لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا".
الإنسان كائن متحرك بالإرادة، كما عرفه الكثير من رجال الفلسفة وفرسانها.
 
ومعنى هذا التعريف: أن الإرادة هي التي تميزه عن غيره من الحيوان، فإذا سلبت منه الإرادة كان إنساناً وشخصاً بلا هوية.
 
وحينئذ يتحرك كما يتحرك الحيوان كيفما اتفق، لا يدري ماذا يفعل؟ ولماذا فعل؟ ولم فعل؟ وكيف فعل؟
 
إنه ينقاد بهواه لا بعقله، وينساق وراء شهواته وملذاته بلا وعي ولا إدراك ولا رابط يمنعه عن غيه ولا ضابط يحجزه عن سفهه.
 
وعندئذ يكون أضل من الحيوان سبيلا، وأحط منه شأناً.
 
وقد عرف المناطقة الإنسان بأنه حيوان ناطق، يعني: حي مفكر؛ فالنطق معناه عندهم: الفكر السليم المرتب المهذب المبني على مقدمات مسلمة، ينشأ عنها نتائج صحيحة.
 
فكيف يفكر من لا إرادة له!
وهبه يفكر فكيف يكون تفكيره سليماً ونتاج فكره مستقيماً!
 
وما كلف الله الإنسان إلا بعد أن جعل له إرادة كاملة، فهو جل شأنه لم يكلفه إلا إذا بلغ الحلم وكان عاقلاً مختاراً غير مكره.
 
فإذا أصيب بالجنون ارتفع عنه التكليف.
 
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفْيق، وَالصَّبي حَتَّى يَحتلم".
 
وقال عليه الصلاة والسلام: "وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
 
ومن هنا نستطيع أن نجزم بأن الإرادة هي مناط التكليف، ولا إرادة إلا بعقل، فإذا فقد الإنسان عقله فقد إرادته تبعاً.
 
وإذا أكره الإنسان على فعل شيء لك يكن له إرادة وإن كان له عقل، فالإرادة إذا أعم من العقل في التكليف؛ فلا يعاقب الله عبداً على ذنب إلا إذا اقترفه بإرادته من غير قهر ولا إكراه.
 
ولما كان الإنسان قد يتخلى عن إرادته ويتبع أهواء قوم قد ضلوا سواء السبيل، أو أهواء قوم لم يضلوا كثيراً، فكانوا بين الإحسان والإساءة – نهى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنين عن مسايرة الناس في الإحسان والإساءة من غير فكر ولا روية ولا مبرر يقتضيه، فقال: "لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً".
 
وقد فسر الإمعة بقوله: "تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا".
 
وهو تفسير سهل ميسور يخلو من التكلف والاعتساف.
 
وأصحاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرفون الإمعة من هو، لكن على وجه الإجمال، فجاء هذا التعريف رفعاً للإجمال ودفعا للإشكال، كما سنبين ذلك قريباً.
ولابد لنا من نظرة في معاجم اللغة؛ لنعرف هذا الوصف على حقيقته؛ ليتضح لنا معنى هذه الوصية على النحو الذي أراده الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنقول:
جاء في لسان العرب لابن منظور: الإمعة والإمع – بكسر الهمزة وتشديد الميم -: الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يتابع كل أحد على رأيه ولا يثبت على شيء، والهاء فيه للمبالغة.
 
وفي الحديث: "اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا وَلَا تَكُن إِمَّعة"
ولا نظير له إلا رجل إمر، وهو الأحمق.
قال الأزهري: وكذلك الإمرة وهو الذي يوافق كل إنسان على ما يريده.
 
قال الشاعر:
لقيت شيخاً إمعة
سـألته عمـا معه
فقال: ذود أربعه
وقال الآخر:
فلا در درك من صاحب           فأنت الوزاوزة الإمعه
 
وروى عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنا في الجاهلية نعد الإمعة الذي يتبع الناس إلى الطعام من غير أن يُدعى، وإن الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه.
 
قال أبو عبيد: والمعنى الأول يرجع إلى هذا.
 
قال الليث: رجل إمعة يقول لكل أحد: أنا معك، ورجل إمع وإمعة للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد.
 
ومنه قول ابن مسعود أيضاً: لا يكونن أحدكم إمعة، قيل: وما الإمعة؟ قال: الذي يقول أنا مع الناس.
 
قال ابن بري: أراد ابن مسعود بالإمعة الذي يتبع كل أحد على دينه.
وقول من قال: امرأة إمعة غلط لا يقال للنساء ذلك.
وقد حُكِيَ عن أبي عبيد: قد تأمع واستأمع.
والإمعة: المتردد في غير ما صنعه، والذي لا يثبت إخاؤه، ورجال إمعون، ولا يجمع بالألف والتاء.
ومن قال: إن أحسن الناس أحسنت، وإن ظلموا ظلمت – فهو سفيه العقل، ضحل الفكر، ضعيف العزم، فاقد الحلم، سريع الغضب، لا يحتكم إلى شرع الله تعالى، ولا يحب لنفسه الخير ولا لغيره.
 
وحاشا أن يكون المؤمن كذلك، بل هو كيس فطن، يملك عواطفه ويحكمها، ويكبح جماح نفسه كلما شعر أنها أخطأت طريق الخير وانحرفت عن سواء السبيل.
 
إن المؤمن الحق من كان هواه تبعاً لدينه، وكان هدفه من دنياه أن تكون مزرعة للآخرة، وأن يكون رائدة في شأنه كله القرآن والسنة، وأن يكون مبلغ همه رضا الله عز وجل، وأن يكون تعامله معه لا مع الناس، فهو يحسن إلى الناس سواء أحسنوا إليه أم لم يحسنوا؛ بل هو يحسن لمن أساء إليه أكثر مما يحسن لمن أحسن إليه، تحدثاً بنعمة الله وتعبداً له.
 
وقد قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أحسن لمن أساء إليك تكن أعبد الناس.
 
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا" معناه: دربوا أنفسكم تدريباً يحملها على مواطنة الإحسان، أي ملازمته ملازمة المواطن لوطنه، بحيث تحبه حباً جماً، فلا تتخلى عنه أبداً في أي موطن من المواطن.
 
والمؤمن إذا عمل بهذه الوصية نزع من نفسه ما يعوقه عن فعل الخيرات والمسارعة إليها بحب وتقدير، وقطع علاقته بكل من يثبط همته عن الإحسان لمن أحسن ولمن أساء على السواء بغض النظر عن أي اعتبار من خوف أو طمع.
 
إنه يتعامل مع الله وكفى، ويخلص له إخلاص العبد الصالح لسيده، واضعاً نصب عينيه أن يكون راضياً عنه، قاصراً طمعه على عظيم فضله وواسع رحمته.
{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } (سورة يونس: 58).
ومن هذه الوصية نتعلم كيف نصحح النية مع الله تعالى في أعمالنا كلها، فنهبها له جميعاً، حتى تلك الأعمال التي تصدر عنا بغير إرادتنا، إن خلت من المعاصي.
 
إنها وصية تهدينا إلى العمل بقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ } (سورة الانعام: 162-163).
 
فإن انتهى بنا تصحيح النية إلى هذا الحد فقد بلغنا الحد المطلوب، واتصلنا بخالقنا ومولانا اتصالاً يغنينا عن سواه.
 
ونتعلم منها كيف نعامل الناس بما نحب أن يعاملونا به، فتعذر جاهلهم بجهله، ونعفوا عن المسيء لعله يتوب، ونحسن لمن أساء إلينا لعله يتعلم منا كيف ومتى يكون الإحسان، ونعطيه المثل من أنفسنا في الصبر والصفح الجميل.
 
والمؤمن قدوة للناس بأقواله وأفعاله، وأسوة لهم في الخلق الفاضل والسلوك النبيل، يسودهم بعلمه ويملكهم بحلمه.
 
ومن هذه الوصية نتعلم كيف نكبح جماح أنفسنا ونردعها عن ارتكاب الشر، وندفعها دفعاً إلى مواطن الخير ومسالك البر حتى يصير الإحسان ديدنها في جميع الأحوال.
 
والنــــفس راغبــــة إذا رغبتـــــها             وإذا تـــــــرد إلى قــليــل تـقنــــــع
والنفس كالطفل إن تهمله شب على            حــب الرضاع وإن تفطمـه ينفطــم
فاصرف هـواها وحـاذر أن توليــه             إن الهـوى مـا تـولى بصم أو يصم
وراعهــا وهـي في الأعمال سائمة             وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
 
إن النفس عدو لصاحبها، والشيطان رائدها، والهوى يصحبها حيث كانت، والدنيا تغلبها فتميل إليها وتغفل عن ذكر ربها، فلا تفعل الخير إلا لماماً، ولو فعلته لا تفعله إلا لهدف وقد تندم عليه إذا لم يتحقق الهدف منه.
 
إنها حقاً أمارة بالسوء إلا النفس التي رحمها الله تبارك وتعالى فأنقذها من غوائلها، فسلمت من البوائق والعوائق، وسلمت لصاحبها قيادها فملكها وردها عن غيها إلى فطرتها السليمة، فكانت نفساً مطمئنة بذكر الله راضية بقضاء الله مرضية بثواب الله عز وجل، هذه في النفس التي يناديها ربها عند موتها وعند بعثها ونشورها بقوله جل شأنه: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي }  (سورة الفجر: 27-30).
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.
 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم