ثواب الإنفاق على الزوجة والأولاد

الكاتب : الشيخ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد

إن الإنفاق له أثر طيب في العملية التربوية، وخاصة عندما يكون مصدرها الموجه هو الشرع: { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ } [الطلاق: 65/7] فلا إسراف؛ ولا تبذير؛ ولا تقنيط؛ ولا شُح، وإنما اعتدال في الإنفاق والبذل؛ وذلك تدريب أيضاً للطفل الناشيء، على البذل المستطاع، والإدارة الجيدة للاقتصاد المنزلي.

وقد جاءت أحاديث كثيرة توجه الإنسان إلى الإنفاق، وإنه مأجور عليه؛ بل أنه يتقدم كل الصدقات:

أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ".

عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي وقاص رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ لَهُ إِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ عَلَى أَهْلِكَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّكَ تُؤْجَرُ فِيهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ". رواه أبو يعلى في مسنده (2/81) بسند صحيح، ورواه أحمد (1/172).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد المقل، وابدأ بمن تعول" رواه الحاكم في مستدركه (1/414) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، ورواه أحمد (2/4-94).

وروي أحمد – بإسناد جيد - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ.

وروى أبو حنيفة في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات أحدكم مغموماً مهموماً، كان أفضل عند الله، من ألف ضربة بالسيف في سبيل الله" قال العلامة مُلا علي القاري في شرحه لهذا الحديث: "مغموماً" أي: حزيناً بحيث يغم فؤاده "مهموماً" تأكيد لما قبله، من: سبب العيال، وكسب الحلال، الذي هو فرض عين عند أهل الكمال. "كان" في تلك الحال "أفضل عند الله من ألف ضربة بالسيف في سبيل الله" فإنه فرض كفاية في غالب الأحوال.

وقد روى القضاعي عن ابن عباس، وأبو نعيم في الحيلة: "طلب الحلال جهاد"

وروى الطبراني عن ابن مسعود: "طلب الحلال فريضة".

وروى الديلمي عن أنس. "طلب الحلال واجب على كل مسلم".

وروى ابن عساكر عن أنس: "من مات كالا في طلب الحلال مات مغفوراً له".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ". رواه الحاكم في مستدركه (1/415) وقال: صحيح الإسناد؛ ولم يخرجاه؛ وأقره الذهبي.

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلم ابنه أن يطلب الكسب الحلال لأولاده: أورد ابن المبارك في كتابه "الزهد" وأسنده إلى الحسن، قال: بينما عمر بن الخطاب يمشي ذات يوم في بعض أزفة المدينة، إذا صبية بين يديه تقوم مرة، وتقعد أخرى، فقال: يا بؤسها! من لهذه؟ فقال ابن عمر: هذه إحدى بناتك يا أمير المؤمنين، قال: فما لها؟ قال: منعتها ما عندك؛ قال: أفعجزت إذ منعتها ما عندي، أن تكسب عليها، كما يكسب الأقوام على بناتهم؟ والله مالك عندي، إلا ما لرجل من المسلمين، وبيني وبينك كتاب الله؛ قال الحسن: فخصمه والله.

ولا بد أن نذكر ثواب إنفاق الزوجة على زوجها وأولادها:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف يوماً من الصبخ، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن، فقال: يا معشر النساء! ما رأيت من نواقض عقول قط ودين؛ أذهب بقلوب ذوي الألباب منكن، وإني قد رأيت أنكن أكثر أهل النار يوم القيامة، فتقربن إلى الله بما استطعتن، وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود فانقلبت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت حليها، فقال ابن مسعود: أين تذهبين بهذا الحلي؟ قالت: أتقرب به إلى الله ورسوله، قال: ويحك، هلمي؛ تصدقي به عليَّ وعلي ولدي، فإنا له موضع، فقالت: لا، حتى أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت تستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! هذه زينب؛ تستأذن؛ قال: "أي الزيانب هي؟" قالوا: امرأة ابن مسعود قال: "ائذنوا لها" فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدثته، وأخذت حلياً لي، أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء ألا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدقي به عليَّ، وعلى ابني، فإنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقي به عليه، وعلى بنيه؛ فإنهم له موضع". رواه ابن خزيمة في صحيحه (4/106) وإسناده صحيح.

وفي رواية: "صدق ابن مسعود، زوجك، وولدك؛ أحق من تصدقت به عليهم" وفي رواية: "نعم، لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم