الشبهة الحادية والعشرون : ظنية السُّنَّة

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

علماء الحديث رضي الله عنهم، بعد الجهود المضنية، التي بذلوه فيجمع الحديث النبوي، ووضع المناهج الدقيقة الحكيمة، الجامعة المانعة، للتمييز بين الحديث المقبول، والحديث المردود، ولم ينسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أطمأنت إليه أنفسهم، ومالت إليه عقولهم، ولم ترتب فيه قلوبهم، وبعد أن قسموا الحديث المقبول أقساماً ثلاثة، نتيجة للمناهج التي وضعوها في فحص الحديث ونقده، فكانت تلك الأقسام الثلاثة هي على الترتيب المعروف لدى جميع المحدثين، وعامة الأمة:

  • الحديث الصحيح، وهو أعلى الأقسام الثلاثة.
  • الحديث الحسن. وهو يلي الحديث الصحيح في القوة.
  • الحديث الضعيف. وهو يأتي في الدرجة الثالثة في قوة السند.

ثم قسموه تقسيماً ثنائياً باعتبار عدد رواة الحديث، وهما:

  • · الحديث المتواتر، وهو ما رواه جماعة مستفيضة عن مثلهم من بداية السند إلى نهايته مع استواء العد في كل حلقة.

  • · حديث الآحاد، وهو ما كان رواته أقل عدداً من رواة الحديث المتواتر: وإن كانوا لم يجمعوا على بداية عددهم، أقول بعد هذا كله، الذي بذلوا فيه أقصى ما يملكونه من طاقات، حملهم الورع، وحساسية التقوى، على أن يقولوا إن دلالة حديث الآحاد هي الظن لا القطع، قالوا هذا الكلام لا عن تقصير منهم – كما علمت – ولكن إبراء للذمة بينهم وبين الله عز وجل.

وليس هذا هو قول جميع المحدثين، لأن منهم من يذهب إلى أن حديث الآحاد، المستوفي شروط الرواية، سنداً ومتناً – يفيد اليقين، وليس الظن.

لكن المشهور هو القول الأول، وهو لا يعدو تفويض الأمر إلى الله، كما يقول المفتي الواثق من صحة فتواه بعد أن يفتي بها "والله أعلم" مفوضاً الأمر لله وحده.

تلقف منكرو السُّنَّة هذا القول، الذي هو احتراز مجرد احتراز مبعثه الورع عند المحدثين، تلقفه منكرو السُّنَّة ووظفوه في إنكار الاستدلال بالسُّنَّة، مهما بلغت من القوة، واستندوا في ترويج رفضهم للسُّنَّة – عملاً بهذه الشبهة إلى بعض الآيات القرآنية، التي أساءوا فهمها، أو عبثوا بدلالتها عمداً؛ لكي يوهموا الناس بما يقولون، من تلك الآيات قوله تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } (سورة الأنعام: 116).

يعنون أن الله ذم الذين يتبعون الظن، والسنة ظن، وقوله تعالى: { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } (سورة النجم: 28).

يعنون من هذه الآية أن الله ذم من يتبع الظن ثم قضى بأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً، ويرتبون على هذا أن من يتبع السُّنَّة، وهي ظن، ومذموم عند الله وهو على باطل في مسعاه، فكيف تكون السُّنَّة مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا هو حالها ومنزلتها؟!

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

عرفنا من خلال هذه الدراسة أن منكري السُّنَّة لم يذكروا – وليس لهم في الواقع – دليلاً واحداً يؤيد دعواهم في إنكار السُّنَّة، وأن كل ما ذكروه من قبل شبهات وأوهام الباعث عليها الجهل، إن فرضنا عند بعضهم حسن النية، أو الباعث عليها العناد عند سيئ النية منهم.

وهذه الشبهة مثل الشبهات التي تقدم ذكرها، لا قدم لها ولا ساق.

والرد المفحم عليها يتمثل في الخطوات الآتية:

أولاً: أن ظنية السُّنَّة إصطلاح خاص بعلماء الحديث، والذي دعاهم إلى القول به هو شدة التحري والورع كما تقدم، وإبراء الذمة أمام الله بتفويض الأمر إليه تأدباً معه عز وجل.

ولموقفهم هذا نظير في سلوك الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم. فتعال نقرأ ما حكاه الله عز وجل عن شيخ الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وهو يحاور قومه في عقيدة التوحيد ودحض عقيدة الشرك والوثنية:

{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } (سورة الأنعام: 80).

تأمل قول إبراهيم عليه السلام: { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً } كيف أسلم قياده لله، وأنه لا يخاف أصنامهم إلا أن يشاء الله شيئاً. والله لا يشاء الإشراك به للرسل الذين أرسلهم ليدعوا الناس إلى التوحيد الله والإيمان به، والرجاء والخوف منه وحده.

فكيف استثنى عليه السلام من إعلانه عدم الخوف من أصنامهم ما يوهم في النفس أنه سيخافها إذا شاء ذلك الله عز وجل؟

نقول: ليس لقول إبراهيم هذا محمل إلا تفويض الأمر كله لله وإعلان كماله المطلق جل شأنه.

وهذا نظير موقف علماء الحديث، الذين يخافون الله فبعد أن أدوا أقصى ما عليهم في تمحيص الحديث، لم يجعلوا هذا هو نهاية الأمر في الظاهر والباطن فأحكموا هم "الظاهر" وفوضوا الأمر لله في "الباطن" الذي لا يعلمه إلا هو. طلباً منهم للحق من كل وجه، واحتياطاً مما عسى أن يكون غاب عنهم من دقائق الأمور وخفاياها.

  • · ومثل هذا السلوك، الذي سلكه إبراهيم عليه السلام سلك نبي الله شعيب عليه السلام، فقد حكى عنه الله عز وجل قوله لقومه حين دعوه في الدخول في عقيدتهم الوثنية: { قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } (سورة الأعراف: 89).

محال، بل وألف محال أن يكون رسول من رسل الله الأطهار مستعداً للدخول في عقيدة الشرك، وترك عقيدة التوحيد ومع هذا نرى قول شعيب عليه السلام – هنا – يفيد هذا المعنى؟ فهل كان شعيب يقصد حقيقة ما يقول يا ترى؟ كلا، بل وألف كلا.

وإنما أراد شعيب عليه السلام إظهار كمال الله، ونفاذ مشيئته وإن تعلقت بمحظور من أقبح المحظورات، وهو الإشراك بالله الواحد القهار مع حسن التأدب مع الله، وتفويض الأمر إليه، فليست مشيئات خلقه وأقوالهم هي القاضية في بت الأمور بل مشيئة الله وقوله: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ } (سورة الإنسان: 30).

فعلماء الحديث – إذن – أحكموا عملهم الظاهري في تحري الصحة فيما ينسب إلى النبي الكريم، فهم من حيث الظاهر على يقين. أما الباطن فموكول علمه إلى الله، ولذلك قالوا في بيان هذا "قد يكون في الواقع ونفس الأمر على غير ما ظهر لنا" وقد قالوه على سبيل الاحتياط وشدة التحري.

هذا قصدهم، لا أنهم أرادوا أن يهدموا بالشمال ما ينوه باليمين، كما يروج منكرو السُّنَّة، بهاليل العصر.

ثانياً: إن الحكم على السُّنَّة بالظنية، على الوجه الذي شرحناه اصطلاح خاص بعلماء الحديث كما تقدم، وهم فصيلة من فصائل علماء الأمة الثلاث، العاملة في مجال التشريع والفقه. والفصيلتان الأخريان هما:

  • علماء أصول الفقه، العاملون في دراسة أدلة الأحكام الكلية، وهي: الكتاب – السُّنَّة – الإجماع – القياس، ثم الأدلة الأخرى المختلف فيها.
  • الفقهاء، وهم العاملون في مجال استنباط الأحكام العملية التفصيلية من أدلتها الكلية.

هاتان الفصيلتان لهما مذهب غير مذهب علماء الحديث في ظنية السُّنَّة، التي هاج منكرو السُّنَّة حولها ومأجوا؟

هاتان الفصيلتان، وهم أمس رحما بأعمال التشريع والفقه من علماء الحديث، تقسم أدلة الأحكام من حيث الثبوت والدلالة معاً أربعة أقسام:

الأول: أدلة قطعية الثبوت والدلالة معاً.

الثاني: أدلة قطعية الثبوت ظنية الدلالة.

الثالث: أدلة طنية الثبوت قطعية الدلالة.

الرابع: أدلة ظنية الثبوت والدلالة معاً.

فالقسمان الأولان شركة بين أدلة الأحكام القرآنية، وأدلة الأحكام النبوية (السنة).

والقسمان الثالث والرابع خاصان بالسنة النبوية فليست السُّنَّة كلها ظنية كما يقولون بل فيها ما هو قطعي الثبوت كالقرآن في الروايات التي توفرت فيها شروط الصحة فما الذي حمل منكري السُّنَّة على التمسك بالظنية دون القطعية الشائع القول بها في علمي الفقه وأصول، اللهم إلا العناد والمكابرة.

وبعض العلماء يقول: إن الأحاديث المروية عن رسول الله كلها قطعية بالنسبة للصحابة، الذين سمعوها منه، لأنهم ما كانوا يشكون في سماعها. فإذا روي عن الصحابة الثقات بعض التابعين فينبغي أن تكون رواياتهم موصوفة بالقطعية التي كانت وقت السماع المباشر من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا فهم وجيه وقوي كما ترى، وإن لم يشتهر بين العلماء، وأيا كان الأمر فإن ظنية الثبوت لا ينظر إليها إلا في الدلالة، لأننا نعمل بدلالات النصوص لا بالنصوص نفسها، فالنص أمارة وعلامة على مراد الشرع، فقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الاقتداء به في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي" دلالته المعمول بها، هي طلب محاكاة الرسول في صلاته.

إذن فالمعول عليه في كلام منكري السُّنَّة أن دلالة الحديث على المعنى المراد منه ظنية لا قطعية، لاحتمال أن يكون الحديث لم يقله صلى الله عليه وسلم.

إذ تمهد هذا نقول لمنكري السنة:

إن الدلالة الظنية ليست وقفاً على السُّنَّة، التي هي ظنية الثبوت عندكم، بل هي في القرآن، وهو قطعي الثبوت، لا تكاد تحصي من كثرتها في كثير من الآيات والألفاظ.

فمثلاً قوله تعالى في عدة المطلقات { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } (سورة البقرة: 228) نجد كلمة "قروء" محتملة لمعنيين:

أن تكون بمعنى الحيضات، وأن تكون بمعنى الأطهار (جمع طُهر) فالدلالة – هنا – ظنية. فهل نلغي هذه الآية من القرآن، وننكر وجودها؛ لأنها ظنية الدلالة؟!

وقوله تعالى في شأن المطلقة ثلاثاً متى تحل للزوج الأول الذي طلقها إذا طلقها الزوج الثاني أو مات عنها: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } (سورة البقرة: 230) فإن النكاح في هذه الآية يحتمل أن يراد به مجرد العقد ويحتمل أن يكون المراد به الوطء فالدلالة – كذلك – ظنية فهل ننكر قرآنية هذه الآية، لأن دلالتها ظنية وإن كانت قطعية الثبوت يقيناً؟!

وقوله تعالى في بيان نكاح المحرمت من النساء: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم } (سورة النساء: 22) فإن كلمة { نَكَحَ آبَاؤُكُم } محتملة – كذلك – لأمرين:

  • أن يكون المراد من النكاح ما يشمل العقد الشرعي والوطء لا غيرهما. أي عقد النكاح والوطء المترتب عليه.

  • وأن يكون شاملاً لهما وللزني. وقد ترتب على هذا الاحتمال خلاف مشهور بين الفقهاء حول إذا زنى الأب بامرأة، هل يجوز لابنه أن يتزوجها أم لا يجوز له زواجها لزني أبيه بها؟

فقال فريق لا يجوز، لأن النكاح في الآية بمعنى الوطء مطلقاً سواء كان عن علاقة شرعية أم لا، يعني: الوطء بوجه عام، وفريق قال يجوز للابن أن يتزوج من زنى بها أبوه، لأن المراد من نكاح الأب في الآية الوطء المشروع.

فالدلالة في الآية ظنية، فهل ننكر قرآنيتها – كذلك – لأنها ظنية الدلالة؟

ثالثاً: أن القرآن الحكيم في صريح لفظه ومعناه جعل الظن المجرد أساساً لحكم شرعي بناه عليه، وذلك في قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } (سورة البقرة: 230).

فقد أباح للزوجين اللذين بينهما طلاق أن يعودا إلى الاقتران مرة أخرى إذا ظن كل منهما استقرار الحياة الزوجية، الجديدة.

فما رأيكم يا منكري السنة؟ والقرآن نفسه جعل الظن أساساً للحكم الشرعي؟.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم