الشبهة الثامنة عشرة : أُمِّية أبي هريرة وتأخر إسلامه

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

من كره شيئاً كره كل ماله صلة به، ويكون أكثرهم صلة بذلك الشيء المكروه أكثرهم كرهاً عند الكاره لذلك الشيء، هذا طبع مغروز في النفس البشرية، وما بالطبع لا يتخلف.

وأبو هريرة رضي الله عنه أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية للحديث النبوي سماعاً مباشراً من فم النبي الصادق المصدوق (روى أكثر من خمسة آلاف حديث) ومنكرو السُّنَّة يكرهون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – لذلك كان الصحابي الجليل أبو هريرة أكثر الرواة كراهية عندهم، لأنه نقل من السلاح الذي يرهبونه خمسة آلاف قذيفة، وتزيد. فأخذوا يصوبون سهمامهم نحو هذا الرجل العظيم كي يصيبوه في مقتل، ويبطلوا بإصابته مفعول القذائف التي يحملها.

وكان قصاري ما وجهوه إليه من عيوب:

  • أنه كان أُمَّياً لا يقرأ ولا يكتب.
  • إن إسلامه تأخر إلى ما بعد خيبر في العام السابع الهجري.
  • أنه كان عرضة لطعن الصحابة فيه، وردهم لروايته.
  • أنه "وضاع" للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أنه كان مريضاً بالصرع، خفيف العقل؟!.

والهدف من هذه الانتقاصات – عندهم – إسقاط أكثر الرواة سماعاً عن النبي – عليه السلام – ليسرى هذا "الإسقاط" من الراوي إلى "المروي" وهو المطلوب.


تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

كان أول سهام النقد والطعن في أبي هريرة هم المستشرقون وبخاصة جولد زيهر اليهودي الأصل. ثم نحا نحوه الأستاذ أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" في المبحث الذي كتبه عن الحديث النبوي ثم أبو رية في كتابه "أضواء على السُّنَّة المحمدية، ثم حملة الأقلام المأجورة التي تكتب في الصحف (الجديدة) والمجلات في هذه الأيام في ظل النظام العالمي الجديد (العولمة) الذي ترعاه أمريكا وحلفاؤها ونسير في تفنيد هذه الشبهة ونقضها على الركائز الآتية:

ما ذكروه من أمية أبي هريرة، ليس نقصاً في الرجل، فقد كانت الأمية هي طابع العرب قبل الإسلام، واستمر وجودها بعد الإسلام إلى فترة ما وهذه الأمية كانت من تدبير الله الحكيم لأمرين:

الأول: اعتماد العرب على الذاكرة، فبلغوا في الحفظ الذهني لبعض المعارف كالأنساب، والشعر، وأيام العرب مبلغاً لم تبلغه أمه سواهم، لأن الحفظ الذهني كان وسيلتهم الغالبة على ضبط واستحضار ما يحتاجون إليه في حياتهم، والملكات النفسية تنمو بالممارسة.

ولو كان العرب يقرأون ويكتبون لضعفت عندهم هذه الملكة، والشواهد على ذلك كثيرة.

فمن يتعود القراءة بالنظارة يعجز عن قراءة كلمة واحدة بدونها، والذي يتعاطى مهدئاً لينام ويصبح له هذا التعاطي عادة، لا يذوق النوم بدونه مهما طال السهر.

والذي لا ينتقل أبداً إلا بركوب السيارة يعجز عن السير على قدميه أو يعاني من المشي مهما كان جسمه قوياً.

إن العرب كانت موهبتهم (المعروفة) هي قوة الذاكرة والحفظ، فكانوا خزائن معرفة تتحرك على الأرض.

الثاني: وفي تلك الأمية خدمة لقضية الإعجاز القرآني، وقطع لألسنة الحقد، إذ لو كان العرب يقرأون ويكتبون لكان لقول خصوم الدعوة في تحديد مصدر بشري للقرآن "إنما يعلمه بشر" شبهة تقوي هذا الزعم؛ لأن نبوغ فرد من أمة ذات حضارة علمية ظاهرة لا ينازع فيه، فقد أراد الله عز وجل أن يهييء الأسباب لتلك الأمة الأمية فيعلم هو واحداً منهم ليعلمهم مما علمه الله.

{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (سورة البقرة: 129).

لقد أراد الله لهذه الأمة التي أخرجها من العدم خير أمة للناس أراد أن يكون هو معلمها ومعلم رسولها، فلم تكن أمة ذات حضارة موروثة عن الآباء والأجداد، بل أمة وليدة، ولدت معها حضارتها السامية بوحي من السماء، لا من مناجم الأرض وكنوزها.

أمة هي معجزة لله وحده في تعليمها وتزكيتها، إنها من صنع الله لا من صنع أحد سواه:

{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } (سورة الجمعة: 2).

وأمية أبي هريرة أعلم من حملة الدرجات العلمية الحديثة وإن بلغوا الذرة في معارف العصر، التي إن رفعت الجهل عن حامها من جانب، لن ترفع "الجهالة" عنه من عدة جوانب.

وما الذي يعيب أبا هريرة وقد وهبه الله ذاكرة واعية حافظة استوعبت خمس آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً وقد رزقه الله روحاً فقهية مع هذا الكم الهائل من مصابيح الهدي النبوي.

  • · أما تأخر إسلامه فلا عيب فيه، العيب كان ألا يُسلم، وقد أسلم وحسن إسلامه، فكان من شيوخ العلم وشيوخ العبادة في آن واحد، كريم القلب واليد مع قلة ما كان يملك. والله عز وجل يقبل التوبة المخلصة من عباده في أي حين تصعد تلك التوبة إلى الله.

وبإسلام أبي هريرة بدل الله كل سيئاته حال كفره حسنات وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، وهو القائل في محكم كتابه:

{ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } (سورة الفرقان: 70).

وهم يستكثرون أن يروي أبو هريرة عن الرسول هذا القدر من الحديث في أربع سنوات فقط صاحبه فيها، ويريدون من هذا أن يقولوا: إنه نسب إلى النبي ما لم يقله أو يسمعه منه، ومنكرو السُّنَّة، حين يتهمون أبا هريرة هذا الاتهام يفصلون أنفسهم عن الواقع المعروف في حياة أبي هريرة، فكان الرجل مصاحباً لرسول الله خارج بيوته، حريصاً على السماع منه بل كان ملازماً له، لأنه كان فقيراً لا يملك قوت يومه، وكان في ملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم مخرج له من الحرمان والجوع.

على أن هذه الكثرة المروية عن أبي هريرة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا قوبلت بعد أيام السنين الأربع التي عاشها مسلماً في صحبة النبي كان متوسط اليوم الواحد أربعة أحاديث، وليس في هذا غرابة يلام عليها أبو هريرة، ويتهم بالكذب على رسول الله الكريم من أجلها.

  • · ولم يكن أبو هريرة عرضة لطعن الصحابة فيه، ولا رد حديثه أحدٌ منهم، كما يدعي المستشرقون وأذيالهم من منكري السُّنَّة في مصر الآن، بل إن هؤلاء الصحابة الكرام، أكثروا من الثناء على أبي هريرة، وقالوا فيه ما لم يقولوه في أحد سواه.

قال طلحة بن عبيد الله: "لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نسمع".

وقال ابن عباس: "أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث".

وقال الإمام الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره".

وقال الحاكم: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روى أبو هريرة ما لم يسمعه هو من رسول الله عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وروي عنه من الصحابة جماعة. منهم ابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهم. وجملة من روى عنه من الصحابة والتابعين ثمانمائة راوٍ

فهو – إذن – موضع إجلال وتقدير من الصحابة والتابعين معاً فهل يكون رجل هذه منزلته عند خير رجالات الرعيل الأول موضع طعن وريبة؟

ومن أين استقى المستشرقون هذه المعلومات عن أبي هريرة، ولم تكن لهم مراجع غير المراجع العربية الإسلامية، ولم تخل هذه المراجع من الطعن في أبي هريرة فحسب، بل هي عامرة بالثناء عليه، وعلى دوره في رواية الحديث النبوي أليس هذا هو الكذب الصريح؟

وإذا كان للمستشرقين عذر في حقدهم على أبي هريرة، لأنهم خصوم ألداء للإسلام. فكيف يكون العذر لمن يدعون أنهم حماة الإسلام، الغيورون عليه، الحريصون على تنقيته من الفكر الخرافي الزائف.

وإذا كانوا يرون السُّنَّة فكراً خرافياً فعليهم أن يعلنوا عما في بواطنهم صراحة ويريحونا ويريحوا أنفسهم من اللت والعجن، واللف والدوران؟!

  • · أما رد حديث أبي هريرة من إخوانه الصحابة فلم يحدث قط، وما حدث من عبدالله بن عمر، وابن عباس في مراجعة أبي هريرة ظاهرة طيبة تحمد للصحابة فهم يتذاكرون الحديث، ويذكر الحافظ الناسي، واليقظ الغافل.

وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه راجعه مرة، فذكر له أبو هريرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". فأذن له عمر بالتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما يروى من منعه أو ضربه على كثرة التحديث فهذا لا يثبت، وخصوم أبو هريرة القدامي أهل للتزيد عليه، وخصومه المعاصرون أشد إغراماً في الحط من قدره من أسلافهم الأقدمين.

ونضيف إلى ما تقدم أن لا غرابة في حفظ أبي هريرة لخمسة آلاف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول أوتى جوامع الكلم، وأحاديثه قصيرة المبنى غزيرة المعنى، فقد يكون الحديث جملة واحدة، مثل "لا تعضب" أو جملتين مثل: "اعقلها وتوكل". وبعضها متوسط الطول، وقليلها طويل، ومحفوظ أبي هريرة جمع بين المستويات الثلاثة إلى ما في الحديث من نور النبوة وبلاغة الكلام التي تجعل حفظه ميسوراً.

  • · أما اتهام أبي هريرة بالصرع وخفة العقل، فهذا رجم بالغيب، ووسوسة شيطان، ليس لها من الواقع سند، وإن وضعوا الأرض موضع السماء، فهل جولد زيهر ومنكرو السُّنَّة المعاصرون عاصروا الرجل، فرأوه يصرع ويهذي ويبهلل كما يبهللون هم الآن؟

هل حملوه في نوبات الصرع وذهبوا به إلى مصحة، وأوقعوا عليه الكشف الطبي وفحصوه، فوجدوه مصاباً بالصرع وخفة العقل؟

إن المعروف أن أبا هريرة كان كثيراً ما يتلوى من الجوع، ويصيبه دوار طاريء – كما تحدث هو عن نفسه – فإذا طعم عاد إليه وعيه وشدة توقده الذهني.

استسمن المستشرقون ورم هذه الرواية فكبروها وهولوا من شأنها، وجعلوها صرعاً قاتلاً، وخفة عقل مزرية.

ولا عجب، فقد رمى المبشرون وتلامذتهم المستشرقون من هو أعلى مقاماً، وأجل شأناً من أبي هريرة بهذه العيوب؟

رموا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، حين كان يأتيه الوحي من السماء فيقبل عليه بكل مشاعره وحواسه ليتلقى القرآن من لدن حكيم حميد.

فإذا انقضى الوحي عاد فأملى من حوله من كتبة الوحي ما أنزله عليه ربه.

فبم فسر المبشرون والمستشرقون هذه الحالة؟ فسروها بالصرع أو المرض العضوي الذي يصيب بعض الناس فيفقدهم الوعي الظاهر والباطن، أو الوعي الخارجي والداخلي. هذا ما قالوه في شأن صاحب الرسالة العظمى. [ينظر: الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي].

ونسأل منكري السنة: هل أنتك مع المستشرقين في وصف محمد صلى الله عليه وسلم بالصرع؟ إن كنتم معهم فلا كلام لنا معكم وإن كنتم لستم معهم فكذلك ينبغي أن تكونوا في تبرئة أبي هريرة. وإنه لمطلب عزيز المنال؟

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم