أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ".
المسلم بطبعه كيس فطن، يضع الأمور في موضعها، ويعطي القوس باريها،  ويعرف لكل ذي حق حقه، ويتصرف بنور بصيرته تصرفاً يتميز دائماً بالظرف واللطافة والذوق السليم، فتراه سمحاً في معاملاته كلها، ودود في معاشرته للناس متواضع لهم في غير منقصة، يُوقر كبيرهم ويرحم صغيرهم، ويعرف أقدار الرجال فيتأدب مع ذوي المروءات والهيئات، ولا يحقر أحداً من الناس لفقره أو لقبح منظره أو لدنوه في النسب.
 
وإذا رأيته قد فرق بين الناس في المعاملة فاعلم أن هذا التفريق مبني على حكمة علمه الله إياها في كتابه العزيز، أو على لسان نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.
 
إن المؤمن خير كله، يألف الناس ويألفونه، ويجد منهم ما يحب، ويجدون منه ما يحبون.
 
وإذا وجد من أحدهم ما يسوؤه عفا وصفح، وأسند ما ساءه إلى الشيطان، وأحسن الظن بأخيه وأحسن إليه؛ لأنه يعلم أن العبد إذا أحسن لمن أساء إليه كام أعبد الناس.
 
وهذه الوصية المقتضية قاعدة جليلة في معرفة أقدار الرجال وإعطاء كل ذي حق حقه بالتي هي أحسن.
 
وهي واسعة الدلالة في مضمونها لا تقتصر على ما فعلته عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا–
مع الرجلين، ولكنها تتجاوزه إلى ما يجب فعله مع الرئيس والمرءوس، والغني والفقير، والشريف والوضيع، والقوي والضعيف، والكبير والصغير، والصالح والمفسد، والرجل والمرأة إلى آخر ما هنالك من وجوه التفاوت بين الناس؛ فالوصية عامة، تشمل بعمومها كل ما ذكر، ويقاس عليها ما لم يذكر؛ حيث إن وجوه الائتلاف والاختلاف لا تنحصر.
 
والتفريق في المعاملة يتم على أربعة أسس:
 
الأساس الأول: الناس سواسية كأسنانا المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، فالجميع أن يأخذوا حظهم من الاحترام الآدمي، فهم من حيث الخلقة سواسية في الحقوق العامة، فالمسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يحقره، كما جاء في الحديث الذي سبق شرحه في هذا الكتاب.
 
ولقد كان النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  لا يميز بين الأحرار والعبيد في حسن المعاشرة، ولا بين الفقراء والأغنياء، ولا بين الأقوياء والضعفاء، بل كان يسوي بينهم في مجلسه وفي حديثه، وكان يخفض جناحه لصغيرهم وكبيرهم ممن اتبعه من المؤمنين، حتى يبدو لهم كأنه واحد منهم، وقد قالها يوماً لأصحابه حين جاءوا بشاة فقال أحدهم: أنا علي ذبحها، وقال الآخر: وأنا علي سلخها، وقال الآخر: وأنا علي طبخها، وقال الرسول الأكرم: "وأنا علي جمع الحطب"، فقالوا نكفيك العمل يا رسول الله، فقال: "لا أحب أن أتميز عليكم وأنا واحد منكم".
 
لكنه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان يعطي ذوي الأقدار حقوقهم من التبجيل والتوقير، فلا ينكر عليه أحد ممن هو دونهم؛ لمعرفتهم أن هذا هو الأدب المساير للفطرة، والمناسب لأحوال الناس في القديم والحديث، والعرف لا يأباه بل يأبى ما تناقض معه.
 
وكان عليه الصلاة والسلام يلقب العظماء من القواد والسادة بألقاب تناسبهم، فلقب أبا بكر بالصديق، ولقب عمر بالفاروق، ولقب عثمان بذي النورين، وعليا بالكرار، وأبا عبيدة بأمين الأمة، وخالد بن الوليد بسيف الله.
 
وكان يثني على كل رجل بما هو أهله، فأحبه العظماء من جميع الطبقات ومختلف الأعمار، فهو عظيم العظماء جميعاً بلا منازع، شهد له بالله جل جلاله بذلك في محكم آياته فقال: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (سورة القلم: 4).
وقال: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (سورة آل عمران: 159).
 
وأما الأساس الثاني: فهو العدل في أسمى صوره وأرقى معانيه.
 
فإذا كان على القوى حق للضعيف أخذه منه له بسلطان الحق. والحق أحق أن يتبع.
 
وإذا اعتدى شريف على وضيع أوقفهما معاً وسوى بينهما في الخطاب، وجعل لصاحب الحق مقالاً، ومكنه من الإدلاء بحجته، وأعانه على أخذ حقه بالمعروف، وأقام الحد على من زنى أو سرق أو شرب الخمر أو قذف محصنة أو محصناً، ولا تأخذه بهم رأفة في دين الله.
 
وكان – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول: "إن لصاحب الحق مقالاً".
 
وقال في المرأة الشريفة التي سرقت – وحاول أسامة بن زيد – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أن يشفع لها: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".
 
وميزان العدل عنده – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما علمه ربه: أن يعطي المرء من الحقوق مثل ما عليه من الواجبات.
 
الأساس الثالث: أن لا يكون التقدير لذوي الشرف والمنزلة على حساب الآخرين، بأن يوقر هذا ويحتقر ذاك ولو بقلبه؛ فإن ذلك عين الظلم.
 
والله عز وجل يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (سورة الحجرات: 11).
 
فمن نظر للغني نظرة إكبار لغناه ونظر إلى الفقير نظرة احتقار لفقره – فقد خان الأمانة وخالف السنة، وخرج عن العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ونافق في دينه، وأتى بما يحاسب عليه حساباً عسيراً من الله عز وجل ما لم يتب.
 
يقول الله عز وجل: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (سورة غافر: 19-20).
 
لقد طلب أشراف قريش من رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن يجعل لهم يوماً يجلس إليهم فيه، ويجعل للعبيد والفقراء يوماً يجلس إليهم فيه، فنهاه الله عن ذلك، وهو يعلم أنه لا يفعل ما طلبوه منه؛ توكيداً لمداومته على ذلك، وتعريضاً بأشراف قريش وإهانة لهم، فقال جل شأنه: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (سورة الكهف: 28).
 
أي دم على حبس نفسك على هؤلاء الأخيار، ودم على عدم طاعتك لهؤلاء الأشرار؛ فإن الرجل من أصحابك مهما كان حاله خير من ملء الأرض من أمثال هؤلاء.
 
وانظر كيف رفع الله من شأن الأعمى: عبد الله بن أم مكتون وعاتب فيه نبيه عليه الصلاة والسلام عتاب تعليم وتشريع، لا عتاب تعنيف وتقريع، ظهرت من خلاله مكانته عند ربه وسوء مكانة العظماء من قريش عند الله وعند الناس.
 
{عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى } (سورة عبس: 1-10).
 
الأساس الرابع: ألا يؤدي تكريمنا لرجل من السادة والأشراف إلى تكبرهم علينا وعلى الناس، واغترارهم بما أوتوا من الجاه والرفعة، واعتزازهم بما هم فيه من الثراء والنعمة؛ فإن توقيرهم وتبجيلهم حينئذ يكون منافياً للحكمة التي شرعت لتنزيل الناس منازلهم.
 
فنحن أمرنا بذلك لحثهم على المزيد مما يقومون به من أعمال الخير وما يؤدونه لله من واجبات؛ فإن المؤمن إذا مدح في وجهه رباً الإيمان في قلب، كما جاء في الحديث الصحيح.
 
وإذا رأى الناس يحبونه ويحترمونه بادلهم حباً بحب واحتراماً باحترام.
 
فإذا عرف ذلك كان لزاماً على كل مسلم أن يعرف متى ينزل الناس منازلهم، ومتى ينكر عليهم سوء صنيعهم، ومتى يمنعهم هذا الحق حتى يعودوا إلى رشدهم، ويكفكف من كبريائهم وغرورهم.
 
وهذه الأسس الأربعة تخصص عموم الحديث، وتجعله مقصوراً على من يستحق التبجيل والتعظيم.
 
والفهم الضيق لهذا الحديث يأتي من قصر النظر على ما فعلته عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – إذ أعطت السائل كسرة خبز فاكتفى بها وانصرف راضى النفس، وأجلست صاحب الهيئة وكرمته، فدل هذا في نظر غير المتأمل على أنه يُكرم الرجل لمجرد هيئته الحسنة وثيابه الفضفاضة وكفى، دون النظر إلى سماحة الوجه وطلاقته، وصلاح العمل وحسن الخلق، وما إلى ذلك من الاعتبارات التي لها شأن عند الناس.
 
والفهم الواسع هو ما قدمناه وبيناه على هذه الأصول الأربعة؛ جمعاً بين النصوص الشرعية التي وردت في إنزال الناس منازلهم، والنصوص التي لا تجعل للشريف منزلة إذا جاوز حده فأساء وظلم، وطغى وتكبر وخرج عن حد اللياقة والأدب.
 
فكيف يعظم الناس من سخر منهم واستهزأ بهم، وتعالى عليهم، وأساء معاملتهم، واغتر بنفسه وماله، وظن أنه خير منهم شرفاً ومنزلة؟
 
إن هذا قد أساء وظلم فلا عجب إذا احتقره الناس وأخذوا منه موقفاً سلبياً، أو اجتنبوه؛ وقاية من شره وأشره، أو أساءوا إليه في المعاملة، فإن ظلموه فقد ظلمهم، والبادي أظلم.
وبعد، فإنه من الواجب علينا أن نتمسك بهذا الحديث نصاً وروحاً، فنرفع في نظرنا من رفعه الله، كالعلماء العاملين والأولياء الصالحين، فندنيهم في مجالسنا، ونوقرهم أثناء التحدث إليهم والنظر إلى وجوههم، ونحسن إليهم في تصرفاتنا كلها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونحفظ لهم الود ما أمكن، وندافع عنهم في غيبتهم، وندعوا لهم بخير متى ذكرناهم، ونصل من يصلونه، ونحب من يحبونه بقدر طاقتنا؛ حسبة لله تعالى، ونقتدي بالنبي– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في معاملته للأخيار والأشرار، فنتواضع في غير منقصة لمن يستحق أن يتواضع له، ونتعالى على من يتعالى ويسيء إلينا يدين بديننا، أو يدين بديننا ولكنه لا يلزم طاعة الله عز وجل ولا يتبع سبيل المؤمنين المخلصين في عاداتهم وعباداتهم كما ينبغي أن يكون الاتباع.
 
روى أبو داود في سننه عن أبي موسى الأشعري – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ". 
 
أي أن من تبجيل الله وتعظيمه إكراماً من شاب في الإسلام شيبة حسنة؛ لحرمته عند الله عز وجل، وإكرام حافظ القرآن والعامل به والمعلم غيره قراءته وفق قواعد التجويد، فالحامل للقرآن مكلف بحفظه وتلاوته وتعليمه وتدبر معانيه والعمل بما فيه، لهذا قيل له: حامل القرآن.
 
وأما إكرام ذي السلطان المقسط فهو أوجب من إكرام غيره؛ لأنه نادر الوجود، فليس من السهل أن تجد حاكماً عادلاً يحكم بما أنزل الله ويعدل بين الرعية، ويقسم بين الناس بالسوية، فإذا وجد كان حقاً على الناس أن يحملوه فوق الأعناق، وأن يعظموه في أنفسهم تعظيماً بليغاً.
 
وإذا كان ذو السلطان المقسط حاملاً للقرآن فأنعم به وأكرم.
 
وإذا شاب في الإسلام شيبة فهو خير من يمشي على الأرض بعد النبيين.
 
نسأل الله لي ولكم صلاح الدين والدنيا.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم