إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ".
وفي رواية ابن مسعود: "فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ".
الأصول الأخلاقية في الدين مجمع عليها بين الأنبياء والمرسلين لم يختلف واحد منهم في أصل من أصولها.
والحياء أصل من أصول الأخلاق، بل هو من أهمها؛ لأن جميع الخصال الأخلاقية ترد إليه وتبنى عليه، ولهذا خص بالذكر من بين شعب الإيمان في قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ".
وقد كان الحياء ولا يزال ميزاناً توزن به الأعمال وتعرف به قيم الرجال وتفاوتهم في الإيمان، فمن أشتد حياؤه فقد عظم شأنه بين المؤمنين وارتفعت درجاته في أعلى عليين.
فأهل الحياء هم أهل الجنة؛ لأن حياءهم حال بينهم وبين الكفر بالله، لأنه ليس من الحياء في شيء أن يعرف الإنسان أن الله خلقه من العدم ورباه على موائد الفضل والكرم، ثم هو يكفر به ويجحد نعمه.
وحال بينهم وبين الرياء الجلي والخفي، وهو ما يسمى بالشرك الأصغر؛ لأنه من عرف أن الله هو الذي يجزي على الأعمال الصالحة لم يشرك معه فيها غيره، عملاً بقوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } (سورة الكهف: 110)، بل حال بينهم وبين المعاصي كلها.
ولا شك أن العبد الحيي يمنعه حياؤه أن يلقى ربه وهو مشرك به فتراه يستحي من ربه أن يراه حيث نهاه أو يفتقده حيث أمره.
وقد كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يعلم أصحابه أصول الأخلاق وقواعدها العامة من خلال قصص الأنبياء أسوة بالقرآن الكريم، وذلك في خطبه ودروسه التي يلقيها إليهم في الأوقات التي يكونون مهيئين فيها لتقبل المواعظ أكثر من غيرها.
ومما وعظهم به ما جاء في هذه الوصية من عبر، وهي وصية قصيرة جاءت في صورة خبرية والقصد منها الأمر، فإنها وصية الأنبياء جميعاً.
فقد كان كل نبي يقول لأمته هذا القول، فصار هذا القول مثلاً يضرب لمن دفعه عده الحياء إلى ارتكاب ما يستحي من فعله أو قصر في أمر يستحي من التقصير فيه، أو منعه الحياؤء من فعل ما يجب فعله أو يستحب فعله.
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ – أو اصْنَعْ مَا شِئْتَ" يحتمل ما ذكرناه، فيكون للحديث معنيان:
الأول: تهديد لمن دفعه عدم الحياء لارتكاب المحظور، على حد قوله تعالى: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة فصلت: 40)
والثاني: توجيه لمن منعه الحياء من فعل ما ينبغي فعله أن يقدم عليه دون استحياء، ولا يكون الحياء مانعاً منه.
والمعنى إذا لم يكن في الفعل ما يستحي منه فافعله.
والمعنى الأول هو المتبادر إلى الذهن، فهو تهديد وتوبيخ لمن لم يتخلق بخلق الحياء.
ومعنى قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إن مما إدرك الناس من كلام النبوة الأولى" أنه كلام محكم لم تنسخه شريعة من الشرائع، فهو تهديد باق على مر الأيام لمن لا حياء له؛ إذ من لا حياء له لا إيمان له.
فعن عبد الله بن عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "دَعه فَإِنَّ الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ".
أي دعه ولا تجهد نفسك في وعظه فإن الحياء ينبع من الإيمان، فلو كان مؤمناً حقاً لكان الحياء طبعاً فيه.
وخلاصة القول أن الحياء خير كله، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر، وأنه لا يأتي إلا بخير، وأنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وأن الحياء هو الكف عن كل قبيح تأباه الشريعة الغراء وينفر منه الطبع السليم.
وقد عرفه النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأنه: "تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى". كما جاء في الوصية الثامنة عشرة.
وقد بسطنا القول هناك في بيان حقيقة الحياء ومفهومه، ومنزلته وآثاره ومتى يحمد ومتى يذم، فراجعه إن شئت وبالله توفيقك.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم