السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَسَوَّكُوا؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي".
السواك سنة من سنن الفطرة؛ لأنه ضرورة لابد منها في تنظيف الفم مما علق به، وتطهيره من الروائح الكريهة، وتخليصه أولاً بأول مما يعتري الأسنان والأضراس من الآفات، كالتسوس والتورم ونحو ذلك.
والسواك – بكسر السين – يطلق على الفعل وعلى العود الذي تسوك به.
وقد أولاه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عناية خاصة، وأوصى أصحابه بالإكثار منه وبين لهم فوائده وأهميته، وحذرهم من تركه أو التهاون فيه، بأسلوب يشعرهم بعظمة شأنه في الوقاية من الأمراض والعلل، وعظمة شأنه – أيضاً – عند الله؛ إذ جعله سبيلاً من سبل مرضاته – عز وجل – فقال:
"تَسَوَّكُوا؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ".
والأمر يقتضي الوجوب، لكن الدلائل جعلته من المستحبات، التي لا ينبغي تركها جملة.
وقد قال كثير من علماء الأصول: الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة.
وهنا صرفته قرينة، بل صرفته قرائن سيأتيك ذكرها.
ومعنى "مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ": مزيلة لأفاته، فالطهارة معناها الإزالة والوقاية.
وآفات الفم كثيرة وخطيرة منها: تسوس الأسنان، وهو الأمر الذي لا ينبغي السكوت عليه، لأن النهاية لهذا الداء تساقطها واحدة بعد الأخرى، حتى يصير الفم خالياً منها، وعندئذ يعرف المرء قيمتها، ويندم أشد الندم على التفريط في تنظيفها بالسواك، والوقاية خير من العلاج، كما يقول الحكماء، والصحة تاج على رءوس الأصحاء، لا يعرف قدها إلا من فقدها.
وكان العرب يدعون لمن يحبونه فيقولون: لا فُض فوك، أي لا أخلاه الله من الأسنان والأضراس.
وفقدان الأسنان والأضراس لا يحرم المرء من مضغ الطعام والتلذذ به فحسب، بل يحرمه أيضاً من النطق السليم، وهو أمر لابُد منه ولا سيما لمن كان يتلو القرآن، أو يدعو الناس إلى الله عز وجل، أو يعلمهم أمور دينهم ودنياهم.
ومن المحال تعويض هذا الجهاز الرباني بجهاز من صنع البشر، ولهذا ينصح الأطباء بالمحافظة على هذا الجهاز العجيب في شنعه وتنسيقه، ولا يلجأون إلى خلع سن أو ضرس إلا إذا فقدوا الأمل فيه؛ إذ يعتبرونهه أفضل من غيره مع ما فيه من داء، ويبذلون ما في وسعهم من أجل بقائه، ولكن العبء الأكبر في العلاج يتحمله المريض نفسه، فهو الذي إن شاء حافظ عليه، وإن شاء فرط فيه.
والفم – كما نعلم – هو المدخل الطبيعي للمعدة، وهي بيت الداء والطريق فيه مفتوح لتسرب الجراثيم والفيروسات إلى الرئتين والصدر والجهاز الهضمي، فكان لزاماً على كل مسلم أن يُعنى كل العناية بتطهير فمه دائماً إذا ما أحس بتلوثه أو تغير رائحته، وفي ذلك ما فيه من الفوائد العظيمة.
وأما كون السواك مرضاة لله، فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } (سورة البقرة: 222).
ولا شك أن السواك لما كان مطهرة للفم كان ذلك أحب إلى الله تبارك وتعالى عند تلاوة القرآن والذكر، وقراءة كتب التفسير والحديث وغيرها من العلوم الشرعية.
فمن ذكر الله بفم نظيف طاهر خير وأحب إلى الله ممن ذكره بفم ليس كذلك.
وقوله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي" - يدل على أمرين:
الأول: أهمية السواك وضرورة فعله في جميع الأوقات التي تدعو الحاجة فيها إليه.
الثاني: أنه ليس بفرض، ولكنه سنة مؤكدة في أوقات، وسنة مستحبة في أوقات، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله.
يؤكد هذا وذاك قوله – عليه الصلاة والسلام – وفي الحديث: "لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ" أي لأوجبته لهم – يقال: فَرَضَ لَهُ كَذَا: أي أوجبته وقدره وقضى له به.
وهذه العبارة أبلغ من قوله: فرضته عليهم؛ لأن المفروض على الإنسان مراعى في الكلفة، والمفروض له: مراعي فيه المنفعة.
فانظر إلى دقة التعبير في هذه العبارة النبوية.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في ختام الحديث: "وَإِنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي" توكيد لما سبق توكيده، فهو – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يعطينا من نفسه القدوة.
فإذا كان هو يفعل ذلك وهو طاهر الفم دائماً، لا تتغير رائحته، ولا يبلى ما فيه، ولا يصاب بما يصاب به غيره – فكيف بنا نحن.
وخير الناس أكثرهم تأسياً برسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وأشدهم تمسكاً بسنته في عباداته وعاداته.
قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب: 21).
وإذا كان السواك مستحباً في جميع الأوقات فإنه في بعض الأوقات يكون أشد استحباباً منه في غيرها.

وسأذكر لك هنا بإيجاز هذه الأوقات بوجه عام، فأقول: يستحب السواك في الأوقات الآتية:
الأول: عند الوضوء، لما رواه أبو هريرة عن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وضوء".
الثاني: عند الصلاة؛ رواه أبو هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
الثالث: عند الاستيقاظ من النوم لقول عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – "كَانَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ".
الرابع: عند تلاوة القرآن والذكر؛ قياساً على الصلاة.
قال عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: "إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ".
الخامس: عند التهجد، وهو الصلاة بالليل بعد القيام من النوم، فالهجود معناه: النوم، وسمي قيام الليل تهجداً لأنه يقع بعد النوم.
عَنْ حُذَيْفَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ". يعني يدلكه به.
السادس: عند الانصراف من قيام الليل؛ لما رواه ابن عباس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – : "أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ".
السابع: عند دخول البيت من أجل لقاء زوجته، حتى إذا قبلها أو قبلته لم تجد منه رائحة كريهة.
روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن المقداد بن شريح عن أبيه أنه قال لعائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا –: بأي شيء كان يبدأ النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إذا دخل بيته؟، قالت: بالسواك.
وروى ابن ماجه عنه أيضاً أنه قال لعائشة: أَخْبِرِينِي بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدَأُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا دَخَلَ يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ.
الثامن: عند تغير الفم، بسبب عدم الأكل أو أكل ماله رائحة كريهة، أو طول السكوت أو طول الكلام، أو بسبب مرض في الصدر ونحو ذلك، فهو مطهرة للفم، كما جاء في الحديث.
التاسع: عند حضور مجالس العلم وغيرها؛ لئلا يؤذي الناس برائحة فمه.
العاشر والحادي عشر: قبل الأكل وبعده.
هذه هي الأوقات التي يستحب فيها السواك بوجه عام، وأشدها استحباباً خمسة: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم.
وبعد، فإن الأمر بالسواك من الطب بمكان، فإن جميع الأطباء يحضون عليه، ويعتبرونه من الضرورات الصحية، التي ينبغي على كل إنسان أن يراعيها وقاية لفمه وسائر بدنه، باعتبار أن الفم هو من المداخل الطبيعية للجراثيم والفيروسات كما أشرنا من قبل.
وهذا يدل بوضوح على أن محمداً– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حكيم ملهم، وطبيب معلم، جاء بشريعة غراء هي منهج كامل للحياة في أسمى صورها وأرقى معانيها، يجد الناس فيها تزكية لأنفسهم وتقويماً لأخلاقهم، وتطهيراً لقلوبهم وأبدانهم، وعلاجاً ناجعاً لأدوائهم، ووقاية مما يخشون ضرره أو يتوقعون خطره.
إنها شريعة لا تعادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج الناس إليه إلا شملتها ببيانها المشرق، فقد دخلت معهم في أخص خصائصهم، وتحدصت إليهم فيما يتحرجون أن يسألوا عنه حياءً أو تكبراً، وأفتتهم في كل شيء يحتاجون فيه إلى إزالة اللبس ودرء الشبهة ودفع الشك أو التهمة.
ومن نظر في تعاليم الإسلام بإمعان وجدها تدعو في جملتها إلى طهارة النفس والقلب والبدن.
ولقد قال كثير من الفقهاء: إن الطهارة تدخل في سبعين باباً من أبواب الفقه، وأكبر الظن أنها تدخل في جميع العبادات والمعاملات إذا أخذنا بمدلولها العام، فهي كلمة واسعة الدلالة في معانيها ومراميها.

وقد حصرها الإمام الغزالي في أربعة أمور رئيسية، فذكر في الجزء الأول من كتاب الإحياء أنها على أربعة مراتب.
الأولى: طهارة الباطن مما سوى الله تعالى، وهو مقام الأنبياء.
الثانية: طهارة القلب من الحقد والحسد، والكبر والعجب والغرور، والرياء وحب الظهور، وغير ذلك من الآفات التي تُعكر صفو الإيمان.
الثالثة: طهارة الجوارح، أي كفها عما حرم الله – عز وجل -.
الرابعة: طهارة الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات.
فالطهارة إذاً تدخل في كل باب من أبواب المعتقدات والعبادات والمعاملات وما إلى ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسن السلوك.
ومعناها: إزالة ما ينبغي أن يزال من الشبهات والشهوات، والآفات الضارة بالقلوب والأبدان؛ ولهذا قدمها الفقهاء في كتبهم، وبدأوا ببيان أحكامها قبل أن يتكلموا عن أحكام الصلاة والصوم, والزكاة والحج، وغيرها من أبواب الفقه.
اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم