لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً. إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ".
من المعلوم لدينا جميعاً أن الإنسان إذا ما أعطى شيئاً حرم آخر، فهو مرفوع في جهة مخفوض في جهة أخرى، فإن استحق الثناء على صفة من صفاته أو فعل من أفعاله فلابد أن يلاحقه الذم في صفة أو أكثر أو في فعل أو أكثر، فليس لأحد أن يدعي الكمال في شيء إلا الأنبياء، فإن لهم الكمال البشري، فلا يعابون على شيء فعلوه أو اتصفوا به، ومع ذلك فإنهم لا يجدون كل ما يحتاجون إليه في هذه الحياة، وربما عاش الكثير منهم كفافاً لا يجد من العيش ولا من الثياب إلا ما يسد الرمق ويستر العورة.
              ما استكمل المرء من حاجاته طرفاً
                                 إلا وأدركه النقصان من طرف
ولذلك ينبغي ألا يطلب المرء التمام في كل شيء، فإن التمام محال في دنيا مليئة بالمنغصات، حتى قيل: "انتظر هلاكاً إن قيل تم".
"وما تم شيء إلا أخذ في النقصان".
وعلى ضوء ما ذكرناه يفهم هذا الحديث ويعرف ما وراء معانيه من المقاصد السامية، فإن الرجل إذا تزوج امرأة أعجبته في خلقها وخُلُقها فلا يفترض أبداً أنها قد حازت الغاية في كل ما يبتغيه منها.
إنها امرأة تمدح في كذا وكذا، ويعاب عليها في كذا وكذا، هذا شيء لابد منه، فلا ينبغي له إذا أن يبغضها بغضاً يحمله على هجرانها وإيذائها أو طلاقها، بل لابد أن يزن محاسنها ومساوئها بميزان صحيح، فإن وجد محاسنها أكثر من مساوئها فهي نعم الزوجة.
والمؤمن الحق هو الذي يرضى بما قسم لله له، ويحمده على وافر نعمه، وإن رأى ما يسوؤه صبر واحتسب أجره على الله عز وجل.
وإذا كمل إيمانه رأى في المحن منحاً فحمد الله عز وجل في الضراء والسراء وفي الشدة والرخاء، لعلمه أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
ومن أحسن ما ذكروا أن رجلاً صالحاً تزوج امرأة صالحة، وكان رجلاً دميم الوجه تبغضه النساء، وكانت هي من أجمل نساء العرب – نظرت إليه يوماً في صفاء فتبسمت، فسألها عن سر تبسمها، فقالت: أنا وأنت من أهل الجنة إن شاء الله.
فقال: ومن أين عرفت ذلك؟
فقالت: تزوجتك فصبرت، وتزوجتني فشكرت، والجنة للصابرين والشاكرين.
فانظر إلى ملاحتها وفكاهتها وطيب حديثها وفهمها لقواعد الدين مع جمال الخلق والخُلق فهي تداعبه ولا تعيره، وتلاطفه في خفة وظرف.
والعاقل من يضع لنفسه مقاييس يعرف بها الحسن من القبيح، والطيب من الخبيث ويميز بها الخير من الشر، ويحكم على الأشياء بحكم صحيح، فلا يقطع بأمر إلا إذا عرف وجه الخير فيه.
فالزوج مثلاً قد يرى من زوجته عيباً في خلقها أو في خُلقها فلا ينبغي أن يفركها – يعني يبغضها – فإنه إن كره منها خُلقاً رضى منها آخر.
فقدر – مثلاً – أنها غيور أكثر مما يجب، أو سليطة اللسان، أو مهملة بعض الشيء في نظافة بيتها، أو في تربية أولادها فإن هذا كله مما تعاب به ولكنها عفيفة أمينة على مال زوجها، صادقة في أقوالها وأفعالها، ودودة لأهل زوجها، محبة لجيرانها، إلى ما هنالك مما يحسب لها.
فعلى الرجل أن يضع هذا وذاك في الميزان فإنه سيجد ما تعاب به أمراً هيناً لا يستوجب بغضه لها.
ولو نظر إلى ما في غيرها من العيوب لهانت عليه عيوبها.
وما يقال للرجل يقال للمرأة أيضاً فالخطاب له ولها إلا أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وجه الخطاب للرجل لأن العصمة بيده، ولأنه هو القوام عليها وفي إمكانه إن يتزوج غيرها ليجد عندها ما يفتقد فيها، فكان خطابه له من باب استدرار عطفه عليها ورحمته بها، واستجلاب إحسانه إليها.
ويلاحظ أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد اهتم في هذه الوصية بالجانب الخُلُقي أكثر من اهتمامه بالجانب الخلقي، فقال: "إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" وذلك لأن الجانب الخلقي أهم بكثير من الجانب الخلقي لدى الرجل والمرأة، فالعاقل منهما ينظر أولاً إلى الدين والخلق ثم ينظر بعد ذلك إلى الجوانب الجسمية والمادية.
              جمال القد مع قبح النفوس        كقنديل على قبر المجوس
ولا شك أن الرجل قد يبغض المرأة لقصور في بعض مناحي الجمال فيها فلا ينبغي أن يتمادى في هذا البغض حتى تظهر آثاره في أقواله وأفعاله، فإنه إن كره منها ناحية رضي منها بناحية جمالية أخرى، وذلك مفهوم من فحوى الحديث وسياقه.
ويلاحظ أيضاً أن المؤمنة لا ينبغي لزوجها أن يبغضها لعيب في خُلُقها أو خلقها لأن إيمانها يشفع لها، والمؤمنات بالنسبة للمؤمنين قليل.
فمن ظفر بذات الدين فقد نال منتهى البغية، ويكفي أنه إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه.
قال تعالى: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } (سورة النساء: 34).
والمخاطب في هذا الحديث هو المؤمن؛ لأنه هو الذي ينتفع بالذكرى وتؤثر فيه الموعظة، وهو الذي يستجيب لله وللرسول لما فيه سعادته في الدنيا والآخرة.
ولذا لم يقل رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لا يفرك رجل امرأة، بل قال: "لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً".
وهذا الحديث تفسير وبيان لقوله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } (النساء: 19).
والمعاشرة هي المخالطة والمسايرة والتعاون على البر والتقوى، وهي تقتضي الوقوع من الطرفين كما هو معلوم من هذه الصيغة.
والخطاب في الآية للرجال بالأصال وللنساء بالتبعية، فلا يظن أحد أن الخطاب للرجال وحدهم، وإن بدا أنه متوجه إليهم، وهذا كقوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } (سورة الروم: 21).
فالخطاب – أيضاً – فيها متوجه إلى الرجال والنساء معاً، إذ إن كلاً منهما يميل بطبعه إلى الآخر، ويسكن إليه نفسياً وجنسياً، ويجد معه الأنس والسرور فهي نعمة أنعم الله بها على الزوجين معاً.
وكثيراً ما يجيء الخطاب للرجال ويراد النساء به تبعاً لهم، وهذا ما يسمى في اللغة بالتغليب؛ بمعنى أنه يغلب جانب الرجال على النساء في الخطاب تشريفاً لهم، أو لأنهم قوامون عليهن.
والمعروف هو الذي يقره الدين القويم وترتضيه الطباع السليمة، ولا يجد الناس فيه ما يعاب.
وقوله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } يقتضي أن يكون المعروف هو الحكم بين الرجال والنساء عند عدم وجود النص الذي تقدر به الحقوق، وتعرف به مقاديرالواجبات.
والباء في المعروف للمصاحبة، والجار والمجرور جملة حالية.
أي وعاشروهن حال كون المعاشرة قائمة على المعروف ومبنية عليه.
وقوله – جلا وعلا - : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ } معناه.
إن كرهتم شيئاً فيهن يتعلق بأوصافهن الخلقية والخلقية { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }. وهو وعد مؤكد لا شك فيه، فإن "عسى" في جانب الله ليست للرجاء فحسب وإنما هي للترجية، والترجية من الله وعد، والله لا يخلف الميعاد، وكذلك "لعل" فإنها في جانب الله للتحقيق أيضاً.
كقوله تعالى: { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } (سورة الطلاق:1).
والخير كلمة واسعة الدلالة في حصول منتهى البغية، فهو من الألفاظ التي لا تقف معانيها عند حد كالإحسان والبر والتعاون ونحوها من الكلمات المبسوطة في القرآن والسنة وكتب اللغة.
وانظر كيف وصف الله "الخير" في الآية بالكثرة، فإن هذا الوصف توكيد لحصول الخيرية، وتعميق لمفهومهما.
والمعنى: - أنه ما عاشر امرأته بالمعروف، وعاشرته بالمعروف، وكره أحد الزوجين من الآخر شيئاً فصبر واحتسب أجره على الله – تعالى – فإن الله – جلت قدرته – سيجعل لمن صبر واحتسب منهما خيراً يلقاه في الدنيا، ويلقاه في الآخرة.
ولو فهم الناس هذه الآية على هذا الوجه الذي ذكرته ما وسعهم إلا أن يصبروا على ما ابتلاهم الله به، ويرضوا كل الرضى بقضائه وقدره، ويشكروه ما استطاعوا على وافر نعمه وواسع فضله. فكل محنة فيها منحة.
ومن الناس من يرى المحن ولا يرى المنح، ومنهم من يراهما معاً متقاربين أو متباعدين، ومنهم من لا يرى إلا المنح، وهؤلاء هم أصحاب الدرجات العلى. إنهم يعلمون أن الله لا يختار لعبده إلا الخير، وأن الخيرة فيما اختاره الله لعبده لا فيما اختاره العبد لنفسه، وأن المحنة إنما هي أمر ظاهر، والمنحة أمر باطن فيها.
والراسخون في العلم هم الذين يعلمون بواطن الأمور لهذا تراهم لا يسخطون على شيء أبداً، بل تراهم يستقبلون المحن استقبال المنح فيفرحون بقدومها لأنهم يعلمون أن الصبر عليها أعظم منحة.
وربما رأوا المنح محناً في بعض الأوقات لما فيها من الفتن، قيل: إن رجلاً من الصالحين كان إذا جاءه مال قال: "أخشى أن يكون دنباً عجلت عقوبته".
وهذا الكلام العالي له مواطن آخر نسبح في معانيه ومراميه، ويكفينا أن صبر الرجل على امرأته، وصبرها عليه من أعظم أنواع الصبر، لأن به تدوم العشرة ويحفظ الود وتزداد الألفة، ويصلح شأن الأسرة، وبصلاحها يصلح المجتمع كله.
فافهم هذا وبالله توفيقك.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم