كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ".
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
الدنيا مزرعة للآخرة ومعبر إليها، فإن جعلها المسلم كذلك فدنياه مباركة طيبة، وعمره فيها عمر عطائي، طال أم قصر.
 
وكلما طال كان خيراً؛ فقد جاء في الحديث: "خَيْرٌكم مَنْ طَالَ أَجَله وَحَسُنَ عَمَلُهُ،  وَشَركُم مَنْ طَالَ أَجلُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ".
 
وخير الناس من جعل الآخرة مبلغ همه ومنتهى علمه وأمله، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، وعاش فيها عيشة من ليس له فيها رغبة، وجعلها بُلغة تقربه من الجنة وتبعده عن النار، وكان المال في نظره ظلاً زائداً وعارية مستردة، وشجرة يستظل بها إلى حين، واعتبر نفسه في سفر دائم وارتحال لا ينقطع، فهو إلى الموت سائر إن اليوم وإن غداً – وإن غداً لناظره قريب. والموت أقرب إليه من شراك نعله.
 
والعاقل من لا ينسى الموت في زحمة الحياة؛ فنسيان الموت يضله عن الطريق إلى الله، ويعوقه عن بلوغ مراده من دنياه وآخرته.
 
وخير الناس من دان نفسه دائماً واتهمها بالتقصير والتفريط في جنب الله عز وجل، وحاسبها على ذنوبها أولاً بأول، وراقبها في جميع تصرفاتها، ولم يعطها حظها من الدنيا كما تريد، وكان في دنياه كأنه غريب أو عابر سبيل كما أوصى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عبد الله بن عمر ومن هو على شاكلته من خيار المؤمنين.
 
فما معنى هذه الوصية وما المقصد منها على وجه الدقة والاعتبار؟
الغربة في الدنيا تعني أمرين:
 
الأمر الأول: ألا يغيب عن ذهنه أنه راجع إلى ربه كما يرجع الغريب إلى بلده، مع الفارق بين رجوع ورجوع، فيسأل نفسه بماذا يرجع إلى ربه، أبعمل صالح يقربه منه ويدنيه من حضرة قدسه ويجعله محشوراً مع عباده المكرمين في يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، أم يرجع إليه بغير ذلك فيكون مصيره مصير من هو على شاكلته ومن الفجار الأشقياء؟.
 
فإن كان عمله صالحاً ونفسه مطمئنة بذكر الله عز وجل – ناداه ربه ونادته ملائكته بأعظم نداء.
 
{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي } (سورة الفجر: 27- 30)
 
وإن كان من الأشقياء ندم ندماً شديداً، ولا يزداد به إلا عذاباً فوق عذاب، ويكون ممن قال الله فيهم: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (سورة المؤمنون: 99-100).
 
الأمر الثاني: الزهد فيها، وهو مبني على قصر الأمل في بقائها، والتعفف عن شهواتها وملذاتها، والقناعة منها بما يسد الرمق ويستر العورة، والشكر وافر النعم، وإنفاق المال في وجوه الخير، وإنفاق العمر فيما ينفع في الدارين معاً؛ وذلك لأن الدين يأمرنا أن نأخذ حظنا من الدنيا بالطرق المشروعة وبقدر الكفاية من غير إفراط في الطلب ولا تفريط.
 
يقول الله عز وجل في سياق قصة قارون { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } (سورة القصص: 77).
 
أي خذ حظك منها بالقدر الذي قدر لك، وارض به ولا تطمع فيما ليس لك.
ولكن ليس معنى هذا: أنك لا تعيش عصرك، فكل عصر له زهد يناسبه؛ فإنك مهما حاولت أن تزهد في الدنيا لتكون مثل أصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فلن تستطيع أن تسلك مسالكهم، أو تصبر على البأساء والضراء مثل ما صبروا، فهم طراز فريد عاشوا في عصر بسيط ليس فيه من المطالب مثل ما في عصرنا.
 
والإسلام قد وضع للزهد حداً يناسب كل الناس في مختلف العصور، فقد دعاهم إلى الوسطية في الأكل والشرب واللباس والزينة، وجعل للقناعة مقياساً تنتهي إليه وتقف عنده، وجعل للطمع حدوداً لا ينبغي تجاوزها.
 
قال جل وعلا: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (سورة الأعراف: 31-33).
 
ففي هذه الآيات يأمر الله بني آدم أن يأخذوا زينتهم الشرعية عند كل صلاة، فيلبسوا من الثياب ما يتاح لهم ويستر عوراتهم.
 
وأباح لهم الطيبات وحرم عليهم الإسراف في تعاطيها رحمة بهم؛ لأن الإسراف في النعمة سبب في إزالتها والحرمان من التمتع بها، فلا تلبث حينئذ أن تتحول إلى شيء تزهد فيه النفس وتعافه.
 
والشأن في عابر السبيل أن يكون راضياً بكل ما يجده من عناء وتعب وجوع ونصب، وهو يمني نفسه بقرب العودة إلى من يجد عندهم الراحة والنعيم.
 
وهذا ما فهمه ابن عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – فقد قال: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
 
وهناك أحاديث أخرى تشبه هذا الحديث في معناه فتحمل على ما يوافق الطبع والطبيعة وروح العصر ومدى الحاجة؛ فإن الطباع تختلف، والطبائع لا تأتلف، والعصور تتفاوت، والحاجات تتجدد، والضرورة تقدر كما يقول علماء الأصول.
 
فما يكون غير ضروري في عصر كعصر الصحابة مثلاً، يكون ضرورياً جداً في عصرنا.
 
والقرآن هو الحكم الذي نرجع إليه عند تقدير الضرورات، وهو الميزان الذي تزن به الأحاديث التي تبدو متعارضة، وفنجمع بينها إن أمكن أو نرجح بعضها على بعض إن لم يمكن الجمع بينها.
 
وبهذا نستطيع أن نحمل ما ورد منها في تزهيد الناس في الدنيا على محمل يناسب أهل كل عصر على حسب ظروفهم المعيشية وأحوالهم الاجتماعية وحاجاتهم الضرورية.
ويعجبني في هذه المناسبة ما قاله الداعية الإسلامية الكبير الشيخ: محمد الغزالي في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث".
 
قال رحمه الله: (قرأت خمسين حديثاً ترغب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم، كما قرأت سبعة وسبعين حديثاً ترغب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل وترهب من حبها والتكاثر فيها والتنافس، وقرأت سبعة وسبعين حديثاً أخرى في عيشة السلف وكيف كانت كفافاً.
 
ذكر ذلك كله المنذري في كتابه الترغيب والترهيب، وهو من أمهات كتب السنة، ورحم الله المؤلف الحافظ وغفر لنا وله، فهو حسن النية ناصح للأمة، بيد أن الفقه الصحيح يقتضي منهجاً آخر، ومسلكاً أرشد.
 
وأعرف ويعرف غيري أن عبادة الدنيا أهلكت الأولين والآخرين، وأنها من وراء جرائم مذهلة يقترفها الخاصة قبل العامة، والرؤساء قبل الأتباع، والأذكياء قبل الأغنياء، ولكن العلاج الصحيح للداء العضال يكون بالتمكن من الدنيا والاستكبار على دناياها.
 
املك أكثر مما ملك قارون من المال، وسيطر على أوسع مما بلغه سليمان من سلطانه، واجعل ذلك في يدك؛ لتدعم به الحق حين يحتاج الحق إلى دعم، وتتركه لله في ساعة فداء حين تحين المنية!! أما أن تعيش صعلوكا، حاسباً أن الصعلكة طريق الجنة فهذا جنون وفنون.
 
إذا كان الإلحاد يفرض سلطانه بالتمكين في الأرض، فإن انصرافك عن التمكن من الأرض فاحشة أشد من الزنا والربا.
 
وناقش الشيخ بعض الأحاديث الواردة في الزهد مناقشة علمية بين فيها أن المشكلة ليست في امتلاك المال الواسع، بل المشكلة كيف تمتلكه؟ وكيف تنفقه؟ وقال فيما قال:
 
وقد رأينا في الدنيا أغنياء بنوا الجامعات حصوناً للعلم والبحث، وأغنياء حاربوا المرض والشظف ببأس شديد، وأغنياء قدموا لدولهم ما تطلب من ضرائب كي تضع موازناتها إقامة للمصالح العامة، ورأينا عثمان بن عفان يعين إعانة رائعة في الإعداد لغزوة العسرة، حتى جعل الرسول يقول: اللهم ارض عن عثمان فأني راض عنه). أ.هـ.
 
وقد قرأت في كتب السير أن عمر بن الخطاب لما زار الشام استقبله معاوية – وكان والياً عليها – بخيل مطعمة وجند من ورائه وعن يمينه وشماله فمشى عمر ولم يكلمه، ثم سأله: ما هذا يا معاوية؟
 
قال معاوية: إن أهل هذه البلاد لا يسمعون ولا يطيعون الوالي إلا إذا كان على هذا النحو الذي رأيته. فسكت عمر وقبل عذره وقال: أنت وذاك لا آمرك ولا أنهاك.
ونعود إلى هذه الوصية لنقرر أن المسلم يتصرف وفق ما يمليه عليه ضميره من طلب الدنيا وزخرفها، فإن كان يطلبها لله فهي لله، وإن كان يطلبها لذاتها فقد خاب سعيه، وسفه نفسه، وخسر دنياه وآخرته معاً.
 
يقول الله عز وجل: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } (سورة الإسراء: 18-19).
 
والمؤمن الحق من يعيش في هذه الدنيا بين الخوف والرجاء، ويأخذ منها قدر كفايته من حله، ويعد نفسه ليوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يأمن للدنيا إن ضحكت له؛ فإنها سرعان ما تبكيه وتشقيه.
 
هي الدنيا تقـول بمـلء فيها                 حذار حذار من بطشى وفتكى
ولا يغرر كموا مني ابتسام                 فقــولي مضحك والفعـل مبكي
 
وما أحسن قول الآخر:
 
ومـا المـال والأهلــون إلا ودائـع               ولا بــد يـوماً أن تـرد الودائعا
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره              ونال من الدنيا سروراً وأنعما
كبــــان بنـــي بنيانــــه فأقـامـــه               فلمـا استـوى ما قـد بناه تهدما
هــب الدنيــا تســاق إليك عفـــواً               أليـس مصيـر ذلك إلى انتقـال
ومــا دنيـــــــاك إلا مــثـــل فيء               أظـــلك ثــم آذن بــالـرحيــــل
 
نسأل الله الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم