حُكم وَصِيَّة المُسْلِم فِيمَا لَهُ وَعَلَّيهِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".
الموت يأتي بغتة لا يدري الإنسان متى ينزل به، فإذا لم يوصي في ماله بما يحفظه على ورثته فقد ضيع حقهم وفرط في واجبه نحوهم، وأساء إلى نفسه بتحمل هذا الوزر، وهو راع في بيته، وكل راع مسئول عن رعيته.
 
فلابد أن يوصي أهله في المال الذي يريد أن يوصي فيه من أجل حفظه على نفسه وعلى أولاده وسائر ورثته فيقول: لي عند فلان كذا وكذا، وفي المكان الفلاني كذا وكذا، وعليَّ لفلان كذا وكذا؛ حتى يتمكن ورثته من إحصاء ما عليهم من التركة والقيام بواجبهم فيها على النحو المشروع.
 
وهذه الوصية واجبة على الصحيح من أقوال الفقهاء، إذا كان المال كثيراً، وأوجبها بعض الفقهاء بالقليل والكثير أخذاً بظاهر هذا الحديث.
 
والإيصاء نوعان: إيصاء بما له وما عليه، وإخبار بالمكان الذي فيه المال كما أشرنا. وإيصاء لمن يريد أن يوصي له بشيء من غير الورثة، فيقول: أعطوا فلاناً كذا وفلاناً كذا – في حدود الثلث – فإذا كان يريد ذلك فليعجل به قبل أن يموت أو يعجز عن الإيصاء. وخير البر عاجله.
 
هذه مقدمة ضرورية لفهم هذا الحديث، وتمهيد لذكر ما اشتمل عليه من فوائد.
قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ" يفيد القليل والكثير؛ لأن الشيء لفظ يطلق ويراد به الموجود عنده من مال ومتاع، ولكن ورد في حديث آخر عن مالك رحمه الله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَال".
 
والمال يطلق على الكثير غالباً، والكثير أمر نسبي، فما يراه الأغنياء قليلاً قد يراه الفقراء كثيراً.
 
والوصية في الغالب إنما تكون من سعة، فيحمل الشيء في الحديث الذي معنا على المال الذي يراه صاحبه كثيراً، فيجعل لنفسه منه نصيباً في الآخرة، ولا يتركه كله للورثة يتمتعون به ويٌسأل هو عنه: من أين جمعه، وكيف جمعه ولماذا لم ينفق منه هنا وهناك؟ ومن نوقش الحساب هلك.
 
وقوله: "يُوصِي فِيهِ" معناه يستحق أن يوصي فيه لكثرته، ويحتمل أن يكون المراد: وأراد أن يوصي فيه. كما صرحت بذلك رواية مسلم في صحيحه، قال – عليه الصلاة والسلام - : "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ" إلخ.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ" ليس على وجه التحديد بل على وجه التقريب، وذلك لما رواه مسلم في صحيحه قال: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاث لَيالٍ" إلخ.
 
فالعدد لا مفهوم له لكنه يرشد إلى وجوب المسارعة في كتابة الوصية، خوفاً من أن يحول بينه وبينها حائل، والدهر ذو غير، فقد تعتريه ساعة بخل فيقرر عدم الإيصاء، وربما يغضبه من يريد أن يوصي له فيعدل عن الوصية ويقسم على ذلك. والشيطان للإنسان عدو مضل مبين.
 
وقد يسافر سفراً طويلاً فينسى من كان يريد أن يوصي له، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب. وقد يفتقر فلا يكون معه ما يوصي له به, وربما لو أوصى لم يفتقر، لأن الله هو الأكرم وهو مع الكريم بعفوه ورحمته وفضله.
 
فكان من الخير له أن يعجل بالوصية ويكتبها في كتاب يكون معروفاً لدى من يعنيهم الأمر. فما كتب لا يسوغ إنكاره.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" أمر أحيط بأسلوب بليغ، وهو ما يسمى عند البلاغين بأسلوب القصر، أي لا يكن أحدكم له مال من شأنه أن يوصي فيه لكثرته، أو أراد أن يوصي فيه بغض النظر عن كثرته وقلته – إلا أوصى فيه، وكتب وصيته عنده في أقرب وقت ممكن.
 
فهو بمنزلة قوله: ليكتب كل واحد منكم وصيته ويجعلها قريبة منه ويخبرها من يعنيهم الامر، ولا يهمل في ذلك فيكون آثماً مقصراً في حق نفسه وحق من يريد أن يوصي له، وفي حق الورثة إذا كان له مال هنا وهناك.
 
فقولي لك – مثلاً - : ما جئت إلى بلدي يوماً إلا وزرتني، أي إلا وجبت عليك زيارتي، أو زرني كلما جئت إلى بلدي، فزيارتك لي واجبة، فهو أبلغ من قوله: زرني.
 
والواو في قوله: "إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ" واو الحال، أي إلا والحال أن وصيته مكتوبة عنده.
 
والحال صفة تؤكد المعنى وتقويه، وتجعله كأنه أمر مفروغ منه، فما أبلغ هذا الأسلوب وما أعذبه، ويحمل من المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة يستطيع كل من له خبرة في فنون المقال وأساليب البيان أن يستنبط منه ما وسعه الاستنباط، ويبقى لمن يعاصره أو يأتي بعده ما يمكنه استنباطه فوق ما وفق إليه.
 
والبلاغة النبوية لا يدانيها في عظمتها أساليب العظماء من الأدباء، فهي دون بلاغة القرآن وفوق بلاغة البلغاء متفرقين ومجتمعين.


ولو أردنا أن نتعمق في فهم أسلوب هذا الحديث، لوجدنا فيه فوق ما ذكرناه لطائف منها:
1- في قوله: "مَا حَقُّ" سلب الحق ممن قصر في الوصية أو أخرها عن وقت الإمكان، فهو أبلغ من قولك: لا ينبغي أو لا يجوز.
 
وهذا اللفظ فيه عتاب لطيف لأصحاب الأموال الذين يكنزون أموالهم بعيداً عن زوجاتهم وأولادهم لأي أمر في أنفسهم، مع أن المال في الحقيقة عما قليل سيكون لغيره.
 
وعتاب ألطف منه لمن له مال ولا يوصي فيه في حدود الثلث، فيفوت على نفسه خيراً كثيراً، يجزي عليه في الدنيا والآخرة.
 
والله – عز وجل – قد جعل للمسلم حق التصرف في ماله في حدود الثلث ولو في مرض موته، صدقه عليه، فلماذا لا يقبل صدقة الله التي تصدق بها عليه؟
 
في الحقيقة ليس له حق في ذلك، إنه تقصير كبير في حق النفس، وهي إلى ما تُقدمه أحوج.
 
أنا إذا أردت أن أعاتبك في أمر يتعلق بك أقول لك: يا فلان، ليس لك حق في إرهاق نفسك، أو في التقليل من طعامك وشرابك والإهمال في صحتك. فهذا عتاب لطيف من أولى الحب والرحمة. فتأمل ذلك ولا تغفل عنه: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" كما قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.

 
2- وقوله: "مُسْلِمٍ" بعد قوله "مَا حَقُّ امْرِئٍ" يدل على التخصيص بعد التعميم، فيكون التعميم مراداً أيضاً، لكن مع صرف الهمة إلى خطاب المسلم بالذات، لأنه هو الذي يقبل النصح ويمتثل الأمر، ويثاب على فعله ويعاقب على تركه، لكن لو نظر الكافر فيه وعمل به، نفعه ذلك في دنياه.
 
فكلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حكمة ينتفع بها الناس جميعاً، إلا أن الكافر ينتفع بها في الدنيا ولا ينتفع بها في الآخرة.
 
ولو لم يكن التعميم مراداً لقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا حَقُّ المُسْلِمٍ"؛ لأن البلاغة تقتضي حذف ما لا حاجة لذكره.
 
3- وقوله: "يُوصِي فِيهِ" أولى من قوله: يوصي به؛ فإن الوصية في الشيء تعني في جزء من أجزائه، أو في بعض دون بعض. فلو قال: يوصي به – لتوهم متوهم أن الوصية تكون بجميع ما يملكه.
وقوله: "مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" يدل على قرب الوصية منه، فيكون من السهل عليه أن يزيد فيها أو ينقص منها أو يجعلها لأكثر من واحد؛ لأنها إذا لم تكن عنده قد لا يتمكن من ذلك، ولا سيما إذا كانت عند من أوصى له.
 
وأيضاً لتكون قريبة ممن يعنيهم الأمر كما أشرنا من قبل.
 
فنحن في حاجة – والله – لدراسة الحديث النبوي على هذا النحو، لا على النحو المذكور في كثير من الكتب، التي اهتم أصحابها بالإعراب وذكر الخلاف والإكثار من قيل وقال.
 
نعم نحن في حاجة إلى فقه الحديث، والتعمق فيه وأخذ العبرة منه لحاضرنا ومستقبلنا.
 
نسأل الله أن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم