيا، والأخرة فيتمنى من أعماق قلبه يوم القيامة ألا يكون قد مدحه مادح أو ذكاه على الله أحد بعلم أو بغير علم.
 
ومهما كان الممدوح جديراً بالثناء فإن إطراءه في وجهه ليس محموداً في جميع الأحوال، وإنما يكون محموداً إذا كان المادح متأكداً من قوة إمانه وسلامة قلبه وصدق يقينه بخالقه ومولاه.
 
فقد كان النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يمدح في وجهه، فما كان يمنع ذلك، ولكنه كان ينهي عن المبالغة في المدح الذي يخرج به الحقيقة أو يتجاوز به حد الأدب مع الله عز وجل.
 
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ  وَرَسُولُهُ".
وفي هذه الوصية التي نحن بصدد النظر فيها آداب خلقية واجتماعية ينبغي أن نضعها موضع الاعتبار في المدح والثناء والوصف والإخبار.
 
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – للرجل الذي أثنى على صاحبه بخير: "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ" زجر له ولأمثاله عن المبالغة في الثناء لا عن الثناء في ذته دون مبالغة، بدليل قوله: "قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ"، لأن الثناء المجرد عن الإطراء والمجاملة لا يخرج الممدوح هذا الإحراج الذي كنى عنه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بقطع العنق.
 
ولو كان المادح غير مبالغ في مدحه ما كرر هذا الزجر مراراً، بل كان يكتفي بمرة واحدة.
وكلمة "وَيْحَكَ" تستخدم في الزجر – كما في الحديث – وتستخدم في الإعجاب بما يأتي به المرء من أفعال.
 
وأحياناً يقولون: "وَيْلَكَ" بدلاً من "وَيْحَكَ" كما جاء في مسند أحمد في رواية هذا الحديث، ولا يقصدون بها الدعاء عليه بالويل.
 
وقوله: "قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ" يدل على أن الممدوح كان حاضراً، فمدحه له أحرجه غاية الإحراج، لأنه مؤمن يخشى الله عز وجل، ويتهم نفسه بالتقصير في حقه دائماً، ولا يحب أن يعرض نفسه لمحبطات الأعمال، فإن الإطراء يُدخل عليه شيئاً من الرياء والعجب والغرور والخيلاء والكبر، فإذا سمع شيئاً من الثناء عليه خشى على نفسه من الوقوع في الهلكة، فإن هذا الآفات التي يسببها الثناء قد تقطع صلته بالله عز وجل فيخسر دينه ودنياه، فهل بعد هذا الهلاك من هلاك!!.
 
إن قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ" تصوير بليغ لحال الممدوح حين مُدِحَ، فقد كان الرجل مرفوع الرأس فلما سمع بأذنيه الثناء عليه طأطأ رأسه استحياء كالذي يطاطئ رأسه للسياف، فكأنه يقول له: لو عدت إلى هذا لكنت سبباً في هلاك دينه، وهو أصعب من هلاك بدنه.
 
إن الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يعلم أصحابه الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، ويغرس في نفوسهم التواضع لله وللناس من غير منقصة.
 
والتواضع أول صفة من صفات عباد الرحمن، وهو أول خطوة في الطريق إلى الله.
 
ويُعلمهم كيف يتعاملون فيما بينهم، وكيف يقي بعضهم بعضاً من الآفات التي تُعَكَّرُ صفو الإيمان، ويصف لهم الأدوية الناجعة للأدواء الكامنة في النفوس البشرية، ويحذرهم من الملق والنفاق وسوء الأخلاق بوجه عام.
 
وإذا خلا المرء بنفسه ووضع نفسه موضع الرجل الذي ذكاه صاحبه وبالغ في الثناء عليه وكان ذا قلب يقظ وضمير حي – فإنه سيتحقق تماماً من هذه النظرة الخُلقية التي أدلى بها النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في هذا الحديث من غير تكلف.
 
إنه سيشعر حتما بالحرج الشديد ويستحي مما ذكره المادح في شأنه استيحاء ربما يؤدي به إلى اعتزال الناس.
 
وربما يؤدي به هذا الثناء إلى العجب والغرور، والرياء وحب الظهور، فإذا كان ضعيف الإيمان أو سفيه العقل.
 
وفي كلا الحالتين يقع عليه ضرر قد لا يدرك مداه، ولا يمكن تحاشيه.
 
فما كان أغناه لو كف صاحبه عن مدحه في حضرته.
 
هذا هو الجانب الخُلُقي الأول في هذا الحديث.
 
أما الجانب الآخر فإنه يتجلى لنا بوضوح في قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا".
 
والمعنى: أن المسلم إذا أراد أن يُثنى على صاحبه بما يظنه فيه ولم يكن من ذلك بُد فإنه لا يقطع بما يظنه فيه، فإن الحقيقة لا يعلمها إلا الله، والظن لا يغني عن الحق شيئاً كما هو معلوم، والقلوب أوعية لا يعلم ما فيها إلا الله، والناس معادن، وللمعادن خصائص نعرف القليل منها ونجهل الأكثر، فلا ينبغي أن يقول: هو كذا وكذا بالقطع، ولكن يقول: أحسبه كذا كذا، أي أظنه أو أًرجح أنه كيت وكيت، فالظن هو إدراك الطرف الراجح في الغالب، وقد ينقلب الظن وهماً. كما يدل عليه قوله تعالى: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } (سورة النجم: 28).
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ". بضم الياء – معناه: أن كان يظن أنه كما قال.
 
لكن هذا إنما يكون في المدح ونحوه من الأخبار التي لا يتعلق بها حقوق الآخرين.
 
أما إذا كان الأمر يتطلب القطع في ذكر الأوصاف فإنه لابد أن يذكر ما علم ويقول في نهاية حديثه: هذا ما أعلمه عنه.
 
وذلك كأن يكون شاهداً في قضية أو مزكياً للشهود.
 
ومع ذلك فإنه لابد أن يأتي بالأدلة التي تفيد القطع وإلا لم تقبل شهادته ولا تزكيته للشهود.
 
فالشهادة ليست من قبيل المدح والثناء، ولكنها من قبيل العدل في القضاء، فإن الشاهد قد يكيل الثناء على صاحب الحق نصره له، فلا يقال: إنه قطع عنق صاحبه حينئذ، لأن الضرورة اقتضت ذلك.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "وَحَسِيبُهُ اللَّهُ" معناه: محاسباً له وفق علمه به على ما يضمره في نفسه وما يخفيه عن الناس من العيوب، وما يقترفه في الخفاء من الذنوب.
 
وهذا لقوله تعالى: { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } (سورة النساء: 6).
 
فالمادح أو الذكي يختم قوله بهذه المقولة، لكي يخلص نفسه من الافتيات على الله فيما هو من أخص خصائصه، وهو العلم بمضمرات القلوب وخفايا الأمور، وكأنه يقول: قلت ما قلت ولا أدري على وجه اليقين صحة ما قلت، ولا أدعي إني أعلم شيئاً من الغيب، فالعلم لله وحده، وأنا عبد أصيب وأخطئ، فإن تبين خلاف ما قلته فالخير أردت. على حد ما قال إخوة يوسف لأبيهم: { وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } (سورة يوسف: 81).
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا" معناه: أنه إذا قال ما قال لا يَدَّعي أنه زكاه عند الناس طمعاً في ثواب الله عز وجل أو رغبة في إثارة العطف عليه وجمع القلوب على حبه.
 
أو معناه: لا يقطع بأنه من الصالحين أو أنه من أهل الجنة، فإن ذلك قول على الله بغير علم، وهو من الكبائر، لأنه كذب عى الله وافتراء عليه، فالله وحده هو الذي يعلم بأحوال عباده، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
 
وقد كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا يُزَكِّي أَحَدًا عَلَى اللَّهِ أبداً، ولا يقطع بأن فلاناً من أهل الجنة وفلاناً من أهل النار إلا بوحي.
 
روى أحمد في مسنده عن ابن عباس – – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قال: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَتْ امْرَأَته: هَنِيئًا لَكَ يَا بْنَ مَظْعُونٍ الْجَنَّةُ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا نَظَرَة غَضْب فَقَالَ: "وَمَا يُدْرِيكِ" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَارِسُكَ وَصَاحِبُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- "وَاللَّهِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي" فَأَشْفَقَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- "الْحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ الْخَيْرِ. عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ".
 
وقد نهى الله عز وجل عباده عن تزكية أنفسهم، فقال: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } (سورة النجم: 32). أي فلا تمدحوا أنفسكم أن يزكيكم أحد، ودعوا ذلك لله وحده فهو أعلم بمن اتقى منكم.
 
وقد ذم الله الذين يزكون أنفسهم من اليهود وغيرهم ويزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم من أهل الجنة، فقال جل وعلا: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا  انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا } (سورة النساء: 49-50).
 
وفي عصرنا هذا من يدعون ما ليس لهم من العلم والعمل، ويفخرون بأنساب مزيفة وأحساب لا يمتون إليها بصلة، ويتنكرون في زي العظماء من الرجال، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويعتقدون أن الناس يصدقونهم فيما يدعون ويبالغون في تعظيمهم لظهورهم بهذه المظاهر البراقة، مع أن الناس لا يخفى عليهم أمرهم لأنه من حاول إخفاء شيء ظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه.
 
وقد غرهم من أنفسهم أن هناك جمعاً من الناس يظهرون الإعجاب بهم فيما يقولون وما يفعلون، ويصفقون لهم في كل كبيرة وصغيرة، ويتخذون من المدائح الفارغة بضاعة يتملقون بها، ويصوغون من الشعر القصائد المطولة، ومن النثر الخطب المرسلة، فيكيلون الثناء جزافاً، ويهرفون بما لا يعرفون، وربما وصفوا بالعدالة الحكام الجائرين، ووصفوا بالشجاعة الأغنياء الخوارين، ابتغاء غرض من الدنيا عند هؤلاء وأولئك.
 
إن هناك فرقاً شاسعاً بين الزبد الذي يذهب جفاءً وما يمكث في الأرض لمنفعة الناس، فأين هؤلاء المتملقين من الحق وأين الحق منهم.
 
والناس أصناف إذا ما أنت ذقتهم و        لا يستوون كما لا يستوي الثمر
 
فمنهم الذين يقولون الحق ولو كان مراً، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يسألون أحداً إلا الله، ولا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ومنهم من هم على النقيض من ذلك.
 
يقول ابن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – "إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه من شيء، يلقى الرجل ليس يملك له ضراً ولا نفعاً فيقول له: إنك والله كيت وكيت. فلعله أن يرجع ولم يحظ من حاجته بشيء وقد أسخط الله، ثم قرأ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا }.
وخلاصة ما ذكرناه في شرح هذه الوصية أن مدح الأخ لأخيه في حضوره أو في ظهر الغيب لا يكره إلا إذا بالغ فيه وقطع به، فإن المبالغة نوع من الكذب وباب من أبواب النفاق، وهذا ليس من شأن المؤمن.
وقد علمنا ما يترتب على المبالغة في المدح من آفات بعضها يلحق بالمادح وبعضها يلحق بالممدوح، فالمادح يتعرض للقيل والقال والاتهام بالمحاباة والمجاملة وضعف الرأي وغير ذلك، والممدوح يتعرض للرياء والعجب والغرور والخيلاء إن كان ضعيف الإيمان، وهو الهلاك بعينه، ويتعرض للإحراج الشديد والاستحياء من الناس والخوف على دينه منهم إن كان قوي الإيمان.
 
ونتعلم منها – أيضاً – أننا إذا اضطررنا إلى الثناء على أحد أن نقول: نحسبه كذا وكذا، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً. ونحو ذلك من الكلام الذي لا يفيد القطع ولا ينافي الأدب مع الله عز وجل.
 
واعلم – أيها الأخ المسلم – أن الأدب مع الله مقام من أعظم المقامات، لا يصل إليه إلا من أخذ من العلم بحظ وافر، وبدأ الطريق إليه بالتوبة والتواضع وإظهار الافتقار إليه في جميع الأحوال.
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم