الشبهة الثالثة عشرة : السُّنَّة ليست وحياً؟!

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

في هذه الشبهة يحاول منكرو السُّنَّة الحط من شأنها، وتجريدها من خصائصها الدينية، فهي عندهم مجرد كلام للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن كلامه ليس فيه إلزامه للأمة.

ويطعنون في الحديث الشريف: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ويعتمدون في طعنهم فيه على حديث النهي عن كتابة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون لو كانت السُّنَّة من عند الله لما نهى عن كتابتها النبي بل كان المتعين الأمر بكتابتها مثل القرآن تماماً.

ويقول بعضهم: لو كانت السُّنَّة وحياً من عند الله ما أهمل النبي تدوينها وكتابتها، إلى أن يأتي البخاري ومسلم في القرن الثالث فيقوما بمهمة كان ينبغي أن يدعو إليها النبي نفسه في حياته.

كما يحرفون معنى قوله تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (سورة النجم: 3-4).

يحرفون معناه؛ لأن أنصار السُّنَّة يستدلون به على أن السُّنَّة التي صح صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله. وإليك ما قالوه في هذا الشأن:

قال بعضهم: إن ما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم، هو وحي كله، لقوله تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } والإستناد إلى هذه الآية الكريمة لا مسوغ له هنا، فالضمير "هو" لا يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يعود بوضوح – وحصراً – إلى الكتاب المنزل. [الكتاب والقرآن: 545] د/محمد شحرور.

هذه خلاصة وجيزة لما قالوه حول تفريغ السُّنَّة من محتواها الديني، باعتبارها شطر الرسالة الثاني بعد القرآن، وتراهم في سبيل الوصول إلى هذه الآية ينتحلون الأسباب الواهية ويتجرأون على إهدار قيمة النصوص، التي تقف في طريقهم على النحو الذي رأيت.

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

السُّنَّة التي استوفت شروط الصحة سنداً ومتناً لا ريب أنها كلام نطق به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من مقومات الرسالة، ومتصل بمهمة التبليغ، التي من أجلها أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم، ليقيم على الناس الحجة، وتتم عملية التكليف.

وما كان هذا شأنه فهو صادق كل الصدق، والناس ملزمون به مثل إلزامهم بالقرآن سواء بسواء، إذ لا فرق بين أمر أو نهي طريقه القرآن، وأمر ونهي طريقه السُّنَّة النبوية.

وهذا ما يفيده الحديث المشهور: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه".

فالمثلية بين القرآن، وبين ما أوتيه الرسول صلى الله عليه وسلم ليست مثليه (الكم) – أعني العدد – وإنما هي مثلية (الكيف).

ليست مثلية العدد فيكون عدد الأحاديث النبوية مثل عدد آيات القرآن، أو جُمل الأحاديث مساوية لـ (جُمل) القرآن، ولا ينبغي أن يخطر هذا المعنى على بال أحد.

وإنما هي مثلية (الكيف) ويمكن توضيحها في الآتي:

  • مثلية "الحقية" فالقرآن حق لا باطل فيه، والسنة حق لا باطل فيها.
  • مثلية الطاعة والامتثال، فتجب طاعة الرسول في ما أمر به أو نهى عنه.

وبعد هذا ليس مهماً عندنا أن يكون طريق السُّنَّة هو الوحي الحرفي، أو الوحي المعنوي، أو يكون طريقها الإلهام، أو يكون طريقها الاجتهاد كما ذهب إلى هذا بعض العلماء، وبالغ فيه منكرو السُّنَّة.

يكفينا أن السُّنَّة التي صح صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم: كلام خرج من فمه الطاهر، أو فعل كان هو فاعله، أو تقرير لفعل صدر من غيره فلم ينهه عنه وكان المراد بكل ذلك التبليغ عن الله عز وجل.

أقول يكفينا هذا، ولا نتطلب شيئاً آخر بعده، لأن به تقوم الحجة، ويتضح المراد.

تحريف معنى الآية:

رأينا كيف حرف منكرو السُّنَّة معنى آية "النجم" وجزموا بأن { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } وصف للقرآن وحده، ولا تدخل السُّنَّة في هذا الوحي بحال، ويقدح في هذا الجزم سياق الآيات: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (سورة النجم: 1-4).

منكرو السُّنَّة فرقوا بين الضمير المستتر في "يَنْطِقُ" وهو فاعل النطق فجعلوه للنبي أو أبقوه على دلالته الظاهرة – وهذا حق لا نزاع فيه – وبين الضمير الظاهر المنفصل في { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } فجعلوا الضمير (هُوَ) عائداً على القرآن وحده.

وهذا تعسف محض؛ لأن القرآن لم يرد له ذكر هنا حتى يعود عليه الضمير؛ ولأن لهذا الضمير مرجعاً في الآية قبله، وهو "النطق" المفهوم من الفعل المضارع "يَنْطِقُ" أي: وما نطقه صلى الله عليه وسلم إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. سواء في ذلك القرآن والسنة. ولأن المقام مقام ثناء وتزكية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. من طهارة قلب، وصدق لسان.

وقد أكد الحق عز وجل هذا الثناء بالتوكيد القسمي { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى }.

ثم نزه الله رسوله بعد ذلك فنفى عنه الضلال والغواية { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى }.

ثم نفى تأثير أهواء النفس في قوله وحديثه (نطقه) { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى }. ثم حصر نطقه في كونه وحياً.

فمن أين فهم هؤلاء المرجفون أن الضمير في { إِنْ هُوَ } عائد على القرآن وحده؟

إن محمداً – صلى الله عليه وسلم – كان ينطق بالسنة كما ينطق بالقرآن، فكان حرياً بهم – لو كانوا منصفين – أن يقولوا إن الضمير في { إِنْ هُوَ } شامل لما نطق به النبي كله، سواء كان نطقه قرآناً، أو سنة مراداً بها التبليغ عن الله عز وجل، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم ينطق بالقرآن وبالسنة وقد سميت هذه السُّنَّة وحياً كما تقدم، فرق كثير من العلماء بين وحي القرآن ووحي السنة:

  • فوحي القرآن ما كان باللفظ والمعنى، ولا تجوز بحال روايته بالمعنى فحسب.

  • · ووحي السُّنَّة ما كان بالمعنى، واللفظ من عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز روايتها عنه – عليه الصلاة والسلام – بالمعنى عند الضرورة. نطقاً لا كتابة.

  • · أو أن القرآن وحي جَلِي، والسنة وحي خَفِي وكون السُّنَّة من عند الله، بأي كيفية أعلم الله بها رسوله، هذا المعنى يؤيده القرآن الحكيم مرة أخرى في قوله تعالى: { وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } (سورة النساء: 113).

فهل – بعد هذا – يكون لشبهة منكري السُّنَّة هذه رواج أو قبول، عند ذوي العقول.

ولا يقدح في كون السُّنَّة وحي معنى لا وحي ألفاظ، أن بعض الأحاديث تختلف رواياتها بوضع لفظ مكان آخر أو بالزيادة والنقص، أو بالتقديم والتأخير.

لأن هذه "الاختلافات" إن كانت بسبب اختلاف السماع عن رسول الله، فإن كل راو يروي ما سمع كما سمع من رسول اله عليه الصلاة والسلام، فمرة نطق بهذا، ومرة نطق بذاك حتى وإن ترتب على ذلك اختلاف المعنى.

وما أشبه هذا في السُّنَّة الصحيحة باختلاف القراءات في القرآن، والقراءات الصحيحة كلها قرآن. ولا تقدح هذه القراءات في مصدرية القرآن، وهو الوحي المتعبد بتلاوته.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم