الشبهة العشرون : ندرة المتواتر في السُّنَّة

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

تقدمت الإشارة إلى أن علماء الحديث من تقسيماتهم له باعتبار كثرة الرواة وقلتهم في الرواية الواحدة، التقسيم الثنائي الآتي:

  • · الحديث المتواتر وهو ما رواه مع يستحيل تواطؤهم على الكذب من أول حلقة في السند إلى آخر حلقة وما بينهما.
  • حديث الآحاد، وهو ما رواه واحد فأكثر ولم يبلغ رواته في الكثرة مبلغ كثرة روارة المتواتر.

 

والمعروف عندهم أن المتواتر يفيد اليقين من حيث ثبوت الخبر المروي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

أما الحديث الأحادي فالمشهور عندهم أنه يفيد الظن، وقد ذهب بعضهم إلى أنه يفيد العلم إذا سلم من العلل والقوادح وكذلك من المعروف عند أهل العلم أن الحديث المتواتر قليل في نفسه، وقليل باعتبار الحديث الآحادي والتنظير بينهما هذه بدهيات معروفة في علوم الحديث.

 

وما كان لمنكري السُّنَّة أن يغفلوا عن هذه البدهيات، أو يقفوا منها موقف علماء الأمو ويبقونها في نطاق دلالاتها بل سارعوا إليها ليتخذوها سلاحاً يشهرونه في وجه السُّنَّة أو معولاً يهدمون به أصولها وفروعها.

 

فادعوا أن الأحاديث المتواترة لا تزيد على سبعة عشر حديثاً ويبالغ بعض منهم فيدعي أن المتواتر منها حديث واحد، هو:

"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". أما ما عداه من أحاديث فهي كلها أحاديث آحاد؟!

 

ومن العجيب أن بعضهم يذهب إلى الضد فيتهم هذا الحديث بأنه موضوع ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

 

ويرتبون على هذا أن السُّنَّة لا تصلح أن تكون مصدراً للتشريع، لعدم الثقة فيها، وضعف سندها؟!.

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

هذه الشبهة لا مساس لها من بعيد أو من قريب بصحة مصدرية السُّنَّة للتشريع، ونوضح ذلك في الخطوات التالية، بادئين بمغالطاتهم في قضية التواتر:

  • · ليس المتواتر قليلاً إلى الحد الذي ذكروه (سبعة عشر حديثاً، أو حديث واحد) فهذا جهل منهم بحقيقة التواتر الاصطلاحي، أو عناد ومكابرة.

 

وذلك لأن علماء هذا الفن (علم الحديث) قسموا الحديث المتواتر قسمين:

الأول: المتواتر اللفظي، وهو الحديث الواحد الذي يرويه جمه يستحيل تواطؤهم على الكذب، يرويه ذلك الجمع بلفظه ومعناه كحديث رفع اليدين في الصلاة، وحديث المسح على الخفين.

 

الثاني: الحديث المتواتر تواترا معنوياً لا لفظياً، كحديث رفع اليدين في الدعاء، فقد روى فيه نحو مائة حديث في هذا المعنى، مختلفة ألفاظها، ومعناها واحد.

 

وقد وضع العلماء مصنفات في المتواتر اللفظي، بلغت عند بعضهم مائة وعشرة أحاديث. وزاد بعضهم على هذا العدد (ينظر: ينظم المتناثر من الحديث المتواتر – المقدمة – ) للكتاني.

 

فإذا انضم إلى هذه العدد المتواتر المعنوي ظفرنا بكم هائل من الأحاديث المتواترة، على أن بعض العلماء يجعل من أمارات التواتر تلقي الأمة للحديث بالرضا والقبول. وبهذا ندخل في المتواتر جميع ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما لأن إجماع الأمة على قبولهما قائم منذ وضعا وإلى يوم الناس هذا.

 

  • · إن غير المتواتر من الحديث يفيد ما يفيده المتواتر بمعونة القرائن المناصرة له، كرواية الثقة، فإنها تبعث في النفس الاطمئنان، وموافقة الحديث لقواطع الإسلام وقيمه ومبادئه.

 

  • · إن الظن الذي يتكيء منكرو السُّنَّة عليه في إنكارهم إياها أن القرآن نفسه اعتمده أساسا في تقرير الأحكام الشرعية في الآية الكريمة: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } (سورة البقرة: 230).

 

ومن يسر هذه الشريعة الرحيمة، ابتناء الكثير جداً من أحكام التكليف على الظن؛ لأن الظن هو إدراك الطرف الراجح دائماً. وقد يكون الظن قوياً، والله لم يجعل علينا في الدين من حرج، ولو كلفنا بالتحري الشديد في كل شيء لوقعنا في ضيق من أمرنا.

 

  • · إن الفقه الاجتهادي كله ناشيء عن الاحتمال الدالي وهو الظن، ومعلوم أن الفقه الاجتهادي في الإسلام أضعاف أضعاف الفقه القطعي الدلالة.

 

  • الفقه الاجتهادي قائم على غلبة الظن، أما الفقه القطعي فهو قائم على العلم أو اليقين.

 

  • · ليس كل الظن مذموماً، والقرآن نفسه أورد الظن موارد اليقين، ومن ذلك قوله تعالى: { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } (سورة البقرة: 45-46).

 

فقد مدح الخاشعين – كما ترى – وعبر عن إيمانهم اليقيني بلقاء الله والرجوع إليه بالظن.

 

وقوله عز وجل: { ... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (سورة البقرة: 249).

 

وعبر عن إيمان هؤلاء الراسخين في العلم والإيمان بالظن فقال: "يظنون ولم يقل: يؤمنون، أو يعتقدون، للدلالة على أن الظن قد يكون قوياً فيعمل به ولا حرج.

 

كما حكى عمن يؤتي كتابه بيمينه يوم القيامة أن من أسباب فوزه في الآخرة وابتهاجه أنه كان يظن في الحياة الدنيا أنه سيبعث بعد موته، ويقف أمام الله عز وجل فيوفيه أجره: { إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ } (الحاقة: 20).

 

فليس الظن كله مذموماً، أو مردوداً، ولكن المذموم منه هوالظن السييء كما قال عز وجل: { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } (سورة الحجرات: 12) وهذا معناه أن بعضه حق وصواب. وهوالمقصود عند علماء الحديث هنا والظن الذي تفيده بعض الأحاديث والسنن هو الظن الممدوح الذي يكفي حصوله في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وعلى ذلك تنزلت آلاف الأحكام الفقهية في هذه الشريعة الرحيمة.

 

فماذا يبقى – بعد ذلك – لمنكري السُّنَّة من تمسك بهذه الشبهة الواهية؟

 

وددنا لو أنهم لو يلقوا القول على عواهنه، ولم يسلسوا مقادهم للأهواء، والحق – لو أرادوه – أقرب إليهم من حبل الوريد.

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم