عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا".
هذه وصية جامعة لخصال الخير كلها، يتلقاها المؤمن بقلبه، فيستوعبها عقله وفكره، فلا يجد وصية مثلها، يستريح لها ضميره، إلا إذا كانت في حيزها وتحت سلطانه، إذ ليس وراء الصدق من مطلب، فهو الإيمان في أسمى صوره وأرقى معانيه.
 
وقد سمى الله الإيمان صدقاً في كثير من الآيات، فقال جل شأنه في سورة المائدة    { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } (آية: 119). يعني: ينفع المؤمنين إيمانهم.
 
وقال – عز من قائل – في سور الأحزاب: { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ } (آية: 8).
 
وقال في السورة نفسها: { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } (الأحزاب: 24).
 
والصدق في اللغة: القوة المادية والمعنوية، يقال: سيف صدق – بفتح الصاد وكسرها – أي قوي صلب متين.
 
ويقال: رجل صدق، أي: شجاع مقدام، يقول الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم.
 
وهو يعني الثبات في مواطن الجهاد والعز والشرف.
 
ومنه قول الأنصار في عزوة بدر لرسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وإنا لصدق في الحرب" أي: نثبت ولا نفر.
ومن معاني الصدق أيضاً: الصلاح، ومنه قوله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ } (سورة يونس: 2) أي عملاً صالحاً، قدموه لأنفسهم.
 
ولو تتبعنا لغة القرآن لوجدنا له من المعاني أكثر مما ذكرنا، وكلها تنبع من الإيمان وفيه تصب؛ فما من صفة محمودة إلا وهي شعبة منه.
 
وشُعبُ الإيمان كل لا يتجزأ، وقد سميت شعباً لأن بعضها يتشعب من بعض.
 
وإذا كان الصدق هو الإيمان، والإيمان هو الصدق، فإن كل شعبة إيمانية يكون موردها ومردها منه وإليه.
 
فالأمانة صدق، والوفاء صدق، والصبر صدق، والشكر صدق، كل ذلك وما إلى ذلك من سائر الشعب والخصال الإيمانية مبناها عليه ومنتهاها إليه.
 
ومن هذا البيان تعلم مقدار هذه الوصية ومكانتها في نفوس المؤمنين، ولاسيما إذا كانوا من أهل العلم والنُهى.
 
وهذا الوصية تتضمن من الوسائل التربوية ما يغرس في النفوس الأبية جميع الفضائل الإنسانية والمكارم الخُلُقية بلا استثناء، كما سيظهر لنا جلياً من خلال شرحها وبيان معانيها ومراميها.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ" أسلوب حكيم يُسميه علماء اللغة: أسلوب إغراء، أي: أسلوب تزيين وتشويق، وتهييج للعواطف وشحذ للعزائم، واستنهاض للهمم، وإلزام بالشيء المغري به على وجه السرعة، واغتنام ما فيه من خير وإصلاح.
 
وهو أقوى من أسلوب الأمر بصيغة افعل؛ لما فيه من المعاني التي ذكرناها؛ إذ الأمر بهذه الصيغة يبرهن على انه رحيم بالمأمور، حريص عليه، راغب في تحصيله لخير ما أمره به على أتم وجه وأحسنه.
كما أن في هذا الأسلوب دعوة إلى التدبر فيما أمره بفعله، وكأنه يحمل إليه سلفاً عاجل البشرى بما يترتب على امتثاله كما ينبغي أن يكون الامتثال.
 
والمعنى: تعرفوا على الصدق في مواطنه، واستشربوا حبه في قلوبكم، وألزموه في جميع أقوالكم وأفعالكم وأحوالكم، مع ربكم – عز وجل  ومع أنفسكم ومع الناس أجمعين، ولا تفرطوا في تحريه أبداً ولو كانت السيوف على رءوسكم؛ فإن في الصدق نجاتكم، ولا تلجأوا إلى التعريض والتورية إلا عند الضرورة القصوى, واتخذوه دينكم؛ لأن فيه عصمة أمركم وصلاح دينكم ودنياكم، وهو برهان صحة إيمانكم وسلامة قلوبكم وحسن توكلكم على ربكم.
 
وقد أكد النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا الأسلوب الحكيم بقوله: "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ" فهو تعليل لهذا الأمر، وبيان لعاقبته، فالصدق يرشد معتنقه إلى أسباب البر ووسائله ومواطنه، ويحمله عليه، ويمده بالقوة، التي ترغبه فيه، وتعمق في قلبه حبه.
 
والبر: كلمة جامعة لكل ما أمر الله بفعله.
 
فإذا تحلى المسلم بالصدق مع الله ومع النفس ومع الناس، لم يكد يرتكب إثماً إلا عن جهل أو غفلة منه.
 
ولا شك أن البر يقود صاحبه إلى الجنة بقدر اتساع مجاله فيه.
 
وقد رسم النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – للصادقين الطريق إلى الترقي في منازل الصدق ومدارجه ليسلكوها حتى يصلوا إلى أرقاها وأسماها فقال: "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا"، والمعنى: ما يزال الرجل يحمل نفسه على الصدق مرة بعد أخرى حتى يتذوق حلاوته، فينفر من الكذب شيئاً فشيئاً، ويتحرى الدقة في إصابة الحق والتعرف على مواطنه، حتى يكتب عند الله صديقاً، وهو مقام رفيع دون مرتبة النبوة.

 
فالمسلمون الورعون على أربع مراتب، ذكرتها في أوائل كتابي الفقه الواضح نقلاً عن الإمام الغزالي بتصرف:
 
الأولى: مرتبة العدول: وهم الذين يجتنبون الكبائر والصغائر.
الثانية: مرتبة الصالحين: وهم الذين يتركون المتشابهات استبراء لديتهم وأعراضهم.
والثالثة: مرتبة المتقين: وهم الذين يتركون ما لا يأس فيه؛ خوفاً من أن يؤدي بهم إلى الوقوع فيما فيه بأس.
والرابعة: مرتبة المقربين: وهم الصديقون، الذين يكتفون من دنياهم بما يسد الرمق ويستر العورة.
 
وقد وصفوا بالصديقية لتوغلهم في الصدق ومبالغتهم في تحريه.
والصديقون مع النبيين في الجنة رفقاء.
 
قال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } (سورة النساء: 69).
وكما حض النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على الصدق حذرهم من ضده فقال:      "وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ".
 
وهذا التحذير توكيد للأمر بالصدق؛ لأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده – كما يقول أكثر علماء الأصول – لكنه لما كان الإيصاء بالصدق أمراً في غاية الأهمية أتبعه بهذا التحذير؛ مبالغة في الحث على تحري الصدق ما أمكن، فقال: "وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ" أي: لا تقربوه، ولا تحوموا حوله، ولا تسلكوا من المسالك ما يحملكم على ارتكابه.
 
وهذا الأسلوب يُسمى عند أهل اللغة: أسلوب تحذير، وأنا أسميه: أسلوب تنفير، وهو ضد الإغراء.
 
وذلك لأن الكذب من أبغض الخصال إلى الله تبارك وتعالى، فهو أم الكبائر وينبوع الرذائل، وأساس الشر كله.
وهو دليل على خسة الطبع وخبث النفس، وسوء الخلق وقلة المروءة أو فقدانها؛ لهذا حذرنا الإسلام منه كما حذرنا من الكفر؛ لأنه قريب منه، فما يلبث الكذاب حتى يذهب الإيمان من قلبه تماماً، وتذهب عنه ربقته ونوره وبهاؤه، ويصبح في المجتمع إنساناً بلا إنسانية، وشخصاً بلا شخصية، وفرداً معزولاً بلا هوية، يبغضه الناس، ويفقدون الثقة فيه، وينفضون من حوله ويحثون التراب عليه.

 
ولقد كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من أشد الناس بغضاً للكذب والكاذبين.
 
روى أحمد في مسنده عن عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قالت: "ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من الكذب، ما أطلع على أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه أحدث ثوبة".
 
وفي رواية عنها لابن حبان قالت: "ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من الكذب، لقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة".
 
ولقد كان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – يتلاقون على الفضائل ويتعارفون بها، فإذا أساء أحد السيرة، وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ، بدا – بعلمه هذا – كالأجرب بين الأصحاء، فلا يطيب له مقام بينهم حتى يبرأ من علته.
 
وقد كان الكذب من أبغض الرذائل عندهم لما عرفوا من أخطاره وويلاته.
 
والكذاب لا تنفر منه الناس فحسب، ولكن تنفر منه الملائكة أيضاً وتتباعد عنه بغضاً له وسخطاً عليه.
 
روى الترمذي في سننه أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ".
 
والكذب بهتان يبهت وجه صاحبه، فيجعله مصفراً مغيراً مظلماً، لانعكاس ظلمة قلبه عليه.
 
وهو إفك يأفك صاحبه، بمعنى: أنه يصرفه عن البر ويبعده عن مواطنه، حتى يكتب مع الفجار، فيكون مصيره النار وبئس القرار.
 
والكذب ريبة وحيرة، وقلق واضطراب، فالكذاب يرتاب في نفسه قبل أن يرتاب فيه غيره، ويشعر بمرارة كذبه وإن تغاضى عنها أحياناً؛ لسوء خلقه، وفساد قلبه وموت ضميره.
 
ومن مرارة الكذب: أن الكذاب يشعر أن الناس جميعاً يكذبونه أو يرتابون في أمره على الأقل؛ فيضطر إلى توكيد أقواله الباطلة وإخفاء كذبه اللعين بأغلظ الإيمان، كما هو شأن المنافقين دائماً.
 
قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (سورة المنافقون: 2). أي: وقاية لهم من اكتشاف أمرهم والإيقاع بهم.
 
وهو – مع ذلك – أمره مفضوح بشكل أو بآخر.
 
واعتبر بإخوة يوسف، وانظر كيف رسموا خيوط المكيدة ودبروا لها، وتفننوا في أخذه من أبيه وتخلصهم منه، واعتذارهم بأن الذئب قد أكله وانتهى الأمر، وجاءوا بأمارات زعموا أنها تدل على صدقهم، فكانت هي الكذب نفسه.
 
فقد جاءوا أباهم عشاء يبكون؛ ليكون مجيئهم في وقت العشاء دليلاً على فجيعتهم فيه، ولئلا يتفرس الكذب في وجوههم، وتصنعوا البكاء وأمعنوا فيه، ليكون ذلك من براهين صدقهم في زعمهم.
 
وقالوا: { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } وهو الذي كنت تخاف منه، كما صرحت بذلك يا أبانا.
مع أن قولهم: { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا } يتناقض مع قولهم حين طلبوه من أبيهم: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } (آية: 12).
 
وعلى حد قول القائل: كاد المريب أن يقول خذوني، قالوا: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } (آية: 17).
 
ثم أنهم جاءوا على قميصه بدم كذب؛ أي: هو الكذب نفسه، ونسوا أن وجود الدم على القميص لا يدل على ما ذكروه من قريب ولا من بعيد، فهو عمل صبياني لا أدري كيف استساغوه وهم عصبة من العقلاء!
 
وقد قيل: إن يعقوب – عليه السلام – قد نظر إلى القميص فقال متهكماً بهم: ما أكرم هذا الذئب وما أحلمه!! أكل ولدى وترك قميصه كما هو!!
 
وكم في قصص القرآن من عظات وعبر راجع كتابي: من لطائف البيان في سورة يوسف – عليه السلام - .
 
إن الكذوب لا حجة له عند الله ولا عند الناس، وكذبه وبال عليه وعلى الناس؛ فهو فاسق بعيد عن الإيمان قريب من الكفر – والعياذ بالله تعالى.
 
روى مالك في موطئه، أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سئل: "أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ فَقَالَ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ فَقَالَ: لَا".
 
وروى ابن أبي شيبة، أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:  كُلُّ خَصْلَةٍ  يُطْبَعُ أَوْ يَطوي عليها المسلم إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ".
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" يفيد أن الرجل إذا تخلى عن الصدق تماماً كان في أسفل سافلين، والجزاء من جنس العمل.
وقد توعد الله الكذابين بالويل والثبور يوم القيامة فوق العذاب الذي يلاقونه في الدنيا، فقال – جل شأنه - : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } (سورة الزمر: 32)
 
وقال – جل وعلا- : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } (سورة الزمر: 60)
 
وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (سورة الصف: 2-3).
 
والمقت: هو الغضب الشديد، فمن مقتته الله تعالى، فلن يفلح أبداً في الدنيا ولا في الآخرة.
 
قال النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي... قَالَا لِي: أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُكدِّب الْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
 
وفي الحديث: "ثَلَاثَة لَا يدخلون الجنة:  الشَّيْخُ الزَّانِي  وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ وَالْعَائِلُ الْمَزْهُوُّ". والمراد بالعائل: الحاكم.
 
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "رأيت كأن رجلاً جاءني فقال لي: قم، فقمت معه، فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس، بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله، ثم يجذيه فيلقمه الجانب الآخر، فيمده، فإذا مده رجع الآخر كما كان، فقلت للذي أقامني: من هذا؟ فقال: هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة".
 
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ".
 
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  وَكَان متكئاً: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّه،ِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ وَقَالَ: أَلَّا وَقَوْلُ الزُّورِ".
والزور: هو الكذب، وهو مخالفة الخبر للواقع.
 
والكذب أنواع، أشدها وأعتاها: الكذب على الله تعالى، وله صور لا تحصى أقبحها: أن ينسب العبد إلى الله ما لا يليق بذاته، ثم يليه في القبح أن يقول المرء: هذا حلال وهذا حرام بغير علم، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في كتب التوحيد والفقه.
 
قال تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } (سورة الزمر: 32).
 
ويليه في الجرم الكذب على رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأن ينسب إلى رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قولاً لم يقله أو شيئاً لم يفعله متعمداً ذلك لأي غرض في نفسه، حتى ولو كان الذي نسبه يحث على فضيلة وينهي عن رذيلة، فإن دين الله – عز وجل – في غنى عن أن يزاد فيه، فقد جاءنا رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بما يكفي ويشفي وأكمل الله على يديه الدين، وأتم به النعمة.
 
وقد أخطأ قوم من الوعاظ في العصور الماضية خطأ شنيعاً حين وضعوا كثيراً من الأحاديث في الزهد وذم الدنيا، والترغيب في الآخرة والتخويف من عذاب النار؛ بحجة أنهم يدعون الناس إلى ترك المعاصي وفعل الطاعات، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.
 
وحين قيل لهم: كيف تضعون الحديث على رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وقد حذر من ذلك تحذيراً في مثل قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". – قالوا في تبجح: نحن لا نكذب عليه وإنما نكذب له، فلبئس ما كانوا يصنعون.
 
ويدخل في نطاق هذا الافتراء سائر ما ابتدعه الجهال، وأقحموه على دين الله من محدثات لا أصل لها، عدها العوام ديناً، وما هي بدين، ولكنها لهو ولعب.
وقد نبه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  أمته إلى مصادر هذه البدع المكفرة، وحذر من الانقياد إلى تيارها، وحثهم على التمسك بالكتاب والسنة، فقال – صلوات الله وسلامه عليه - : "يَكُونُ فِي آخِرِ أُمتي أُناس دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يُحَدِثُونكم بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ".
 
ويليه في الجرم الكذب في الرؤيا، فمن يكذب فيها، كان كمن ادعى أن الله نبأه بشيء، وهو سبحانه لم يفعل.
 
"فَالرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
 
وقد روى البخاري، عن أبي الأسقع واثلة بن الأسقع– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ"
 
والفري: جمع فرية، وهي الكذبة العظيمة.
 
وقوله: "أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ" معناه: أن يقول: رأيت في منامي كذا وكذا، ولم يكن رأى شيئاً مما ذكر.
 
ومثله ما رواه البخاري عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى – أي أكذب الكذب – أَنْ يُرِيَ الرجل عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيا".
 
وروى البخاري عن ابن عباس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ...".
ومن أشد جرائم الكذب: شهادة الزور؛ إذ المطلوب من المسلم وغير المسلم: أن يؤدي الشهادة على وجهها المطلوب، دون تحريف أو تبديل.
 
فمن بدل الحقيقة أو شهد بما لم ير ويسمع، فقد ارتكب بهتاناً وإثماً مبيناً.
 
وكذلك من كتم الشهادة، فإنه يلحق بالمزور؛ لأن كلا منهما قد ضيع الحق على صاحبه.
 
ويلحق بالتزوير في الشهادة التزوير في كل شيء، كما سيأتي بيانه في حديث آخر.
 
ومن الكبائر: الكذب في البيع والشراء؛ لأنه من باب الغش والخداع والتدليس.
 
وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – كما روى أصحاب السنن: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
 
وهناك الكذب في الوعد، واختلاق المعاذير، والكذب في المزاج، والمبالغة في المدح، والكذب على الأطفال وغير ذلك مما سيأتي بيانه مفصلاً في حديث آخر، وسيأتي أيضاً – بيان الفرق بين الكذب والتعريض وغير ذلك مما يتعلق به من الأحكام.
 
نسأل الله الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم