الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟
فَقَالَ: "لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".
الهبة من الله تبارك وتعالى تفضل وامتنان، ومن العبد تبرع وإحسان، ولولا توفيق الرب ما تبرع الإنسان، وهو الشحيح بطبعه، فتكون الهبة من الله على الحقيقة، ومن الإنسان على المجاز.
 
ومن راقب الله عرف ذلك، فلا يعد نفسه واهباً، بل يعتبر نفسه مناولاً.
ومن حاسب نفسه منعها من الشح واستله من طبعها، ولن يفلح إلا بذلك.
{ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة التغابن: 16).
 
والكرم في الإنسان أريحية، قد تكون هبة وقد تكون اكتساباً.
والكريم بطبعه عزيز.
والكريم بالاكتساب كثير والحمد لله.
 
وأكرم الناس الأنبياء، وأكرم الأنبياء محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.
 
وأكرم هذه الأمة أصحاب النبي، وأكرم أصحاب النبي، أبو بكر ثم عثمان ثم علي ثم عمر.. رضي الله عنهم جميعاً.
 
وعند النظر في سيرهم لا يتبين لنا على وجه التحديد من الأكرم فيهم، فلا يسعنا إلا أن نقول: هم على الجملة في الكرم سواء.
 
تشابهت أخلاقهم وتسامت مكارمهم وعلت أقدارهم – فكانوا نجوم الهدى لا تدرك العين أي نجم أكبر، فرضى الله عنهم وأرضاهم.
هذه مقدمة جادت بها القريحة على عجل، تهدينا إلى معرفة ما تحلى به التشريع الإسلامي من سماحة تدعو إلى الإعجاب.
 
فها هو عمر بن الخطاب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يحمل رجلاً على فرس ليجاهد عليه في سبيل الله، وقد وهبه له، فأضاعه الرجل، فظن أنه يبيعه برخص الثمن لأمارات بدت عليه، فاستشار النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في استرداده بالثمن أو بغير ثمن، فيشير عليه النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ألا يفعل هذا ولا ذاك، وأعلمه أن مثل الراجع في هبته أو صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يرجع في قيئه، مبالغة في تنفيره عن العود في ما أخرجه من ماله هبة أو صدقة.
وقول عمر: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" كلام موجز بليغ حذف منه ما يعلم بداهة.
 
ومعناه: تصدقت أو وهبت فرساً عتيقاً، أي: جواداً سريعاً مشهوراً بالكر والفر – لرجل يقاتل عليه في سبيل الله.
 
وهذا جهاد بالمال يضاف إلى الجهاد بالنفس؛ تجارة رابحة مع الله تبارك وتعالى.
 
وقوله: "حَمَلْتُ" أولى من قوله: وهبت أو تصدقت؛ فإن تعبيره بالحمل لا تظهر فيه المنة، فالمنة لله وحده، بخلاف ما لو قال: وهبت أو تصدقت؛ لأن الشأن في الهبة والصدقة ألا يتبعها من ولا أذى على أي وجه من الوجوه.
 
وقوله: "فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ" معناه: قصر في القيام بعلفه ومؤنته.
فالإضاعة هنا كناية عن إضعافه والتهاون في شأنه.
 
ولا ندري هل كان ذلك عن عمد أو عن فقر، وليس هذا هو المهم، المهم هو أن يبقى الفرس محتفظاً بقوته وسرعته، فلابد أن يعني به صاحبه أو ينزل عنه لمن يعني به.
 
ففكر عمر في أمر هذا الفرس، وظن ظناً قوياً أن الرجل قد يبيع الفرس لشدو فقره أو لعدم معرفته بتدبير علفه واختيار الأنسب له من الأطعمة.
 
وهذا الظن في محله؛ لأن القرائن تشهد بذلك، ولكن ماذا يفعل، إنه لابد أن يرد الأمر إلى من أجرى الله الحق على قلبه ولسانه.
 
فقال له النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "لَا تَبْتَعْهُ" أي: لا تطلب شراءه منه؛ فذلك يشبه الرجوع في الهبة أو الصدقة، وربما يبيعه له بأرخص الأثمان، حياء منه، وربما يتنازل عنه من غير ثمن؛ تعففاً. وأصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هم خيرة المتعففين.
 
ونهاه أن يعوج في صدقته، لا بالشراء ولا بأي حيلة من الحيل، فقد سد عليه أبواب الرجوع كلها، ونفره منه بالمثل الذي ضربه، وهو مثل مقزز منتزع من أبشع حالات الكلب.
 
والمثل من أهم وسائل التوضيح والبيان.
 
وما سمى المثل مثلاً إلا لأنه يحفر له في الذهن مكاناً، فيظل ماثلاً فيه، يستذكره صاحبه عند الحاجة إليه، وتستدعيه المعاني كلما غمض الأمر أو حدث فيه إشكال أو إجمال.
وبقى لنا أن نعرف حكم الرجوع في الهبة عند الفقهاء بإيجاز:
 
قلت في كتابي الفقه الواضح من الكتاب والسنة: ذهب جمهور العلماء إلى حرمة الرجوع في الهبة إذا كانت بلا عوض، إلا ما كان من الوالد لولده، فإنه يجوز له أن يستردها منه ما لم يكن قد تصرف فيها، أو زادت عنده زيادة كبيرة، أو استدان بسببها أو تزوج؛ فإن الناس لم يزوجوه أو لم يسلفوه إلا لما حصل عنده من الهبة السخية، ولا شك أن في استردادها منه حينئذ ضرر عليه وعلى من أسلفه أو زوجه، وضرر على من تزوجته.
والأصل في الهبة أن لا يرجع فيها الواهب على من وهبها له، ولكن لما كان للوالد في مال ولده شبهة حق جوز له المالكية ومن وافقهم رجوعه فيها بالشروط المتقدمة.
 
والأم مثل الأب في ذلك عند أكثر العلماء. ولا فرق بين أن يكون الولد صغيراً أو كبيراً.
 
روى مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن عمر وابن عباس النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فِي قَيْئِهِ".
 
أما إذا كان الواهب قد وهب أخاه هبة ليثيبه عليها، أي ليعطيه بدلها، فلم يعطه شيئاً يرضاه، فإنه يجوز له حينئذ أن يرجع في هبته عند أكثر أهل العلم؛ لما يعطه شيئاً يرضاه، فإنه يجوز له حينئذ أن يرجع في هبته عند أكثر أهل العلم؛ لما أخرجه مالك عن عمر أنه قال: "من وهب هبة يرجو ثوابها فهي رد على صاحبها ما لم يثب عليها".
 
وأخرج ابن حزم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:   "الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا".
 
فإذا أعطى رجل شيئاً على سبيل الهبة وهو متوجه إلى البيت الحرام مثلاً في نظير شيء يقوم مقام هبته يأتيه به من الأرض المقدسة، ولم يفعل – جاز له أن يسترد منه هبته، وإن لم يشترط عليه ذلك، إذا كان هناك عرف يدل عليه، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والعرف يقوم مقام الشرط عند أكثر أهل العلم، ويسمى هذا النوع من الهبات هبة الثواب، أو هبة العوض، والأولى أن تسمى هدية.
 
أما الصدقة فلا خوف بين العلماء في حرمة استردادها تحت أي ظرف من الظروف؛ فقد خرجت عن ملك المتصدق لوجه الله تعالى.
والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم