وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنِّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ". 
كان العرب في الجاهلية يكثرون الحلف بآبائهم وأمهاتهم وأصنامهم، فنهى النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عن ذلك؛ لما فيه من تعظيم غير الله تعالى، وهو لا يليق بمن آمن بالله، وأخلص له دينه، واستحضر عظمته وجلاله في قلبه.
 
فإن من عرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى وأوصافه العلى أحبه أشد من حب لأبيه وأمه، بل أشد من حبه لنفسه، ولم ير في الوجود سواه، فإذا اضطر إلى الحلف لا يحلف إلا به عز وجل.
 
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ" أي لا تحلفوا بأصولكم فالأب لفظ يطلق على الجد، وأبى الجد إلى آدم عليه السلام.
 
والأم لفظ يطلق ويراد به من باشرت الولادة وأمها وأم أمها إلى حواء – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا –.
 
ويقاس عليه الحلف بالأبناء وأبناء الأبناء؛ لاشتراك الجميع في العلة، وهي تعظيم غير الله عز شأنه.
 
وقوله: "وَلَا بِالْأَنْدَادِ" أي المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله.
 
والنهي عن الحلف بالأنداد جاء تبعاً واستطراداً للنهي عن الحلف بالآباء والأمهات، لأن الصحابة لم يكونوا بعد الإسلام يحلفون بها، فالنهي لهم والمراد غيرهم، على حد قولهم في الأمثال: "إياك أعني وأسمعي يا جارة".
 
فهو تعريض بالأصنام وعابديها، وفي التعريض دعوة لعابديها إلى تركها والتخلي عن عبادتها، إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل.
 
هذا ما فهمته من النهي عن الحلف بالأنداد لمن أسلم.
 
وقد يراد بالأنداد: السادة والأشراف، فقد كان بعضهم يحلف بسيد قبيلته تقرباً إليه ومجاملة له، كما يفعل كثير من المنافقين والأفاكين في جميع العصور.
هل النهي للكراهة التنزيهية – وهي ما كانت خلاف الأولى – أم للكراهة التحريمية – وهي القريبة من الحرمة – أم النهي للتحريم، كل ذلك قد قيل، وهو مبسوط في كتب الفقه.
 
فالمشهور عند المالكية الكراهة، وبعضهم يقول بالتحريم.
 
والمشهور عند الحنابلة الحرمة، وبه جزم الظاهرية، وعلى رأسهم داود وابن حزم.
 
ومن الشافعية من يقول بالحرمة ومنهم من يقول بالكراهة، والقول عندهم بالكراهة أشهر.
 
والأصح أن في المسألة تفصيلاً.
 
فمن اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به قطعاً، وكان بذلك الاعتقاد كافراً.
 
ومن حلف بغير الله غير معتقد هذا، كان حلفه مكروهاً، لكن إذا جرى هذا على اللسان من غير أن يعقد القلب عليه، فهو لغو لا حكم له.
 
وقد جرى على ألسنة العرب: لا وأبيك، لا وحياتك، من غير أن يقصدوا الحلف، فلا يؤاخذون به، ولا ينهون عنه.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ" يعني إذا كان ولابد أن تحلفوا لاتقاء شر أو رفع ضر أو رفع تهمة فليكن حلفكم بالله وحده، فهي اليمين التي تنعقد وتعتبر، ويترتب عليها آثارها في الوفاء والحنث.
 
ولما كان المؤمن لا يعظم إلا الله لم يكن له أن يحلف – عند الضرورة – إلا به؛ تأدباً معه، ومراعاة لحقه عليه، فهو الذي بيده نجاته وكشف ضره وتبرئته مما لحق به من تهمة أو مظنة، إذ كيف يحلف بغيره وبيده أمره كله.
 
وقوله: "وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ" تحجيم لدواعي الحلف، ونهي عن الإكثار منه، وقصره على حالة الصدق وحدها.
 
وبيان هذا أن المرء قد يكثر من الحلف على الأمور العظيمة والهينة ولا يبالي بالنهي عن ذلك في قوله جل وعلا: { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (سورة البقرة: 224).
 
وكثرة الحلف في هذه المواطن وغيرها تفقد المرء مصداقيته في بعض الأحيان، وتجره إلى التهاون في كثير من الأمور التي لا ينبغي التهاون فيها، كتأدية الشهادة، والوفاء بالوعد، وغير ذلك.
 
ومعنى الآية: لا يجعلوا الله معرضاً للحلف في الإبرار بعهودكم ووعودكم، وصلة أرحامكم، واتقاء ما تخافون بأسه وتخشون شره، وفي الإصلاح بين المتخاصمين، فإن ذلك يعتبر تهاوناً بما يترتب على هذا الحلف من العواقب التي لا تحمد، فتندمون على أنكم حلفتم حيث لا ينفع الندم.
 
وهناك معنى آخر للآية يضاف إلى المعنى الأول حاصله: لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَلَّا تَبَرُّوا، وَألَّا تَتَّقُوا، وَأَلَّا تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، على حد قوله تعالى: { وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ } (سورة النحل: 15). أي: لئلا تميد بكم.
 
ومن هذا البيان يتضح لنا أن النهي في قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –"وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ" للتحريم قطعاً؛ لأن الحلف بالله كذباً من أكبر الكبائر وأعظمها، وهذا اليمين يسمى يمين الغموس؛ لأن صاحبها يغمس بها في جهنم، مع من قال الله فيهم:      { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ  وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ  إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ } (سورة    الواقعة: 41-46). والحث اليمين الكاذبة الفاجرة، نسأل الله السلامة من شرها.
 
ومن أجل ذلك كان هذا النهي محجماً للحلف في ذاته، بمعنى أن المسلم يجتنب الحلف ما أمكن فلا يقدم عليه إلا عندما يدعي إليه، أو يكون مضطراً، وإن حلف حلف على حق أقر به أو أقر به غيره، أو على شيء لا ينوي الخلف ولا الخيانة فيه.
 
فالمؤمن من شأنه أن يكون صادقاً في أقواله وأفعاله وجميع أحواله – صادقاً مع الله، وصادقاً مع الناس، وصادقاً مع نفسه.
 
فالصدق صفة جامعة لخصال الخير كلها.
فما من صفة محمودة إلا كان الصدق منبعها ومصبها.
 
يقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } (سورة التوبة: 119).
 
نسأل الله أن يجعلنا منهم بعظيم فضله وواسع رحمته.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم