الشبهة السادسة عشرة : مصدر السُّنَّة ليس معصوماً؟!

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

هذه الشبهة مما ردده منكرو السُّنَّة المعاصرون، وعولوا عليها كثيراً في النيل من السُّنَّة، والطعن في أساسها، وهو النبي صلى الله عليها وسلم. وتراهم وهم يرددونها يحملون أطناناً من الحقد على من أرسله الله رحمة للعالمين، وفي الوقت نفسه يحملون على المسلمين الموقرين للنبي – كما أمرهم الله – حملات أشبه ما تكون بذفرات المصدور، أو تخليطات المحموم، أو بذاءات المخمور يحملون على المسلمين لأنهم – في نظر هؤلاء الزنادقة – يقدسون النبي ويدعون له العصمة من الخطأ، وهو بشر، وكأنه إله؟!

 

وليس لهم من سند يتكئون عليه في هذا المكر الخبيث إلا حديث تأيير النخل المعروف.

 

وقصته أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قوم يؤبرون نخلاً لهم، أي يضعون طلع الذكور في "أكمام الإناث" فأشار عليهم صلى الله عليه وسلم أنهم لو لم يفعلوه لا يضرهم، فتركوه فشاص التمر ولم يكتمل نموه فعادوا إليه وأخبروه، فقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" بالغ منكرو السُّنَّة في هذه "الواقعة" واتخذوا منها وليجة للتطاول البذيء على مقام الرسالة والرسول، وجزموا بأن الرسول بشر يخطيء ويصيب كسائر البشر، وأنه ليس معصوماً من الخطأ ولا مقدساً.

 

وقبل التصدي لهذه الحماقة نعرض بعض ما قاله منكرو السُّنَّة حول هذا الحديث في هذا الأيام وإليك ما قالوه.

 

 

ولو كان كل ما قال النبي أو صدر عنه من أفعال وحياً من السماء، فماذا عن حادثة تأيير النخل، ونهى النبي عن التأيير مما أدى إلى فساد المحصول، وتعقيبه صلى الله عليه وسلم بالقول: "أنتم أعلم بشئون دنياكم"... وإذا كان موحي من الله فهل كان الله يناقض نفسه؟... لقد كان قول النبي "أنتم أعلم بشئون دنياكم" اعتذاراً مهذباً بأدب نبوي، عن خطأ بشري ارتكبه بنهيه عن تأبي النخل، وفساد المحصول على أصحابه، بكلام بشري لا عصمة فيه عن الخطأ والسهو والنسيان، لأ، محمداً كان إنساناً لا إلها" (روز اليوسف 3/4/1999م).

 

هذا كلامهم، وهم يتحدثون عن خاتم النبيين وكأن بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم ثأراً يحاولون التشفي منه قاتلهم الله. مما ينبغي أن يدركه القاريء أن مرادهم بأن ما يصدر عن الرسول ليس وحياً، هو نفي العصمة عنه؛ لأنه بشر، والبشر يخطئون ويصيبون. إذن فالرسول ليس معصوماً من الخطأ، وحديث تأيير النخل ساقوه دليلاً على صحة دعواهم، لا أنه هو الحديث الوحيد الذي قد أخطأ فيه. بل إن هذا الخطأ يسري – عندهم – على كل ما صدر عنه مما رواه الثقات من علماء الحديث.؟!

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

إن هؤلاء الجهلة الأغمار، أو الزنادقة الأشرار، لا يتورعون في الإساءة إلى سنة الرسول الكريم عن أي شيء يقولونه مهما كان من المنكر والزور.

 

وقد تصدى لهم من قبل العلامة المحقق الكبير أحمد محمد شاكر فقال فيهم ما نصه:

"هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر، وصنائع أوربة فيها من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحجون به أهل السُّنَّة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السُّنَّة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام في المعاملات وشئون الاجتماع وغيرها... والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة...".

 

 

الملاحدة الذين وصفهم الشيخ شاكر – هنا – كانوا يستدلون بهذا الحديث على أن كل شئون الدنيا لا تخضع لتوجيهات الإسلام، وقد طور منكرو السُّنَّة المعاصرون هذا الاستدلال، وجعلوه مفيداً لنفي العصمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والدعويان من واد واحد، بيد أن دعوى المنكرين المعاصرين أشد قبحاً من دعوى سلفهم الذين تحدث عنهم الشيخ شاكر رحمه الله لأن منكري السُّنَّة المعاصرين يحاولون هدمها من الأساس كما قد رأيت في شبهاتهم المذكورة من قبل.

 

النبي معصوم وإن جحد الحاقدين:

أجمع علماء الأمة على أن الأنبياء معصومون في مجال التبليغ عن الله عز وجل. وجملة ما ذكروا عصمة الأنبياء عنه هي الأمور الآتية:

 

"كتمان الرسالة – الكذب في دعواها – الجهل بأي حكم أنزله الله عليهم – أو الشك فيه – أو التقصير في تبليغه. ظهور الشيطان لهم في صورة ملك – تلبيس الشيطان عليهم – أو تسلطه على خواطرهم – تعمد الكذب في الإخبار عن الله، تعمد بيان أي حكم شرعي على خلاف ما أنزل إليهم، سواء كان ذلك البيان بالقول، أو بالفعل، أو بالرضا والموافقة.

 

فذلك كله قد انعقد من أهل الشرائع على وجوب عصمة الأنبياء جميعا منه" (ينظر حجية السُّنَّة 96)  د/ عبد الغني عبد الخالق دار الوفاء – القاهرة.

 

وهذه العصمة الواجبة للأنبياء في مجال التبليغ وعدم وقوع ما يخالفها منهم من قول أو فعل، أو رضا، ليست مقصورة على الوحي المنزل إليهم من ربهم، بل هي عامة لكل ما يتصل بأصول الرسالة وفروعها وشئون التكليف.

 

والدليل الشرعي على ذلك متعدد، ومنه الآيات التي أمر الله فيها بطاعة رسله واتباعهم إذ لو كانوا موضع تهمة أو خطأ أو سهو أو نسيان ما أمرنا الله بطاعتهم طاعة مطلقة، هذا في شأن كل الرسل عليهم الصلاة والسلام.

 

ومما ورد في شأن رسولنا الكريم، الذي يتطاول عليه الآن المرجفون قوله تعالى:   { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (الأحزاب: 21) ومحال أن يكون الإخبار من الله غير مطاق للواقع، لأنه حينئذ يكون الخبر كاذباً، وكلام الله عز وجل صدق كله.      { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً } (سورة النساء: 122) وما أكثر الآيات المزكية للنبي، الآمرة بطاعته طاعة مستقلة، المادة للذين آمنوا به واتبعوه.

 

وعصمة الأنبياء كما وجبت بإخبار الشرع وجبت بإقرار العقل لأن رسل الله أمناء وحي الله ورسالاته، وتصديقهم الجازم واجب ولو جاز – عقلاً – الخطأ عليهم في التبليغ عن الله، لسري الشك في أقوالهم وأفعالهم إلى كل ما بلغوه عن الله من وحي ومن غير وحي، ولما أمكن تصديقهم تصديقاً جازماً، ولفقدت الشرائع هيبتها، وهذا محال في حكم العقل، كما هو محال في لسان الشرع. هذا هو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال.

 

هذه هي عقيدة المؤمنين الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم – أي بشك – كما جاء في الحديث الشريف.

 

فالذين ينفون العصمة عن رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – تمهيداً لرد سنته وإبطالها – يرتكبون كبيرة، وينكرون معلوماً من الدين بالضرورة. ويقترفون إثماً عظيماً.

 

ليس في الحديث دليل:

وحديث تأيير النخل، الذي توهموا أنه دليل لهم على نفي العصمة عن رسول الله، ليس لهم فيه دليل، بل هو دليل على جهلهم وعنادهم، شعروا أو لم يشعروا. وإن خيبة الأمل ملازمة لهم في كيدهم للسُّنَّة وصاحبها، والأمة جميعاً وويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون.

إن هذا الحديث لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم التبليغ عن الله، ولا وضع قاعدة فقهية، ولا بيان حكم شرعي. وإنما هو رأي أبداه حول أمور تخضع للتجارب، وعمل العقل، فهو عليه السلام، لم يُبعث خبيراً زراعياً، ولا هذا من شأن الرسل والرسالات والأعمال الدنيوية البحتة لم ينزل الله فيها كتاباً، ولم يرسل من أجلها رسلاً، وإنما هي أمور يمارسها الإنسان بحرية، وينتقل من تجربة إلى تجربة ويرصد النتائج، ويختار الأصلح.

 

هذا هو مجال العقل والعلم التجريبي، لا يتدخل فيه الشرع إلا فيما يتعلق بالحل والحرمة، والجواز والكراهة.

 

يبين هذا كله قوله صلى الله عليه وسلم لما راجعه أصحاب النخل حين لم يكتمل لهم تمرهم بعد أن تركوا التأيير:

 

"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فأنما أنا بشر" رواه مسلم.

 

وفي رواية: "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به" رواه مسلم.

 

وقد حدث شبيه بهذا في مناسبات أخرى، مثلما حدث في غزوة بدر لما عسكر النبي بالجيش في موضع، ثم انتقل منه إلى موضع آخر، نزولاً على رأي بعض أصحابه.

 

ومثلما حدث في موادعة "غطفان" حين اقترح عليه السلام منحهم جزءاً من ثمار المدينة، نظير ألا يكونوا ظهيراً للمشركين على أهل المدينة، ثم رجع عنه نزولاً على رأي "السعدين" زعيمي الأوس والخزرج – رضي الله عنهم.

 

هذا هو فقه هذه المسألة، ومنه يظهر جلياً أن منكري السُّنَّة قد ضلوا وأضلوا في دعواهم نفي العصمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مردديم مزاعم خصوم الإسلام من المبشرين الحاقدين والمستشرقين الحاسدين، والعلمانيين الجاهلين.

 

وسيذهب كيدهم، ويبقى الحق شامخاً حتى قيام الساعة:

وهل يضر البحر أمسى زاخراً            إن رمى فيه غلام بحجر؟!

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم