الشبهة الخامسة عشرة : ضياع خمسمائة خطبة نبوية؟!

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

هذه شبهة جديدة أملاها الشيطان على بعض منكري السُّنَّة المعاصرين، ثم أخذ الآخرون يرددونها ويهولون من شأنها ظانين أنهم اكتشفوا معول هدم للسُّنَّة لم يعرفه من قبلهم أحد.

 

ومن صور التهويل عنوان طالعتنا به مجلة (روز اليوسف) في منتصف عمود من مقال لواحد من منكري السُّنَّة المعاصرين، والعنوان كتب بشكل بارز لافت للنظر، وهو: "التدوين الباطل استبعد 500 خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم لأسباب سياسية؟!

 

والنظر العابر في هذا الكلام يريك أن منكري السُّنَّة وظفوا هذه الشبهة للاستدلال على أن رواية الحديث النبوي ينبغي أن لا يثق فيها أحد، فقد كان تدوينها باطلاً. بدليل أنه لم يرو لنا خطبة واحدة من خطب النبي التي ألقاها في المسلمين؟!

 

فليس المقصود عند هؤلاء الماكرين مكر السوء أن يعاد النطر في الحديث النبوي (غربلته) للتمييز بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث المدونة – الآن – في كتب الحديث المعتمدة عند الأمة، ليس هذا هو المراد، ولن يكون، بل مرادهم هو الحكم على جميع الأحاديث بالزيف والافتراء.

 

فقد زعم كاتب روز اليوسف أن التدوين باطل أصلاً، عرفوا هم هذا البطلان من خلال فرز ثان قاموا به بعد الفرز الأول لعلماء الحديث رواية ودراية.

 

 

ثم يتمادى في الوهم، ويدعي أن سبب استبعاد ألـ 500 خطبة النبوية كان لأسباب سياسية نجمت في عصر تدوين الحديث، يعني عصر رجال القرن الثالث ومنهم الإمامان البخاري ومسلم ويقول: لأن تلك الخطب المستبعدة كانت ضد نظم الحكم في الدولة العباسية. فما كان من الأمراء إلا أن أغروا رواة الحديث على استبعاد تلك الخطب الخمسمائة عن التدوين؟! (ينظر روز اليوسف 10/4/1999م).

 

طبعاً، منكرو السُّنَّة سعداء جداً بهذا الاختراع، الذي لم يسبقهم إليه أحد على مدى التاريخ الإسلامي كله.

 

وسعداء أكثر لأنهم فهموا أنهم أوقعوا نصراء السُّنَّة في حرج شديد وسدوا عليهم منافذ الدفاع، وحبسوا في خندق حاجب للرؤية عازل للصوت. خانق للأنفاس.

 

ولم يدركوا أنهم هم الذين هووا إلى الحضيض، ولفوا حول أعناقهم حبل الخزي، ووضعوا فوق رءوسهم تاج الجهل. وهم لا يشعرون أولاً يعقلون.

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

أنصار الباطل حين ينتشون باستنشاق رائحة الباطل الخبيثة تأخذهم حالة من الغيبوبة، فلا يدرون ماذا يقولون، وإذا قالوا وقعوا في (الهجر) وأضحكوا عليهم ومنهم طوب الأرض.

 

وهذه الشبهة واحدة من أفضح فضائحهم على الإطلاق، وإن ظنوا أنهم فيها عباقرة ومغاوير.

 

ولعل القاريء يتساءل: من أين لهم هذه الإحصائية (500 خطبة) هم لم يقولوا من أين لهم ذلك، لكن المتبادر إلى الذهن أنهم قدروا خطب الجمعة التي كان يلقيها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة بعد الهجرة (عشر سنوات) بواقع السُّنَّة في تقديرهم خمسون خطبة ونحن لا يدخل في حسابنا عدد الخطب وكيفية إحصائها، ولكن الذي نركز عليه بيان الجهل المركب عندهم فرداً وجماعة، لأن الجهل ملازم لهم في إنكارهم للسُّنَّة، ملازمة الظل لمصدره.

أما مواجهتنا لهم في هذه الشبهة فتقوم على المحاور الآتية:

 

الأول: ونبدأ بتمهيد يتولد عنه سؤال:

التمهيد: إن الطريق الوحيد لمعرفتنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التدوين والرواية. فما دون فيها هو المعروف عندنا ولا طريق لنا لمعرفة ما لم يُدون إن كان لم يُدون منها شيء.

 

هذه حقيقة لا ينكرها أحد، ولا منكرو السُّنَّة ينكرونها بداهة.

 

السؤال: فمن أين إذن عرف منكرو السُّنَّة أن سبب استبعاد خطب النبي الـ (500) هو أن تلك الخطب كانت تتناقض مع نظم الحكم التي كانت سائدة في عصر التدوين.

 

إنهم يدعون أن تلك الخطب لم تُدون، يعني حجبت بألفاظها ومعانيها عن رؤية النور.

 

سلمنا لكم جدلاً – بهذا الإدعاء – ولكن الذي نريده منكم أن توضحوا لنا من أين، وعلى أي أساس حكمتم على الخطب التي لم تدون بأنها كانت تناهض نظم الحكم؟

 

هل اطلعتم عليها؟ إن كنتم اطلعتم عليها الآن (القرن الخامس عشر الهجري) فهي إذن مدونة فتسقط دعواكم (الساقطة) بطبيعتها.

 

وإذا لم تكونوا قد اطلعتم عليها جاريناكم جداً أنها لم تدون وسألناكم هل أنتم تعلمون الغيب، لذلك وصفتم بألسنتكم ما لم تره أعينكم، ولم تسمعه آذانكم.

 

إنكم محاطون بالخيبة والخزي كيفما كان جوابكم على ما طرحناه عليكم من أسئلة.

 

إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، هذه قاعدة من قواعد العقل المسلمة عند كل العقلاء.

 

فإما أن تقروا بتدوين هذه الخطب فيسقط أصل دعواكم وإما أن تقروا بعدم اطلاعكم عليها فيسقط سبب دعواكم فماذا أنتم قائلون؟.

 

ألستم معنا أن هذه فضيحة، من أفضح فضائحكم، أيها البهاليل العظام؟.

 

الثاني: خطب الرسول لم تستبعد عن التدوين:

إن ما أخذناه عليكم في المحور الأول هو ثلمة في العقل، أعني أنكم أوتيتم من قبل عقولكم، فكان خزي الخلل مضروباً عليكم من كل جهة.

 

أما ما نأخذه عليكم في هذا المحور (الثاني) فسببه الجهل بموضوع النزاع وهو خطب الرسول صلى الله عليه وسلم. أنتم تقولون أنها لم تدون بسبب رفض الأمراء لها، وطاعة العلماء لهم في هذا الرفض ونحن نقول: هذه فرية فيها من الرعونة، ما يحجب ضوء الشمس ونور القمر. وأقبح الجهل ما كان أرعن.

 

مصادر جمع وتدوين خطب الرسول صلى الله عليه وسلم

ليس من حق الجاهل بأمر أن يجعل جهله هو الفاصل في حقيقة ذلك الأمر، وهذا ما وقع فيه منكرو السُّنَّة المعاصرون. فإن جهلهم بتدوين خطب الرسول حملهم على القول الشنيع الذي تقدم، وهو أن أكثر من خمسمائة خطبة نبوية لم يدونها رواة الحديث بأمر من حكام عصر التدوين، لأن تلك الخطب ضد أنظمة الحكم التي كانت سائدة في عصر التدوين.

 

وهذا ادعاء كاذب بكل تصوراته، فقد شمل التدوين الأمين خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ جمعت السُّنَّة مع مطلع القرن الثاني الهجري.

 

ولها الآن وجودان:

الأول: تدوين خطب النبي تدوينا مفرقاً ومبثوثاً في كتب الحديث والسيرة والتاريخ، وبعض كتب الإعجاز القرآني. وهذا هو المصدر الأول للوقوف على خطبه عليه الصلاة والسلام.

 

الثاني: في العصر الحديث قام اثنان من علماء تونس بجمع خطب النبي في مصنفين متداولين.

الأول: للشيخ محمد خليل الخطيب بعنوان (إتحاف الآنام بخطب رسول الإسلام).

 

والثاني: وهو رسالة علمية جامعية بعنوان (خطب الرسول صلى الله عليه وسلم) جمعها وتبويبها ودراستها للدكتور عمر القطيطي التونسي.

 

وقد حرص على جمع تلك الخطب، وتوثيقها علمياً ببيان المراجع التي ذكرتها، وحققها تحقيقاً ممتازاً، وقام بتبوبيها تبويباً فنياً منتظماً. ثم وضع عليها دراسة فقهية وبلاغية لم يسبقه إليها أحد، وتقع في أكثر من ستين ومائتي صفحة من القطع المتوسط. ولم يقتصر على جمع خطب الجمعة، بل شمل عمله الخطب التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المناسبات المختلفة. كالعيدين، والخسوف والكسوف.

 

وذكر المؤلف إمارات التمييز بين الخطب والأحاديث النبوية المجردة:

 

مثل: يا أيها الناس – وكان على المنبر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال – كان رسول الله يخطب – كان على الصفا – كان على القصواء إلخ... إلخ.

 

هذا ما جهله منكرو السُّنَّة، الذين جعلوا من جهلهم إماماً يأتمون به؟!.

 

فماذا يقولون بعد هذه الحقائق الناصعة؟, هل ما يزالون يدعون أن خطباً خمسمائة أهملها التدوين الباطل لأسباب سياسية قاتل الله اللجاج. فإنه يورث أهله المهالك.

 

الثالث: ولجهلهم بمنهج البيان النبوي دخل من جهة أخرى ورطهم في هذه الفضيحة الفاضحة:

 

لقد فهموا أن الرسول مثل خطباء العصر، يرقى المنبر فلا تقل مدة الخطبة الواحدة عن نصف الساعة، وقد تصل الساعة الكاملة ولما لم يجدوا هذا النوع في كتب الحديث وغيرها قالوا: أن خطبه عليه السلام أضاعها التدوين الباطل لأسباب سياسية.

هذه مواجهة قصيرة لما أثاره منكرو السُّنَّة في هذه الشبهة مواجهة حاسمة، قاطعة لدابر افتراءاتهم، ونحن لا يهمنا أن يظل منكرو السُّنَّة بعد ذلك على مواقفهم المعادية لله ولرسوله الكريم أو يثوبوا إلى رشدهم، فهم أحرار في ما يعتقدون. ولكن الذي يهمنا أن نكشف للعامة ولشباب الأمة جهل وعناد هؤلاء المكابرين، أعداء الإسلام، وأعداء الأمة، والله من ورائهم محيط. ولن يغلب باطلهم حقه. والله هو الغالب على أمره في الدنيا والآخرة.

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم