الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُواالدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ".
الدنيا تحمد وتذم لا باعتبار الزمن، ولكن باعتبار العمل الذي يقوم به أهلها؛ فإن منهم من يعمل لها فحسب، ولا يعمل للآخرة شيئاً.
 
ومنهم من يعمل للآخرة عملاً لا يبلغه المنزل الذي يسعى إليه الأبرار، ويجعل الدنيا مبلغ همه، ومنتهى أمله.
 
ومنهم من يسعى لها سعيها، ولا يبالي بالدنيا أقبلت عليه أم أدبرت عنه.
 
وأنت خبير – بعد هذا التقسيم – من يحمد فيها ومن يذم.
 
فلا يقال: الدنيا شر محض، ولكن يقال: الدنيا مزرعة للآخرة، فمن جد فيها وجد، ومن زرع حصد.
 
هو رأس ماله إن شاء انتفع به، وإن شاء جعله وبالاً عليه.
 
والحياة الدنيا مليئة بالحيوية، وفي العيش فيها حلاوة، لكنها عاجلة.
فمن شاء أخذ منها ما يحلو له ويستمتع به.
 
من شاء حرم نفسه من متاعها بأي حجة من الحجج التي قد لا تُسلم له.
فقد يدعي الزهد رحل وهو عنه بمعزل.
 
وقد يتكاسل رجل عن العمل ويرضى بالكفاف ويقول: "القناعة كنز لا يفنى" وهو حق أريد به باطل.
فقد استعاذ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من العجز والكسل وأمرنا أن نستعيذ منهما ومما ينشأ ويلازمهما.
 
فقال لأبي أمامة الأنصاري: قل حين تمسي وحين تصبح: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ".
 
وقد يقال قائل: لقد مضى من العمر أكثره وأصبحت شيخاً كبيراً، فلماذا أعمل؟! وهو مخطيء بكل المقاييس؛ فقد قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَفي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَلَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا".
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ" يفيد أمرين:-
الأول: أن لها حلاوة ما، على نحو ما، بقدر ما، لشخص ما، في زمن ما ينبغي أن يتمتع المؤمن بقدر ما يكتب الله له منها، ويشكر ربه على ما آتاه من فضله، فالبشكر تزداد النعم.
 
الأمر الثاني: أنها سريعة الزوال، لأن الخضرة لا تلبث أن تفسد أن تيبس أو تضمحل. فليأخذ المرء حظه منها، ويرضى به، فالرضا أعظم المقامات الإيمانية على الإطلاق، ليس بعده مقام يطلب، والراضون هم خير البرية، وهم الذين بدأهم الله بالرضا، فكان الفضل منه أولاً وآخراً.
 
واقرأ بتأمل – إن شئت – قول الله تبارك وتعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } (سورة البينة: 7-8).
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا" معناه أن الله تبارك وتعالى قد خلق آدم وذريته لعمارة الأرض وإصلاحها مع التفرغ لعبادته والإخلاص فيها، واعتبار العمل الصالح جزءاً منها.
وإصلاح الأرض وعمارتها عمل صالح يقوم على التوحيد الخالص، وبذلك يكون لهذا العمل قدرة وقيمة، وإلا كان هباءً لا خير فيه، ولا طائل تحته.
 
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ   لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (سورة الأنعام: 162-163).
 
ومعنى محياي ومماتي ما فيهما من عمل، فإن العمل في الحياة قد تمتد آثاره ويكتب لصاحبه بعد مماته، وهو ما يسمى بالحسنات الجارية: كعلم ينتفع الناس به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية.
 
فهذه الأعمال تبقى لصاحبها إلى أن تنتهي آثارها. يقول الله عز وجل: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } (سورة   يس: 12).
 
ويقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهَا أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".
 
والخلافة في الأرض وطيفة للبشر، ورفع لمكانتهم بين سائر المخلوقات فضلاً من الله ونعمة.
 
فقد خلق الله آدم – عليه السلام – وزوده بالعقل والعلم، وأسجد له ملائكته، وخلق منه ذريته، وأمدهم بما أمده به من العقل والعلم، ورفع من شأنهم بالتكاليف الشرعية، ووعدهم على الطاعة والإصلاح جنة عرضها السماوات والأرض.
 
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } (سورة الإسراء:70).
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" معناه: فكيف عملكم ويحصيه لكم ويجزيكم به. هذا هو المعنى اللائق بجلاله، فهو يعلم أحوال عباده فلا يحتاج إلى نظر ولا استدلال.
 
وقد جعل الله لعباده مشيئة واختياراً لا يخرج عن مشيئته واختياره – جل شأنه -، فمن أراد الهدى هداه الله، ومن أراد الضلال أضله الله.
 
قال تعالى: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } (سورة الكهف: 29)
 
وقال عز شأنه: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } (سورة محمد: 17)
 
وقال عز من قائل: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (سورة فصلت: 17)
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَاتَّقُواالدُّنْيَا" أي اجعلوا لأنفسكم وقايه من غرورها وخداعها بالزهد فيها، والكف عن الغلو في طلبها، واجعلوها لأنفسكم دار ممر ولا تجعلوها دار مقر، واستعينوا على ذلك بطاعة الله تعالى وبكثرة الذكر والدعاء، ولا تتنافسوا فيها مع المتنافسين، واتركوها لهم إن غلبوكم عليها، واجعلوها مزرعة للآخرة ومنطلقاً إليها، ولا تنسوا نصيبكم منها، وألزموا العدل الوسطية في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وفي شأنكم كله، وأكثروا من ذكر الموت وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
 
كل هذه الأمور يجمعها قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "فَاتَّقُواالدُّنْيَا".
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَاتَّقُوا النِّسَاءَ" هو من باب عطف الخاص على العام؛ فإن النساء من خير متاع الدنيا، ولهذا بدأ الله بهن في ذكر متاعها.
 
فقال عز وجل: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (سورة آل عمران: 14).
والنساء فتنة للرجال وفتنة لأنفسهن أيضاً، وذلك حيت تغتر بجمالها أو مالها أو حسبها، وترى أنها خير نساء الدنيا، ويخدعها الثناء عليها، وتفتتن بالرجال كما يفتتن الرجال بها، ولكنه وجه الأمر في هذه الوصية للرجال؛ لأن فتنتهن لهم أكثر من فتنتهم لهن في الغالب.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ" تعليل وتوكيد لهذا الأمر وتذكير لهم بأن هذه الفتنة لم ينج منهما أحد، وأن بنى إسرائيل قد ابتلوا بنارها، فكانوا يجعلون النساء مبلغ أمرهم ومحط أنظارهن ومنتهى بعيتهم، فقتل بعضهم بعضاً بسبب التنافس عليهن والوقوع في حبالهن والتفاني في الاستمتاع بهن بالطرق غير المشروعة.
وبعد، فإن هذه الوصية لها مقدمة وخاتمة.
 
أما مقدمتها فتعريف بقيمة الدنيا ومنزلتها عند الأبرار وعند الفجار، وتذكير بسرعة زوالها، وبيان لوظيفة الناس فيها.
 
وأما الخاتمة: فإنها تذكير بما كان عليه بنو إسرائيل من عشق النساء والافتتان بهن والتفنن في التنافس عليهن، وقد أمرنا بمخالفتهم ونهينا عن التشبه بهم في عاداتهم ومعاملاتهم؛ لأنهم قوم سوء ما عرفت البشرية أخبث منهم، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً وهم قليل.
 
ولنا في ذكر مساويهم حديث طويل يأتي في وصية أخرى إن شاء الله تعالى.
 
وعلى الله قصد السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم