الشبهة السادسة : تأخر تدوين السُّنَّة

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

هذه الشبهة يعول عليها منكرو السُّنَّة كثيراً في تحقيق أغراضهم ضد السُّنَّة، لهذا تراهم يبالغون في توظيفها للتهوين من منزلة السُّنَّة، وكونها – عندهم – دخيلة على الإسلام، وزيادة في الدين ما أذن الله بها؟!

 

فهم يقولون: لو كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون للسُّنَّة أهمية في الدين، لعجلوا بجمعها وكتابتها كما صنعوا بالقرآن، ولكن الصحابة أهملوها طيلة حياتهم وماتوا ولم تدون السُّنَّة في عهدهم، وإنما تولى تدوينها التابعون بعد مائتي سنة من بدء التقويم الهجري بل إن تدوينها تم في القرن الثالث الهجري، عصر البخاري ومسلم وابن حنبل وغيرهم هكذا يقولون.

 

ويرتبون على هذا السؤال الآتي:

 

فهل لو كانت السُّنَّة ضرورة من ضروريات الدين كان الصحابة يهملونها هذا الإهمال، وهل كان النبي يهمل تدوينها وهو يعلم أنها مصدر ثان بعد القرآن من مصادر التشريع الإسلامي؟

 

هذا التساؤل ردده زنادقة العصر في الصحف والمجلات في النصف الأول من هذا العام: 1999م رددوه بصيغ مختلفة، لكن المعنى والهدف واحد في جميعها، هو حمل المسلمين على الشك في السُّنَّة، والتهوين من شأنها قولاً وعملاً؟!

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

هذه الشبهة مهما غالى المعاندون في دلالتها على مرادهم منها، فإنها أشبه ما تكون بسحابة صيف في سماء صافية، سرعان ما تنقشع.

 

ولنا في تفنيد ونقد مرادهم منها عدة مسالك:

 

الأول: ليس صحيحاً أن عصر صدر الإسلام خلا تماماً من تدوين السُّنَّة، إذ من المعلوم أن أجزاء من السُّنَّة تدوينها في حياة الرسول نفسه، وبتوجيه مباشر منه.

 

من ذلك كتبه ورسائله لرؤساء الشعوب وزعماء العشائر والاتفاقات والمعاهدات والتصالحات، التي جرت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي مجموعة الآن في وثيقة قيمة، وبعضها مختوم بخاتمه صلى الله عليه وسلم [ينظر: الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. لمحمد حميد الله – دار النفائس].

 

ولا ريب أن كل هذه الوثائق جانب من جوانب السُّنَّة فيه من هدى النبوة ما فيه.

 

كما تقدمت الإشارة إلى كتبه صلى الله عليه وسلم إلى عماله، وكان يذكر لهم فيها ما  يعينهم على الفصل في الخصومات التي ترفع إليهم في ولاياتهم.

 

مثل أحكام الصدقات (الزكوات) والديات والميراث وبعض السنن.

 

وكما تقدمت الإشارة إلى صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة الإمام علي، وما كتب عام فتح مكة بأمر من النبي لأبي شاه اليمني، فالقول بأن عصر النبوة خلا تماماً من تدوين السُّنَّة قول فيه بعد عن الصواب.

 

إن الحق الذي لا محيد عنه أن عصر النبوة يوصف بقله التدوين للحديث النبوي، ولا يوصف بالخلو التام من تدوين الحديث.

 

وممن عرفوا بكتابة الحديث في صدر الإسلام الأول عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، وابن هشام وغيرهم [ينظر: دفاع عن السُّنَّة ص22]. د/ محمد محمد أبو شهبة رحمه الله.

 


الثاني: أسباب قلة التدوين في العصر النبوي:

قلة التدوين للحديث النبوي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وما تلاه حتى نهاية القرن الأول الهجري، لها أسباب وجيهة تُعزى إليها.

 

ذلك أن رجال القرن الأول كانوا إما من الصحابة، وإما من كبار التابعين (الطبقة الأولى) وكان هذا القرن يتميز بميزتين:

 

الأولى: أن سُّنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القولية كانت محفوظة في صدور الرجال، حاضرة ماثلة في ذاكرة الأمة. فلم تدع ضرورة إلى كتابتها وتدوينها.

 

الثانية: أن الصحابة الذين عاصرهم رجال الطبقة الأولى من كبار التابعين كانوا محيطين إحاطة كاملة بالسُّنَّة العملية، يهتدون بها وبالسُّنَّة القولية دون الحاجة إلى الرجوع إلى كتاب مكتوب، وربا كان الصحابة وكبار التابعين يتذاكرون هذه السنن فيا بينهم أو يسأل من جهل شيئاً من السنن من هو عالم بها، وكل هذا قام مقام التدوين فلم يُحتج إليه.

 

ويضاف إلى هاتين الميزتين ميزة ثالثة، لا تقل عنهما قيمة وجلالاً:

 

وهمي أن السُّنَّة خلال القرن الأول كانت صافية نقية محفوظة في الصدور على الصورة التي سُمعت بها من فم النبي الطاهر.

 

صافية نقية من كل دخيل وعليل ومكذوب، لأن هذه الآفات والقوادح ألمت بالنسبة في وقت متأخر عن القرن الأول – كما سيأتي – وفي ظروف وملابسات طارئة ما كان لها وجود في القرن الأول الهجري، قرن الصفاء والنقاء.

 

 

هذه هي الأسباب في قلة تدوين السُّنَّة في القرن الهجري الأول تدويناً واسعاً، وليست أسبابها ما يروجه منكرو السُّنَّة زوراً وبهتاناً، أن السُّنَّة ليست من الدين، فلم يهتم بتدوينها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا الخلفاء، ولا جمهور الصحابة؟! إن قولهم هذا تحريف شنيع لدلالات هذه الظاهرة وكما قيل: إن الإصرار على الخطأ مع يسر الوصول إلى الصواب أمر يدعو إلى الاتهام بسوء النية، أكثر من الدعوة إلى مجرد الخطأ في الاستدلال.

 

الثالث: تدوين السُّنَّة في أول القرن الثاني:

من التهويل الممقوت أن منكري السُّنَّة يدعون أن السُّنَّة دونت في القرن الثالث الهجري، وقصدهم التأكيد على طول المدة التي أهمل فيها تدوين السُّنَّة توصلاً للتشكيك في صحة الرواية، لبعد ما بين التدوين وبين حياة الرسول التي قيلت أو حدثت فيها السُّنَّة القولية والعملية.

 

وهذا خطأ فاحش. لأن تدوين السُّنَّة بدأ مع بداية القرن الثاني الهجري [عام 101هـ] في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

 

فقد رأى هذا الإمام المسارعة إلى جمع السُّنَّة وكتابتها وتدوينها، خشية أن يضيع منها شيء، أو يلتبس الحق منها بالباطل من غيرها.

 

فكتب إلى بعض الراسخين من العلماء، في نهاية القرن الأول الهجري، وبداية القرن الثاني، حسب مواقعهم من الأمصار الإسلامية.

 

روى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن حزم: أن أنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سننه، أو حديث عمر، أو نحو هذا فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء.

 

 

وروى الإمام البخاري نحو ما رواه الإمام مالك رضي الله عنهما، بعد توجيهات الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث النبوي، بدأت حركة التدوين في الاتساع وزال الأثر الذي كان عالقاً في النفوس من النهي عن كتابة الحديث، والإقلال من الرواية فيه، والتحدث به. واستقر الأمر على جواز الكتابة، بل والحث عليها، بل وجوب كتابته إذا خيف عليه النسيان والضياع [فتح الباري: ج1 ص 165].

 

وشمر العلماء عن ساعد الجد، ونشطوا في جمع الحديث والسنن مع التثبت والنقد التمحيص، وبدأت ثمرة التشدد في الرواية، التي كانت في عصر الخلفاء، تظهر بكل وضوح بيد أن حركة التدوين في هذه المرحلة كانت تجمع إلى الحديث النبوي أقوال الصحابة وفتاويهم، وبعض أقوال كبار التابعين.

 

وفي القرن الثالث أضيفت دراسات وجهود جديدة في التدوين، فدونت الأحاديث والسنن النبوية في أسفار خاصة بها، مع الترتيب الدقيق، واتسعت حركة النقد لأسانيد الحديث ومتونه، والجرح والتعديل والتهذيب والاستدراك والاستخراج.

 

كل هذا كان يهدف إلى تنقية السُّنَّة من الدخيل والعليل والمكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولم يتوقف جهد العلماء في خدمة السُّنَّة على القرن الثالث، بل أخذ جهدهم ينمو وينمو حتى القرن السابع الهجري، وفيه بلغت الجهود الحديثية درجة الكمال، وأسفرت هذه الجهود المباركة عن الآتي:

  • استجابة لدعوة الخليفة عمر بن عبد العزيز هب العلماء في كل الأمصار الإسلامية على جمع السُّنَّة وتدوينها:

 

الإمام مالك في المدينة، وابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، ومعمر بن راشد باليمن، وابن عروبة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري في الكوفة، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وهشيم بن بشير بواسط، وجرير بن عبد الحميد بالري، وغيرهم، وغيرهم.

 

  • · تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى أحكم وأدق، خلال القرن الثالث الهجري، حيث قصرت كتب الحديث على رواية الحديث النبوي وحده، وبرز خلال هذه المرحلة منهجان في التدوين:

 

أولهما: منهج المسانيد، وهو جمع أحاديث كل راوٍ في مكان واحد مهما كان موضوع الحديث ومعناه. والمسند هو معجم صغير أو كبير يسرد مرويات الصحابي الواحد من أولها إلى آخرها.

 

ومن أشهرها مسند الإمام أحمد، ومسند عثمان بن شيبة ومسند إسحاق ابن راهوية.

 

وهؤلاء جمعوا في مسانيدهم الصحيح والحسن والضعيف.

 

وأما المنهج الثاني فعُني بتدوين الحديث على حسب موضوع الحديث كأحاديث الصلاة، وأحاديث الزكاة، وأحاديث الجهاد، وهكذا.

 

ومن أشهرها صحيحاً البخاري ومسلم وغيرهما، وهما قصرا عملهما على جمع الحديث الصحيح دون غيره.

 

فطريقة المسانيد تقوم على وحدة الراوي، والأخرى تقوم على وحدة الموضوع، فالقول بأن السُّنَّة لم تدون إلا في القرن الثالث خطأ متعمد، وشأن السُّنَّة شأن غيرها من العلوم الإسلامية والعربية من حيث النشأة، والتدوين، وهي بالقياس إلى غيرها نرى تدوينها بدأ مبكراً، وإن كان على نطاق ضيق في أول الأمر، ثم اتسع بمررو الأيام.

 

والقرآن نفسه، وهو أصل أصول الإسلام، لم يدون في صحف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تم جمعه وتدوينه في مصاحف في خلافة أبي بكر، بإشارة من عمر رضي الله عنه، وكان أبو بكر أولاً يمانع في جمعه ويقول لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فما زال عمر بأبي بكر حتى أقنعه بجمع القرآ، خشية ضياع شيء منه بسبب استشهاد الحفاظ في الحروب.

 

ولما أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، وكان من كتبة الوحي في حياة النبي، قال زيد أبي بكر ما قاله أبو بكر لعمر من قبل:

 

"كيف تفعلون شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما زال أبو بكر بزيد حتى أقنعه بجمع القرآن. ثم قال زيد: "والله لو كلفني – يعني أبا بكر – نقل جبل أحد، أو نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن؟ [ينظر صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن].

 

فإذا كان هذا هو موقفهم من القرآن، وهو أصل الملة، فكيف يتخذ منكرو السُّنَّة من بطء تدوين السُّنَّة قدحاً في منزلة السُّنَّة نفسها؟ فهلا اتخذوا من عدم تدوين القرآن في صحف في حياة النبي، ومعارضة أبي بكر وزيد لجمعه وتدوينه وسيلة للحط من منزلة القرآن، وأنه ليس من الدين؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، لقد كانت الدولة الإسلامية في صدر الإسلام الأول في مرحلة النشأة والنمو، فكان لابد من أن تمر بتجارب تعمل فيها عقلها وفكرها، فمن مؤيد، ومن معارض، ولكن بعد تمحيص القول وظهور الصواب من الخطأ، فإن قادة الدولة ورجالها كانوا يُعرضون عن الخطأ ويولون وجوههم نحو الصواب بلا ارتذاد أو انتكاس.

 

وحركة التدوين – عموماً – بدأت لمحات خاطفة في كل المعارف والعلوم، ثم استوت على سوقها بمرور الأيام والليالي، حتى صارت صروحاً شامخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.

 

هذه خلاصة ردنا على هذه الشبهة، والقاريء يدرك أننا لم نحد عن الصواب في الرد عليهم، فوجه الحق في هذه المسألة ظاهر ظهور الشمس. ثابت ثبات الجبال الرواسي، أما منكرو السُّنَّة فإن مطيتهم العناد والمكابرة، وكل أمريء بما كسب رهين.

وهلا سألوا أنفسهم: لماذا تأخر تدوين كتب التفسير، والفقه وأصوله، وعلوم اللغة، والسيرة والتاريخ.. إلخ؟! إنهم – بذلك – يتنكبون سواء الصراط ويتجاهلون أو يجهلون سنن الحياة، وتطور المعارف والعلوم، الذي لم يخل منه عصر من العصور، حتى يوم الناس هذا.

*     * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم