إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –قَالَ: سَمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا".
الصلاة صلة وثيقة بين العبد وربه، وروحها الخشوع، فإذا أقبل العبد عليها فإنما يقبل بقلبه مخلصاً لربه، متمسكناً متواضعاً.
ولكي يضمن العبد إقباله على الصلاة بهذه الكيفية نهاه الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عن الإسراع إليها في المشي إذا أقيمت؛ فإن الأسراع يعوقه عن استحضار القلب إلى الصلاة، وعن كمال الخشوع فيها، وعن السكينة التي ينبغي أن تلازمها.
فقد يؤدي الإسراع إليها إلى انقطاع الأنفاس أو احتباسها، وهو الأمر الذي يفقده الطمأنينة والاعتدال.
وقد يفضي الإسراع إلى سقوطه على الأرض، أو تعثره بسبب اصطدامه بشيء أمامه، ونحو ذلك من المعوقات.
ولماذا يسرع في السير إلى الصلاة وقد ضمن الله له الأجر بنيته!! والأعمال بالنيات كما هو معروف.
فمن توضأ في بيته وخرج إلى الصلاة ووجد الإمام قد سبقه بركعة أو ركعتين أو ثلاث، فلا بأس ما دام قد خرج في الوقت المناسب ولم يبطيء أو يشغل نفسه بأمر من أمور الدنيا.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ" يعني المكتوبة، ومعنى أقيمت وقف الناس لها أو دخلوا فيها.
فهناك فرق بين أقيمت الصلاة وأقيم للصلاة فقوله: "أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ" معناه ما قد علمت.
وقولنا: أقيم للصلاة، أي أقامها المؤذن بالألفاظ المعروفة.
ولكن هل له أن يسرع في المشي إذا سمع الإقامة أم لا؟
قولان ليس أحدهما أرجح من الآخر، والمرء في هذا فقيه نفسه، فإن كان بعيداً عن المسجد، فإنه لا يسرع؛ حتى لا تنقطع أنفاسه أو تحتبس، أو يعوقه عائق أو لا يتمكن من الخشوع.
وإن كان قريباً من المسجد يستجب أن يوسع الخُطا فوق المعتاد بقليل؛ حتى يدخل في الصف دون أن يتعبه المشي.
وهناك فرق بين المشي والسعي، فالمشي هو نقل الخُطا بتؤدة واتزان.
والسعي هو الجد في السير على وجه الإسراع والاهتمام.
ويزيد عليه في السرعة: الرمل والهرولة وما فوق ذلك، فأنواع السير عشرة لا حاجة لذكرها جميعاً هنا.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ" جملة حالية، أي وأتوها ماشين مطمئنين ساكنة قلوبكم حتى تدخلوها وأنتم كذلك.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" معناه: لا عليكم، فما أدركتموه مع الإمام فصلوه، وما فاتكم من الركعات فأتموه منفردين، وأجركم مكفول لكم عند ربكم بحسب نياتكم.
فما أكرمه من نبي وما أحلمه فهو حريص على المؤمنين رءوف رحيم بهم، قد أجرى الله التيسير على لسانه، ورفع الحرج عن أمته تفضلاً منه ورحمة.
وكان من المتبادر إلى الأذهان أن يأمر النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أمته بالإسراع إلى الصلاة عند إقامتها، ولكن الإسلام دين ديدنه السماحة واليسر، فالحمد لله على نعمة الإسلام.
وهناك مسألة تفرض نفسها على البحث والدرس، حاصلها يتمثل في هذا السؤال:
كيف توفق بين هذا الحديث الصحيح وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (سورة الجمعة: 9).
أقول: قوله تعالى: { فَاسْعَوْا } معناه: امضوا بعناية واهتمام من غير إسراع.
وقيل: إن السعي خاص بصلاة الجمعة، والحديث عام في غيرها من الصلاة، وهذا وذاك حسن.
والله تبارك وتعالى أعلم.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم