الشبهة السابعة والعشرون : دعوى مخالفة السُّنَّة للعقل

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

ومما يروجه منكرو السُّنَّة ادعاؤهم أن السُّنَّة ورد فيها أحاديث كثيرة تخالف العقل، وهدفهم إحداث ثلمة في صرح السنة، تضاف إلى ما قدموه من شبهات، معتقدين أن هذه الشبهات يقوي بعضها بعضاً، وأنها لا بد من إحداث الهدف المقصود في النهاية إذا أمكن لهذه الشبهات أن تترسب في أذهان الناس، أو فإنها ستحدث إرباكاً عندهم يزعزع إيمان العامة في السنة، ويزيل عنها ثوب القداسة الذي ألبسها إياه القائمون على شئون التقديس كما يحلو لبعضهم أن يقول.

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

نريد أولاً أن نلفت نظر القراء إلى أن المقصود بهذه الشبهة فوق المقصود "الأم" لهم من هذه الشبهات جميعاً، وهو إنكار السُّنَّة النبوية الطاهرة. المقصود الخاص بهذه الشبهة هو تكذيب المعجزات المادية، التي أجراها الله على يد رسوله الكريم بالإضافة إلى المعجزة المعنوية الخالدة، وهي القرآن الكريم، وهي معجزات كثيرة أوصلها الإمام البيهقي في كتابه العظيم المسمى دلائل النبوة إلى ما يقارب الألف معجزة.

 

كما أحصى كثيراً منها الإمام ابن كثير في كتابه المسمى "شمائل الرسول" وتحدث عنها الإمام ابن تيمية في كتابه المسمى "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" وقد بين أن الله تعالى أيد محمداً صلى الله عليه وسلم بمعجزات من جنس ما أيد به جميع رسله الكرام.

 

وقد صرح بعضهم بإنكار بعض المعجزات مع ورود الإشارة إليها في القرأن الكريم:

 

مثل شق الصدر، والمعراج، والبراق، والصلاة في بيت المقدس بالأنبياء وانشقاق القمر.

ومثل حنين الجزع إليه، وتكليم بعض الحيوانات العجماوات له ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل حتى يشبع العدد الكثير. والعلم بالحديث النفسي لدى الآخرين.

 

كل هذه عندهم أكاذيب؛ لأنها تخالف العقل، فيجب ردها وعدم الإيمان بها.

 

كما يدرجون تحت هذه الشبهة كل ما تحدث به صلى الله عليه وسلم من الغيبيات، وإن كانوا يدعون إلى تكذيب الغيبيات بإعمال شبهة أخرى هي "مخالفة القرآن"، وقد تقدم لنا تفنيدها ونقضها".

 

هل من الممكن مخالفة السُّنَّة للعقل؟

وللإجابة على هذا السؤال لا بد من تمهيد، وخلاصته: أن الممنوع عقلاً نوعان:

 

الأول: ماله سبب أو علة يتوقف عليها وجوده، فإن العقل يمنع وقوعه إذا لم يسبقه سببه أو علته، مثل الارتواء بدون شرب الماء، والشبع بدون تناول غذاء والصعود إلى الفضاء بدون حامل أو دافع، والإحراق بدون مماسة نار، والإنجاب بدون لقاء بين الزوجين أو ذكر وأنثى، والإسماع بدون صوت، وعبور البحر بدون وسيلة ناقلة أو سباحة، ومماسة جسم لآخر بدون اقتراب. والعلم بما يدور في النفس بدون إفصاح، والإبصار بالأشياء بدون إيقاع النظر عليها.

 

هذه الصور كلها يمنع العقل وقوعها لعدم تقدم أسبابه أو عللها عليها. ومنع العقل لوقوع هذه الأشياء نسبي كما سيأتي.

 

النوع الثاني: ما ليس سبب أو علة يتوقف وجوده عليها وهذا يمنعه العقل منعاً مؤيداً، ولا يحدث في المنع خلل أبداً.

 

 

وهذا ما يسمى بالبدائه العقلية، أو الضرورات العقلية مثل تقدم الوالد على أبنه في الوجود الزمني، وكون الجزء أصغر من الكل، والواحد نصف الاثنين، واليوم واسطة بين أمس وغد، وامتناع اجتماع النقيضين وارتفعاعهما عن المحل كالموت والحياة، والوجود والعدم، فلا يكون إنسان ما، أو أي كائن مما تحله الحياة، لا يكون حياً ميتاً في آن واحد، ولا يكون حياً ولا ميتاً في آن واحد.

 

ومثل اجتماع الضدين فلا يكون الشيء أبيض وأسود في آن واحد.

 

ومثل أن الشيء غير نفسه، وأن يكون أمس هو اليوم أو غدا.

 

هذه الصور كلها، وغيرها كثير، يمنع العقل حدوثه منعاً قاطعاً في جميع الأزمان والأكوان.

 

وبناء على ما تقدم نقول بكل جزم وإصرار:

 

أن الحديث النبوي لم يرد فيه مثال واحد يخالف حكم العقل في النوع الثاني، ومن يدعي هذا فعليه أن يأتينا بالدليل ونتحدى منكري السُّنَّة مجتمعين ومفترقين أن يجدوا في السُّنَّة ما يدل على هذه المخالفة لأنه مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به إرادة ولا قدرة. فهو – كاسمة – مستحيل أبداً أما النوع الأول، وهو تخلف السبب أو العلة مع وجود المسبب فإن السُّنَّة تتفوق فيه على العقل، ولا يكون إلا على سبيل المعجزة لنبي، أو الكرامة لولي، أو الاستدراج لشقي.

 

وما جعل الله هذه المعجزات الخارقة لكل مألوف عقلي أو علمي، إلا ليقهر به غرور العقل وغرور العلم.

 

وإلا فماذا يملك العقل من نجاة إبراهيم – عليه السلام – من النار التي أضرمها له أولياء الشيطان ثم ألقوه فيها فلم تمسه بسوء قط وماذا يملك العقل من شأن عصى موسى – عليه السلام – في أوضاعها الثلاثة:

 

مرة تنقلب ثعباناً يبطل السحر، ومرة ينفلق بها البحر أثنى عشر فلقا كل فلق كالطود العظيم.

 

ومرة يضرب بها الحج فيتدفق منه الماء عيونا اثنتى عشرة كالفلوق التي حدثت في الضربة الأولى.

 

إن ضربة من الضربتين هرب بها الماء، والأخرى حضر بها الماء فكم – يا ترى – يلزم الآن من التجهيزات التكنولوجية لفلق البحر اثنى عشر فلقا؟!

 

وكم يا ترى يلزم من الإجراءات التكنولوجية الحديثة لتدفق اثنتى عشرة عيناً من الصحراء.

 

وهل يستطيع كل الوسائل الحديثة المتطورة أن تفجر الماء من حجر؟!

 

وهل تستطيع الوسائل العلمية الحديثة، العالية الكفاءة أن تسخر الجن والطير وجميع القوى الطبيعية كالريح وإسالة الطاقة من الأرض كما حدث من قدرة الله لسليمان عليه السلام؟

 

وهل تستطيع جميع القوى البشرية ومخترعاتها المذهلة أن تعبد الروح بعد مفارقتها لجسد ميت، كما أجرى الله ذلك على يد عبده ورسوله عيسى عليه السلام، معجزة له على عناد بني إسرائيل وكفرهم.

 

وهل تستطيع وسائل النقل المعاصرة أن تقتلع قصراً لرئيس أو ملك أو أمير في لحظة هي خارج نطاق الزمن عبر آلاف الكيلو مترات دون أن يصيبه أدنى خلل في نظامه وديكوراته كما صنع الله ذلك معجزة لرسوله سليمان عليه السلام؟!

 

وهل يستطيع جيش حديث مزود بكل أسلحة الدمار الشامل أن يقتلع قرية من أساسها ويعلو بها إلى طبقات الفضاء الأعلى ثم يلقيها على الأرض مرة أخرى سطحها أسفل، وقاعها أعلى كما صنعت القدرة الإلهية مع قوم لوط؟

أين العقل هنا؟ وماذا يملك إلا التسليم العاجز الخذول؟

 

ونسأل منكري السنة، أو منكري أحاديث المعجزات النبوية لرسول الإسلام نسألهم هذا السؤال. وعليهم أن يجيبوا عليه – لأنفسهم – بكل صراحة، لتعرفوا حجم باطلكم:

 

هذه الوقائع المذهلة، التي أيد الله بها بعض رسله، وأشرنا إليها دون الآيات التي قصتها علينا توخياً للإيجاز، هذه الوقائع – بلا ريب – تخالف العقل مخالفة، من النوع الأول الذي بيناه في التمهيد الذي تقدم.

 

هل أنتم مؤمنون بها؟ إن كنتم مؤمنين بها فيلزمكم الإيمان بالأحاديث التي قصت علينا مثل ما قص القرآن في سور: (الأنبياء والمائدة وآل عمران وغيرها).

 

وإن أصررتكم على تكذيبكم لهذه الأحاديث لزمكم أن تكذبوا القرآن لأنه روة مثل ما روت هذه الأحاديث. فأنتم محجوجون من كل جهة، مقهورون أمام صولة الحق. فماذا أنتم فاعلون؟!

 

وبهذا تندفع هذه الشبهة كما اندفع غيرها. ويفوت منكري السُّنَّة غرضهم الذي رتبوه عليها.

 

إن ورود أحاديث المعجزات في سنة محمد صلى الله عليه وسلم ليس عيباً ترد به هذه السنة، ويحكم عليها بالتزوير والبطلان بل هي دعامة من دعائم الإيمان، كان من الممكن أن تقود هؤلاء الآبقين من رحابة الحق، إلى سجين الباطل، كان من الممكن أن تقودهم إلى الإيمان الراسخ والتصديق الجازم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه (كتاباً وسنة) لو أنهم فتحوا للإيمان قلوبهم وأصغوا إليه أسماعهم، وأرحبوا له عقولهم وقطعوا ما بينهم وبين الشيطان من علائق ووساوس، أيعجز الله عن شق القمر لرسوله، وقد شق البحر لموسى عليه السلام.

 

أيمتنع على الله أن يشق صدر رسوله، وقد حمل لسليمان قصر بلقيس من اليمن إلى الشام. دون شرخ أو خلل.

أيبعد على الله أن يجري الماء بين أصابع رسوله الكريم وقد فجره من حجر أملس لموسى عليه السلام.

 

أيستحيل على الله أن يكثر الطعام لرسوله، وقد أنزله مائدة جاهزة من السماء لعيسى عليه السلام؟!

 

لقد أخلصنا لكم القول، وبقي بيننا وبينكم قوله تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } (سورة الكهف: 29).

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم