لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ".
النساء أسيرات عند أزواجهن، قد مكنهم الله منهن وملكهم أمرهن، وأسند إليهم حفظ أعراضهن وأموالهن، وأمرهم بتربيتهن على الخُلُق الفاضل والسلوك النبيل، والإحسان إليهن وحسن معاشرتهن، والتلطف بهن والعفو عنهن في كثير من أخطائهن، على النحو الذي بيناه في الحديثين السابقين.
 
والمرأة كما عرفناها سريعة الانفعال، لا تستطيع التحكم في عواطفها غالباً، فيصدر منها ما تستحق عليه العقوبة، والرجل أملك لعوطفه منها، يستطيع التحكم في انفعالاته التي تبدو أحياناً أنها أشد من انفعالاتها، لهذا جعل الله العصمة في يده، ولو جعلها في يدها لأسرعت إلى طلاق نفسه بنفسها – كما ذكرنا في كتاب الفقه الواضح.
 
وإذ كان الأمر كذلك، فإنه ينبغي عليه أن يتجاوز عن مساوئها، ويتغاضى عن عيوبها، ويعالج عوجها بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يلجأ إلى ضربها إلا عند استنفاد كل الوسائل السليمة.
 
وإذا ضربها، فليكن ضربه غير مبرح، لا يكسر عظماً لا يسيل دماً، ولا يكون على المواضع الحساسة، وليجتنب الوجه؛ فإن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد نهى عن ضرب الوجه.
 
وإذا امتثلت لأمر الله تعالى ومالت إلى الموادعة والمسألة ورغبت في الصلح وراجعت نفسها فيما أقدمت عليه أو أحجمت عنه – فلا ضرب له عليها بعد ذلك؛ لقوله تعالى: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } (سورة النساء: 34).
 
أي فإن عدن إلى طاعتكم وعدلن عن الترفع عليكم فلا تلتمسوا لضربهن السبل، فإن في ذلك ظلماً منكم لهن، والله مطلع عليكم، شهيد على أعمالكم، فإن كنتم عليهن قادرين فالله عليكم أقدر، فاتقوا الله فيهن، وقفوا عند العدل في معاملتهن؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امرأته جلد العبد" أي جلداً شديداً كما يجلد أحدكم عبده.
 
وفي رواية لمسلم: "ضرب الأمة" وهي المملوكة التي تباع وتشترى.
 
وقد كان العرب يضربون العبد والأمة ضرباً مبرحاً في كثير من الأحيان، إما لاستحفافهم بشأنهم، وإما لأن العبيد والإماء كانوا لا يراقبون الله في أعمالهم.
 
والغالب في جنس العبيد والإماء الرعونة وسوء الأدب، وفساد الخلق وحدة الطبع؛ نظراً للظروف النفسية التي وضعوا فيها، من الشعور الحقارة والغربة والبعد عن الأهل، وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى تحليل وتعليل.
 
ولذلك حرص الإسلام على تحرير الرقاب بشتى الوسائل حتى يصير الناس أحراراً كلهم كما ولدتهم أمهاتهم.
 
والجلد معناه في الحديث: الضرب مطلقاً؛ بأي آلة من الآلات التي يضرب بها غالباً.
 
يقال: جَلَدَهُ يَجْلِدُهُ جَلْداً: ضَرَبَ جلده، سواء كان الضرب بالجلد أم يغيره من السياط.
 
وهذا النهي في الحديث لا يقتضي نفي الضرب مطلقاً، بل يثبته، وإنما بنفي شدته وقسوته؛ وذلك لأن المرأة عند زوجها كالأمة من بعض الوجوه، فهي بطبعها محكومة لا حاكمة، مأمورة لا آمرة، مملوكة لا مالكة، لها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات، ولكن للرجل عليه درجة، وهي درجة القوامة والتبعة والرعاية لشئونها الدينية والدنيوية؛ ولهذا أوجب الله عليها طاعته في غير معصية الله عز وجل.
وقد شبههن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالأسرى عند أزواجهن، والأسير لا يملك لنفسه من أمره كل شيء.
 
والآسر له مأمور بالإحسان إليه والعطف عليه، فالإسلام دين الرأفة والرحمة والحنان.
 
 بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الجشمي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –  أَنَّهُ سَمِع رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةَ الْوَدَاعِ يَقُول بَعد أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ: "أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ.
أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ".
 
ومعنى "عَوَانٍ عِنْدَكُمْ": أسيرات محبوسات في بيوتكم تستمتعون بهن وتستعينون بجهودهن بإصلاح شئون البيوت والذرية، وليس لكم منهن غير ذلك؛ فخدماتهن مقصورة عليكم لا تتعداكم إلى غيركم من الآباء والأمهات وسائر الأقارب إلا برضاهن.
 
فلا يرغم الرجل امرأته على خدمة أبيه أو أمه أو أخيه ويضربها على ذلك، فإنه هذا ليس من حقه وليس من الواجب عليها إلا أن تكون متطوعة من غير ضغط ولا إحراج.
 
وعلى الآباء والأمهات أن يتقوا الله في أزواج أبنائهم، فإن الله مطلع عليهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.
 
{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }.
ولوصية الآباء والأمهات بزوجات أبنائهم موضع آخر في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
أما قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في هذه الوصية: "ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ" ففيه سر عجيب لاح لي من خلال قراءتي في كتب علم النفس، وهو أن الرجل إذا ضرب امرأته في أول النهار ثم جامعها في آخره، أي بعد مدة وجيزة من ضربها لا تزيد عن يوم أو بعض يوم، وقدر الله بينهما ولداً فإنه يحمل هذه الانفعالات التي حدثت لكل منهما أثناء الضرب، فيصير هذا الولد جباناً خوافاً خواراً شديد الانفعال فاقد الثقة في نفسه، يبغض أباه ويبغض أمه لأتفه الأسباب.
 
وذلك لأن المرأة حين يجامعها زوجها تتذكر ما فعله معها أول النهار، فتكره لقاءه ولا تستجيب له جنسياً، ولا تميل إليه بعاطفتها، ولا تستحسن هذه المتعة والعهد من إيذائها قريب، فيتعير حال البوضية التي تحمل الحيوان المنوي تبعاً لذلك كله تغيراً غير محمود.
 
وحاله أيضاً معها لا يقل عن حالها معه، فمن أين السكون النفسي والميل الجنسي والتفاعل الوجداني مع تذكر ما وقع بينهما في أول النهار من الشقاق المر والضرب المبرح.
 
هذا ما فهمته من قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ".
 
وهذا الفهم لا يتنافى مع ما قد يتبادر إلى الذهن من أول نظرة أن المراد به التناقض بين الفعلين: المفارقة والمعانقة، فإنه إذا ضربها فارقها بقلبه وفارقته بقلبها، ثم يأتي آخر اليوم فيسطو عليها وهي مرغمة أو راضية على مضض؛ لأنه في حاجة إليها لقضاء وطره وإعفاء نفسه، وكان من الواجب عليه – مادام يعرف أنه لا غنى له عنها – أن يضع في اعتباره هذه الرغبة الجنسية الملحة كلما هَمَّ بضربها.
 
فكأني برسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول للرجل: إذا دفعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى ضرب امرأتك، فاذكر حاجتك إليها ورغبتك فيها بعد قليل، وحاول أن تجعل الأجواء صافية دائماً لهذا اللقاء المنتظر والمتكرر، وهو لقاء له ما بعده، فإنه ليس مجرد متعة تنتهي بعد دقائق، ولكن قد يكون من ورائه ولد تقر به العين، وينشرح به الصدر، فهل يريد الرجل أن يكون هذا الولد ضعيف الشخصية تتناوشه العقد النفسية وتنتابه تلك الانفعالات الموروثة التي تم غرسها في الجينات التي يحملها.
 
والحكيم من الناس من يدرك الخطر قبل وقوعه، ومن يَتَحَكَّمْ بعقله في عواطفه وانفعالاته، ويزن الأمور بميزان عادل بحيث لا تتناقض ولا تختلف.
 
وقد عرفنا – في الوصيتين السابقتين – أن السكون النفسي والجنسي نعمتان متلازمتان، لا تتأتى إحداهما دون الأخرى، وأن السكون الجنسي تابع للسكون النفسي، فلا يتم إلا به.
ويؤخذ من هذه الوصية فوق ما ذكرناه أن الرجل المثالي لا يُقْدم على ضرب امرأته إلا عندما يستحكم الشقاق ويستحيل الوفاق؛ فما ضرب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – امرأة من نسائه قط، وكان إذا أذن لرجل ضرب امرأته يتلطف به حتى لا يهم بأمره، فيكون إذناً بالضرب حقاً له إذا استدعى الأمر ذلك، ونهياً عنه بطريق الترغيب في الصبر عليها ابتغاء الأجر، وما أعظمه من أجر!
 
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ".
 
فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ  كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ".
 
فقوله: "لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ". جعل الكثير من أصحابه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يمتنعون من ضرب نسائهن؛ لكي يكونوا من خيرة الأخيار، لأنهم كانوا يسارعون، فيتنازلون عنه عن رضا وطيب نفس رغبة في الترقي إلى سلم الكمال، فيتركون ضربهن عن رغبة لا عن قهر.
 
ولو لم يأذن لهم بالضرب أولاً لتولي النساء كبرهن وتعالين على أزواجهن، فلم يتمكن الرجال من تأديبهن وردهن إلى الصواب من القول والعمل.
 
ولو لم يقل: "لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ" ما عدلوا عن ضربهن، وفي ذلك من السوء ما لا يخفى، فأنعم به من أسلوب تربوي حكيم، تقطعت دونه أعناق المربين.
 
ولقد كان النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لا يكف عن ترغيب الرجال في حسن معاشرة النساء وترك مضارتهن، وكان دائماً يقول: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي".
 
أي اجعلوني قدوتكم في معاملة نسائكم، وقد أمرتم بذلك، فاتبعوني وأطيعوا أمري.
 
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (سورة الأحزاب: 21).
 
{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (سورة الحشر: 7).
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم