توبوا إلى الله

الكاتب : محمد بكر إسماعيل

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضي الله عنه - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا".

* * *

هذه وصية جامعة لخصال الخير كلها ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع الناس لتكون نبراساً لهم في حياتهم ومصباحاً ينير لهم طريقهم إلى الله – عز وجل - .

وقد بدأ بالتوبة؛ لأنها أول الطريق إلى الله ووسطه وآخره يصحبها المؤمن في حله وترحاله، ويعيش في ظلها ليله ونهاره، ويستحضرها في قلبه كلما شعر بذنبه ويتخذها سكناً له تُهدى من روعه إذا شعر بالخوف من عذاب ربه، وتبعث فيه الرجاء في رحمته، وتطرد عنه شبح اليأس كلما لاح له واقترب منه.

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا": بادروا بالتوبة قبل أن يبادركم الموت، ولا تغفلوا عنها وأنتم تعلمون أن الفلاح فيها.

وهذا الأمر عام يشمل من تاب ومن لم يتب، فمن تاب ينبغي أن يجدد التوبة، ولا يركن إلى توبته السابقة، بل يتوب من التوبة نفسها، إذا ربما تكون توبة قاصرة، أو حدث فيها ما يخل بالأدب.

وهذا ما فهمه بعض العلماء من قوله تعالى من سورة النور: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (آية: 31).

فلفظ { جَمِيعًا } في الآية يشمل: من تاب ومن لم يتب. ولو كان المراد به من لم يتب فحسب لقال: وتوبوا إلى الله أيها المؤمنون، فعندئذ يجوز انصراف الخطاب إلى من لم يتب دون من تاب.

وبناء على هذا الفهم جعل ابن القيم – رحمه الله – من أركان التوبة: التوبة من التوبة، فما أعظم هذا الفهم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وتجديد التوبة الفينة بعد الفينة يساعد العبد على الإسراع في مرضاة الله عز وجل، والمضي قدماً في الطريق الموصل إليه، ويحول بينه وبين الذنوب التي تهفو النفس إليها، ويوسوس الشيطان له بها.

وتجديدها يكون بمحاسبة النفس أولاً بأول على ما قدمت وأخرت من خير وشر، بحيث إذا رأس أنها قد فعلت خيراً لأمها على عدم المزيد منه، وإذا رأى أنها قد اقترفت إثماً عاقبها على سوء صنيعها بما تستحقه من العقاب، وذلك بأن يكلفها من الأعمال الصالحة ما يكون سبباً في محور ذنوبها بعد أن يظهر الندم على ما فعل، ويبكي على خطاياه، فإن لم يسعفه البكاء تباكى.

فإن فعل ذلك بدل الله سيئاته حسنات كما وعد في قوله جل شأنه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (سورة الفرقان: 70).

ويشترط في صحة التوبة:

أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، فهي التي يتقبلها الله من عباده، ويكفر بها السيئات، ويرفع بها الدرجات في جنة عرضها السماوات والأرض.

يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (سورة التحريم: 8).

والنصوح في اللغة: الخالص الذي لا غش فيه، يقال: عسل نصوح، ولبن نصوح أي: خالٍ من الخلط والغش.

وثوب نصوح: أي محكم النسج ليس فيه تفاوت ولا خلل.

والتوبة النصوح لها أركان وشروط.


وأركانها خمسة:

الركن الأول: العلم بخطورة الذنب، فمن لم يعلم بخطورة الذنب لا يستعظمه، ومن لم يستعظم الذنب فكيف يتوب منه، ولو تاب منه لا تقبل توبته؛ لتهاونه فيه واستخفافه به.

يقال: إن رابعة العدوية سمعت رجلاً يستغفر الله وقد أحست أنه ليس جاداً في استغفاره، فقالت: أن استغفارنا يحتاج إلى استغفار.

وقد قسم العلماء الذنوب إلى كبائر وصغائر، وهذا التقسيم صحيح، ولكن الراسخين في العلم يقولون: "لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت". فعندئذ يعظم الذنب في نفسك، فتتوب منه بقدر ما تشعر بخطره، وبقدر ما تتوقع العقوبة منه.

ولكي تُرسخ هذا المفهوم في ذهنك ينبغي عليك أن تتفكر في عظمة الخالق عن طريق النظر في آياته الكونية وفي نفسك بالذات، ثم تقف عند آيات الرحمة وآيات العذاب؛ لكي تتقلب بين الخوف والرجاء، فتخاف تارة، وترجو تارة أخرى، فتجد نفسك عند الوقوع في الذنب خائفاً من عذابه الأليم، وتجد نفسك عند التوبة منه طامعاً في رحمته، طامعاً في عفوه، فتتوب من ذنبك عن رغبة ورهبة.

واذكر دائماً قوله تعالى في آخر سورة الأنعام: { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (آية: 165).

واذكر أيضاً قوله تعالى في سورة الحجر: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ } (آية: 49-50).

وقوله تعالى في سورة الزمر: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } (آية: 53-58).

الركن الثاني: المبادرة بها، وعدم الإصرار على الذنب، فمتى وقع منه وعلم به فقد وجب عليه التوبة منه؛ فالإصرار على الذنب الصغير يصيره كبيراً.

قال العارفون بالله: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.

وقد شرط الله لقبول التوبة: المبادرة بها في قوله – جل وعلا - : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَأُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } (سورة آل عمران: 135-136).

الركن الثالث: العزم على عدم العود إلى الذنب، فإنه من تاب وهو عازم على الوقوع فيما تاب منه كان المستهزئ بربه – والعياذ بالله.

فإن تاب العبد من الذنب ثم وقع فيه تاب منه مرة أخرى حتى يقوي على مفارقته، ولا ييأس من رحمة الله ما دام يخلص التوبة في كل مرة.

فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ إَني أَذْنَبْتُ ذنباً فاغفره فَقَالَ رَبُّهُ:عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرْ لَه، ُثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخر- وربما قال: ثم أَذْنَبَ ذَنْبًا آخر – فَقَالَ: يَا رَبِّ إني أَذْنَبْتُ ذنباً آخر فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبه: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرْ لَه ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُم أَصَابَ ذَنْبًا آخر – ربما قَالَ: ثم أَذْنَبْ ذنباً آخَرَ- فقال: يَا رَبِّ إني أَذْنَبْتُ ذنباً فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ ربه: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَقَالَ رَبه: غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".

ومعنى قوله: "فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ"، أي: ما دام يتوب توبة نصوحاً ثم يقع في الذنب مرغماً، أو من غير سبق إصرار، بأن غلبه الهوى وغره الشيطان، ولم يقو على دفعه فإنه كلما تاب يتوب الله عليه، ولو وقع في الذنب مائة مرة ما لم ييأس من رحمته.

ولا يخفى ما في هذا القول من طرد لشبح اليأس عن التائبين، فإن الشيطان يقول لمن تكرر منه الوقوع في المعصية: لا توبة لك، وقد عصيت الله أكثر من مرة، فمتع نفسك بهذه الشهوات المتاحة ما دام باب التوبة قد أغلق دونك، ونحو ذلك من المثبطات والمغريات.

والمؤمن لا يعرف الطريق إلى اليأس ولا يعرف اليأس الطريق إليه:{ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (سورة يوسف: 87).

وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في طرد شبح اليأس من نفوس المؤمنين بكل سبيل، ووردت عنه أحاديث كثيرة في ذلك منها:

(أ) ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ - أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ".

(ب) ورى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا" فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ؟ فَدُلَّ عَلَى رَاهِب،ٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ؟ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ".

وفي رواية: "فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فناء بصدره نحوها".

وفي رواية: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجعل من أهلها".

وفي رواية: "فأوحى الله إلى هذه: أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربى وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر".

(جـ) وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

الركن الرابع من أركان التوبة: العزم على قضاء ما فات من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك، وتدارك ما وقع في عبادته من تقصير، وما استطاع إلى ذلك سبيلا.

فإن مات ولم يقض كل ما فاته عفا الله عنه برحمته الواسعة، إنه رحيم ودود.

الركن الخامس: رد المظالم المادية إلى أصحابها إن علم بوجودهم، وإلا ردها إلى ورثتهم، فإن لم يعلم لهم ورثة تصدق بها على ذمتهم.

فإن كان فقيراً تصدق بها على نفسه وعلى أولاده، ووهب ذلك لهم، فيقول: ما أطعم به نفس وأولادي فهو صدقة لأصحاب الحقوق علي.

أو ينوي أنه متى أيسر سدد ما عليه من الحقوق لأصحابها إن علم بهم أو بورثتهم أو تصدق بها على ذمتهم، كما قال بعض أهل العلم، أو يضاعف من الحسنات، فيعمل من الصالحات بمقدار تلك السيئات التي ارتكبها في حقوق العباد المالية وغيرها.

فليقابل إيذاء الناس بالإحسان إليهم أن أمكنه ذلم من غير مضارة.

والحقوق ثلاثة:

(أ) حق لله خالصاً: وهذا يعفي عنه لمن قصر فيه بالتوبة النصوح.

(ب) وحق للعباد خالصاً: وهذا لا يغفر لمن قصر فيه إلا برد المظالم إلى أهلها، أو طلب العفو فيها، فإن لم يستطع ذلك وتاب توبة نصوحاً، فعسى الله أن يتوب عليه ويُرضي خصومه يوم القيامة.

(جـ) وحق مشترك بين العبد وربه: وهذا الحق يكفر بالتوبة ورد المظالم معاً، أو الاعتذار لأصحابها وطلب العفو منهم كما قلنا في الحق السابق.

وقد تكلم علماء الأصول عن هذه الثلاثة بإفاضة، ولعلنا نعرض لها بشيء من التفصيل في كتابنا هذا إن شاء الله.

والناس في التوبة على أربعة أقسام:

الأول: توبة أصحاب النفوس المطمئنة، وهم الذين يتوبون إلى الله توبة نصوحاً ويستقيمون عليها إلى آخر العمر، ويتداركون ما فرطوا فيه، ولا يحدثون أنفسهم بالعودة إلى الذنوب، ولا إلى الذلات التي لا ينفك عنها البشر في العادات.

وأولئك هم السابقون في الخيرات – جعلنا الله منهم.

يناديهم ربهم عند موتهم بقوله – جل شأنه - : {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِيوَادْخُلِي جَنَّتِي } (سورة الفجر:27-30).

ويناديهم بذلك أيضاً يوم القيامة بلا صوت ولا حرف يسمعونه، بلا كيف ولا مثل، ولا نسأل كيف يسمعونه فذلك أمر لا نعلمه، ولو علمناه لا نقدر على فقهه واستيعابه، ولكن من ذاق عرف – كما يقولون - .

وهؤلاء يختلفون فيما بينهم، فمنهم من سكتت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه فهو مشغول بمجاهدتها.

الثاني: توبة أصحاب النفوس اللوامة، وهم الذين تابوا إلى الله توبة نصوحاً، وسلكوا الطريق المستقيم في أمهات الطاعات، وتركوا الكبائر، ولم يقعوا في الصغائر عن عمد، وكلمت أتوا شيئاً منها لاموا أنفسهم، وندموا وعزموا على الاحتراز من أسبابها، ولم يستخفوا بها، ولم يصروا عليها ساعة من نهار، وأخذوا بالقول الذي تقدم ذكره: "لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار"، ووضعوا أنفسهم موضع الاختيار فحاسبوها أولاً بأول، فأولئك هم أصحاب اليمين.

وهؤلاء لهم من الله حسن الجزاء، وإن قل عن درجة السابقين.

الثالث من أقسام: أصحاب النفوس المسولة، التي تغلب صاحبها كثيراً فيكبح جماحها تارة ويعجز عن ذلك تارة أخرى.

وهؤلاء يتوبون إلى الله توبة نصوحاً، ثم تغلبهم شهواتهم فيقترفون بعض الذنوب، وقد تكون من الكبائر، إلا أنهم مع ذلك يواظبون على تأدية الواجبات، فيصلون ويصومون ويزكون ويحجون، ويجاهدون في سبيل الله، ويبرون آباءهم وأمهاتهم، ويكرمون الضيف، ويحسنون إلى الجار، وما إلى ذلك من الواجبات والسنن والمستحبات.

وهؤلاء قد خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فعسى الله أن يتوب عليهم توبة السابقين، أو توبة أصحاب اليمين.

فأمر هؤلاء إلى الله فإن شاء عفا عنهم وإن شاء عاقبهم، وهم إلى العفو أقرب – إن شاء الله – كما يدل عليه قوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (سورة التوبة: 102).

وعسى في جانب الله تفيد تحقيق الوقوع، فالله عند ظن عبده به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه-: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، وقد تقدم هذا الحديث فراجعه إن شئت.

الرابع من الأقسام: أصحاب النفوس الأمارة، وهؤلاء يتوبون من ذنوبهم توبة لا يصحبها عزم على ترك الذنب، ولا عزم على تدارك ما فات، ثم ينهمكون في الذنوب ولا الذنوب ولا يحدثون أنفسهم بعد ذلك بتوبة.

فهؤلاء من المصرين على الذنوب، لا تقبل توبتهم إلا إذا تركوا الإصرار، وأكثروا من الاستغفار مع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وبذل الجهد في العمل الصالح.

ويخشى على هؤلاء من سوء الخاتمة: { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } (سورة يوسف: 53).

وإن مات واحد من هؤلاء على التوحيد يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين.

* * *

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا"، فهو بتحصيل برهان صحة التوبة؛ لأن التوبة النصوح مقرونة بالعمل الصالح، وذلك في جميع آي القرآن التي تتحدث عن التوبة والتائبين، وقد مرت بك بعض الآيات الدالة على ذلك، فلا توبة بلا عمل، فالتوبة كالسفينة والتائب ربانها، والعمل كالماء بالنسبة لها، فكيف ترجو أن تنجو من عذاب الله من غير عمل.

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس

يقول الله – عز وجل – في سورة طه: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } (آية: 82) أي ثم لازم الهدى إلى نهاية عمره.

وقد يعتري التائب ظرف يشغله عن العمل، أو يعوقه عن الوفاء به، فعليه أن يغتنم شبابه قبل هرمه، وغناه قبل فقره، وصحته قبل مر ضه، وفراغه قبل شغله وحياته قبل موته، كما جاء في الحديث سبق شرحه.

فالشواغل كثيرة، والعزائم قد يصيبها الوهن في بعض الأحيان، فما على المسلم إلا أن يقسم أوقاته، فيجعل وقتاً لربه، ووقتا لنفسه، ووقتاً لأهله، وليؤثر ما يبقى على يفنى، وليتزود من الدنيا بزاد ينفعه للآخرة.

{ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة: 197).

والتقوى: هي طلب الوقاية من عذاب الله تعالى بفعل الطاعات واجتناب المحرمات.

والعاقل حقاً من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة، ولم يدخر وسعاً في تحرير نفسه من عبودية الشهوات والملذات الفانية، واتجه بقلبه إلى خالقه ومولاه ووهب أنفاسه لله.

{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } سورة الأنعام: 162-163).

والأمر في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم بالأصالة ولأمته بالتبعية، إلا أن المسلم لا يقول: وأنا أول المسلمين؛ فذاك هو محمد عليه الصلاة والسلام – ولكن يقول/ وأنا من المسلمين.

والقول لا يكون باللسان وحدخ ولكن يكون بالقلب واللسان معاً، والعمل بصدق ذلك أو يكذبه.

نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين في أقوالنا وأفعالنا.

* * *

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا". فهو بيان لمواطن البر ومصارفها، وتنبيه على أفضل الأعمال التي تصل العبد بربه، وتجعله سعيداً في دنياه وآخرته.

أما ذكر الله: فهو الروح والريحان، وهو الأمن والإيمان، وهو نعيم الدنيا والآخرة.

قال رجل من الصالحين: عجبت لقوم خرجوا من الدنيا ولم يستمتعوا بنعيمها!! قيل: أو في الدنيا نعيم يا رجل؟!، قال: نعم فيها نعيم يعدل نعيم الجنة، قالوا: وما هو؟، قال: ذكر الله.

إنه الصلة الوثيقة بين العبد وربه حقاً؛ إذ يبادله ذكراً بذكر وحباً بحب.

يقول الله – عز وجل – في الحديث القدسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقْتَرَبْتُ مِنه بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".

وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } (سورة البقرة: 152).

وبيان لفحوي قوله تعالى في سورة العنكبوت: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } (آية: 45). أي: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

والذكر لا يقتصر أمره على التسبيح، والتحميد، والتهليل والتكبير، وقراءة القرآن، ولكن يكون أيضاً بتدبر القرآن والتفكر في مخلوقات الله – عز وجل – بل إن التدبر في الآيات القرآنية، والتفكير في الآيات الكونية هو المعول عليه في الذكر، فلا يكون لبيباً من لم يأخذ من كتاب ربه العظة والعبرة, ويأخذ البرهان الساطه على التوحيد الخالص من نفسه أولاً ومن الكون الذي هو ذرة منه ثانياً.

يقول الله عز وجل: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (سورة آل عمران: 190-191).

ويقول جل شأنه: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (سورة فصلت: 53).

فالذكر والتفكر قرينان متلازمان، والمؤمن لا يذكر الله بلسانه فحسب ولكن يذكره بعقله وقلبه ذكراً يهتز له كيانه كله.

وقد أمر الله المؤمنين بالإكثار من ذكره، ووعدهم على ذلك أجراً عظيماً، فقال في سورة الأحزاب: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا } (سورة الأحزاب: 41-44).

ومعنى: { اذْكُرُوا اللَّهَ } في الآية: تفكروا في مخلوقاته وفي آلائه، واشكروه على وافر نعمه.

ومعنى قوله: { وَسَبِّحُوهُ }: نزهوه عن كل ما لا يليق بذاته بألسنتكم وقلوبكم، واشهدوا له بالوحدانية كما شهدت به جميع الكائنات، فما من شيء في هذا الوجود إلا وهو يوحده ويسبح بحمده.

ومعنى قوله: { يُصَلِّي عَلَيْكُمْ }: يرحمكم، ويبارك لكم فيما وهبكم، ويعفو عنكم إذا ما ذكرتموه ذكراً كثيراً وسبحتموه بكرة وأصيلاً.

والصلاة من الملائكة دعاء واستغفار.

ولا شك أن ذكر الله يشرح الصدر وينيره، ويرقق القلب ويثبته على الإيمان الكامل واليقين الصادق.

قال تعالى: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (سورة الزمر: 22).

أي أفمن وسع الله صدره وأناره بالعلم والذكر كمن تركه ضيقاً حرجاً، وهذا كقوله تعالى: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } (سورة الأنعام: 125).

وأعظم ما ينشرح به الصدر تلاوة القرآن، فقد قال الله - عز وجل – بعد قوله { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ }: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } (سورة الزمر: 23).

والتلاوة التي يتأتى منها ذلك هي التي يصحبها التدبر الأمثل المبني على الفقه الدقيق لمعاني الألفاظ ومراميها.

يقول الله - عز وجل - { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة ص: 29).

أما القراءة وحدها فإنها ذكر يؤجر المرء عليه، ولكن لا يكون الأجر أتم وأكمل، ولا يكون النفع أعظم وأجل إلا مع التدبر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وَمَا اجْتَمَعَقَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ".

* * *

وأما الإيصاء بكثرة الصدقة في السر والعلانية بعد الإيصاء بالتوبة والذكر فلأنه من لوازمهما.

فالصدقة تطفئ غضب الرب – تبارك وتعالى – كما يطفئ الماء النار.

وما سميت صدقة إلا لأنها تترجم عن صدق صاحبها، وتعبر عن إخلاصه وشكره لخالقه ومولاه.

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: "والصدقة برهان". أي برهان على صحة الإيمان.

والإنسان يحب المال بطبعه، فإذا زعم أنه يحب الله فليبرهن على ذلكربإخراج شيء مما يحب من أجل من يحب، فإن فعل فهو صادق في حبه وإلا فلا، فالبر كل البر في الإنفاق بعد تحصيل الإيمان.

قال تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (سورة البقرة: 177).

ومنع الزكاة والبخل بالصدقات يكاد يكون كفراً بالله وكفراً بأنعمه.

قال جل شأنه في وصف المشركين: { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } (سورة فصلت:6-7).

وليس هناك تجارة مع الله بعد الإيمان به أعظم من تلاوة كتابه والإنفاق في سبيله.

قال جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } (سورة فاطر: 29-30).

ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق صدقة فأخفاها حتى تعلم شماله ما أنفقت يمينه.

وبالإنفاق ينشرح الصدر، ويعظم الأجر، ونفوز بالنصر، ويتسع علينا الرزق، كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث.

قال تعالى في جزاء المحسنين: { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } (سورة آل عمران: 136).

وقال جل شأنه: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سورة سبأ: 39).

وقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة الصف: 10-13).

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم