الشبهة الثلاثون : جامعو السُّنَّة كتبوها مكرهين؟!

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

عنوان ضخم، ووصف مفزع، فإذا فتشت وراءه لم تجد لهذا "القول" أباً ولا أماً, وهذا يؤكد أن منكري السُّنَّة يتهافتون – دائماً – وراء تصيد الشبهات إنكار شطر الإيمان.

 

وفي هذه الشبهة يزعمون أن جامعي السُّنَّة لم يكتبوها مختارين، بل كتبوها مكرهين، وأن الأمراء هم الذين أكرهوهم على كتابتها، ولولا إكراه الأمراء ما كتبوها، وما كنت تسمع عن رجل اسمه البخاري، أو مسلم أو غيرهما؟!

 

ويستندون في هذه التهمة "الضخمة" على كلام كتبه المستشرق اليهودي الأصل (جولد زيهر) عن الإمام الزهري نقله محرفاً ولو كان نقله "صواباً" ما وجد فيه منكرو السُّنَّة الآن أو شياطين الإنس مغمزا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وها نحن أولا نكشف باطلهم بحق الله، فإذا هو زاهق.

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

لم يكن تدوين المعارف والعلوم منتشراً في صدر الإسلام بل كانوا يعتمدون على الحفظ، وقوة الذاكرة. وقد كان هذا ملاحظاً في كل العلوم العربية والشرعية، وليس مقصوراً على علم الحديث وحده، لأن التدوين بدأ وئيداً في أواخر القرن الثاني الهجري. ثم فشا أمره في القرنين الثالث والرابع، وبلغ ذروته في الرابع كما هو معروف. والقرنان الثالث والرابع هما العصر الذهبي في التألف والتدوين العربي الإسلامي.

 


الواقعة قبل التحريف:

جاء في طبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر أن الإمام الزهري كان يمتنع عن كتابة الأحاديث الشريفة للناس، ويكتفي بإسماعهم الحديث لئلا يتكلوا على الكتابة ويهملون الحفظ، وفي عهد هشام بن عبد الملك أشار على الزهري أن يكتب لولده – ولد هشام – أربعمائة حديث ليحفظها، فامتنع الزهري، لكن هشاماً ألح عليه حتى وافق الزهري. ولما كتب الأحاديث الأربعمائة خرج فقال للناس، الذين كانوا يطلبون أن يكتب لهم الأحاديث فيمتنع، قال لهم بصوت عال:

 

"أيها الناس: إنا كنا منعناكم أمراً – أي كتابة الأحاديث لهم – وقد بذلناه الآن لهؤلاء. وأن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث، فتعالوا حتى أحدثكم بها، فحدثكم بالأربعمائة حديث".

 

هذه هي الواقعة بكل ملابساتها، ومما يحمد للزهري فيها أنه أبرأ ذمته، وسوى بين جميع طلاب العلم، وبين ابن الخليفة كما وضح للناس السبب في كتابه الأحاديث لابن هشام وهو إلحاح هشام عليه كما جاء ذلك واضحاً في كلامه، الذي رواه ابن عساكر وابن سعد، وشاركهما الخطيب في ذكره.

 

الواقعة بعد التحريف:

كان جولدزيهر أول من حرف عبارة الإمام الزهري تحريفاً خطيراً أفسد المعنى المراد عند الإمام الزهري.

 

فقد حرف زيهر عبارة الزهري "أكرهونا على كتابة الأحاديث" إلى قوله: "أكرهونا على كتابة أحاديث"؟!

 

والفرق بين العبارتين كبير وخطير:

فعبارة الإمام الزهري معناها أن هشاماً أكرمه على كتابة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ومعنى عبارة زيهر أن هشاماً أكره الزهري على كتابة أحاديث مفتراة لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم؟!

 

والمقصود من هذا التحريف عند زيهر ومشايعيه أن الزهري كان أول من تعمد الكذب على رسول الله ثم تتابع جامعو السُّنَّة في "فبركة الأحاديث" دون أن يكون لها من الصحة نصيب؟!

 

هذه هي الحقيقة، وأنت ترى أن هذه الشبهة لم تقم على أي أساس سوى التحريف المعتمد، ولا عجب، فإن اليهود – ومنهم جولد زيهر – لهم مهارة في التحريف والخيانة، فقد حرفوا التوراة وشوهوا صورة الحق فيها، فما الذي يمنع زيهر من تزوير النصوص الإسلامية تزويراً يحقق بعض أو كل مطامع اليهود في تشويه الإسلام، أو القضاء عليه؟! وليست مشكلتنا اليوم مع جولدزيهر، فقد هلك هو وهلك معه حقده على الإسلام.

 

وإنما مشكلتنا مع هؤلاء "الخونة" الذين اتخذوا من سُّنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم "غرض" يطلقون عليه سهامهم الطائشة بسوء نية، وسوء لسان.

 

وتراهم لم يقفوا عند المعنى الذي أراده سلفهم "زيهر" بل ضخموا هذه "الفرية" وادعوا أن السُّنَّة "كلها" كتبت في "قصور الأمراء" وعلى "أهوائهم" وهي الشبهة التي رصدناها وغرضناها من قبل فندناها ونقضناها بأسلوب علمي موضوعي لا تهافت فيه ولا تحامل والحق لا يحتاج أنصاره في الدفاع عنه إلى استخدام سلاح الباطل فدعائم انتصار الحق كامنة في الحق نفسه.

 

امتناع الزهري أولاً:

وليس في امتناع الزهري عن كتابة الحديث أولاً، ولا في إعلانه عن كراهيته للكتابة أمام هشام ثانياً، ليس في هذين ما يمكن أن يكون ترشيحاً وتقوية لا دعاءات منكري السنة الآن، ولا لجولد زيهر من قبل.

 

جولد زيهر يقول إن الإمام الزهري اعترف بصراحة عن تزوير أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة لرغبة الخليفة هشام بن عبد الملك.

وهذا كله وهم مغلوط، ولا يُفهم منه أن موقف الزهري كان لاعتماده أن السُّنَّة مزورة، لأن هذا الموقف وقف مثله الخليفة الأول أبو بكر الصديق من جمع القرآن في مصاحف كما وقفه زيد بن ثابت الأنصاري حين عهد إليه الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بجمع القرآن، وقال إنه لو كلف بنقل جبل لكان أهون عليه من جمع القرآن.

 

والأمور العظيمة يخشى الأتقياء وأهل الورع الإقدام عليها تقديراً لها، ورؤية أنفسهم أضال ما يكون أمام عظمتها مثل الفتيا، ما أكثر من كان لا يجرؤ عليها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل للفتوى والقضاء.

 

فهل يقول هؤلاء الآبقون إن معارضة أبي بكر رضي الله عنه أولاً في جمع القرآن في مصاحف كانت لريب في نفسه نحو القرآن!، وهل يقولون إن زيد بن ثابت كره أن يقوم بجمع القرآن من صدور الحفاظ، ومن الرقاع لاعتقاده أن القرآن لا يوثق بروايته وحفظه؟!

 

إنهم لن يستطيعوا – لأسباب كثيرة – أن يقولوا بهذا. ونسألهم – بناء على ما تقدم – ما الفرق بين موقفي أبي بكر وزيد بن ثابت، وبين موقف الزهري؟ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا يا حرب الشيطان؟!.

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم