الشبهة الخامسة والعشرون : عدم الاعتداد بالسُّنَّة في الدرس اللغوي

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

هذه الشبهة نظن أن منكري السُّنَّة ذكروها من باب "كبر الكوم ولا شماتة العدا" كما يقول المثل الشعبي المعروف؛ لأنها شبهة خفيفة الوزن، فهم يدعون أن علماء اللغة والنحو والصرف لم يعولوا في الاستشهاد على ثبوت اللغة، وأحكام بنية الكلمة "الصرف" وأحكام ضبط المفردات في الجملة (النحو) لم يعولوا في هذه الجهات على السُّنَّة، وتركوا الاستشهاد بها إلا النادر منهم، هكذا يقول منكرو السُّنَّة ويرددون بلا ملل ولا خجل أن علماء اللغة إنما تركوا أن يذكروا شواهد من الحديث النبوي؛ لأنه روى بالمعنى في عصور شيوع اللحن والخطأ في اللسان العربي، وضعف الملكات اللغوية، وموت السليقة. ولو كانوا قد استشهدوا بها على شيء من ذلك لنسبوا للسان العربي الفصيح ما ليس منه لذلك أهملوها إلا قليلاً منهم لم ير مانعاً من الاحتجاج بها.

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

منكرو السُّنَّة جمعوا في هذه الشبهة بين غرضين كلاهما فيه إنكار للسُّنَّة ومحو أي أثر لها في الوجود.

الأول: إنكار صلاحية السُّنَّة في الهداية والتشريع وهذا هو الهدف الرئيسي لهم في كل ما قالوه وكتبوه.

الثاني: إنكار صلاحية السُّنَّة في مجال اللغة والنحو والصرف فهي لا خير فيها أبداً، لا في شئون الدين، ولا في شئون اللغة والنحو والصرف. إذن هي مجرد عبء حملته الأمة فوق ظهرها على مدى أربعة عشر قرناً أو تزيد، دون جدوى ترجى منها؟؟

ومما يؤكد سوء نياتهم أنهم اهتموا بعرض وجهة نظر من يرى عدم الاحتجاج بالحديث النبوي في قضايا اللغة، وهولوا من شأنهم، ولم يقيموا وزناً للكثرة الكاثرة من اللغويين والنجاة الذين لم يروا حرجاً في الاستشهاد بالحديث النبوي على ثبوت اللغة، واللهجات العربية، وقضايا النحو والصرف ولو كانوا طلاب حق لعرضوا وجهتي النظر بحيدة وإنصاف ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، كما جاء في المثل.

والصحيح في هذه القضية هو عكس ما ادعوه، وهولوا من شأنه؛ لأن أئمة اللغة، والنحو والصرف المشهود لهم بالكفاءة العالية في الدرس اللغوي والنحو والصرف، لم يعزلوا السُّنَّة عن هذه المجالات الواسعة الجادة.

من هؤلاء – على سبيل التمثيل – ابن مالك صاحب الآلفية المشهورة، والتي تُعد "الدستور الدائم" للدراسات النحوية والصرفية وعليها، وعلى كتاب سيبويه قام صرح النحو والصرف، وكثرت الشروح الموضوعة عليهما، ما تزال الحركة العلمية حولهما نشطة ومنهم ابن جنى، وابن هشام، والبدر الدماميني، وابن الحاجب وابن منظور صاحب لسان العرب، والفيروز أبادي صاحب القاموس المحيط، وغيرهم وغيرهم، لا يحصون عدداً.

كما أن الحديث النبوي نفسه قامت حوله دراسات لغوية ذات شأن؛ ومعروفة لأهل العلم المعاصرين.

منها إعراب الحديث للعكبري، وغريب الحديث، وقد وضع فيه بعض العلماء الأعلام أسفاراً متعددة:

منها الفائق في غريب الحديث للإمام جار الله الزمخشري في أربعة أجزاء ثم غريب الحديث للهروي في خمسة أجزاء، وغريب الحديث للخطابي في أربعة أجزاء. كل هذا أغمض عنه منكرو السُّنَّة أعينهم ليحققوا أغراضهم وسط هالات كثيفة من الظلام.

إن من يرجع إلى كتب ابن هشام كالقطر والشذور وشرح ابن عقيل أو والخصائص لابن جنى، أو لسان العرب لابن منظور يجد كماً هائلاً من الحديث النبوي سيق للاستشهاد به على مختلف الأغراض، مما يؤكد أن علماء اللغة – بوجه عام – يثقون في مفردات وتراكيب الأساليب اللغوية بما لا حصر له من كلامه صلى الله عليه وسلم.

نماذج من مصنفاتهم:

في الأمالي النحوية لابن الحاجب (جـ4 ص 185) وردت الأحاديث الآتية، في فهرس خالص بها مما استشهد به في الجزء المشار إليه على المسائل اللسانية الخالصة.

"لا ترموا جمرة العقبة – الحسن والحسين سيداً شباب أهل الجنة – استحللتم فروجهن بكلمة الله – كان رسول الله أجود الناس – كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحك – وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام – لا يموت لواحد ثلاثة من الولد فتمسه النار – نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه".

ومما استشهد به في مقدمة الجزء الثالث قوله صلى الله عليه وسلم "أو مخرجي هم" (جـ3 ص 25) وحلله صرفياً ونحوياً، وغيره كثير وما تركناه إلا توخياً للإيجاز.

وفي الدر المصون للسمين الحلبي، وهو كتاب تفسير لغوي نحوي صرفي يقع في عشرة أجزاء غير جزء الفهارس. في هذا السفر العظيم ساق المؤلف واحداً وستين ومائتي حديث، وبعضها كرره مرات. ساقها شواهد على مسائل نحوية وصرفية ولغوية. وبهذا تسقط هذه الشبهة العمياء كما سقطت نظائرها من قبل.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم