اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ - الموبقة الثانية السحر

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

والموبقة الثانية التي أمرنا النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – باجتنابها هي السحر، وهو أخو الكفر إن لم يكن الكفر نفسه.
 
يقول الله – عز وجل – في شأنه اليهود الذين اتبعوا السحرة من شياطين الإنس والجن وصنعوا صنيعهم: { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } (سورة البقرة: 102).
 
أي: واتبع هؤلاء اليهود ما كانت تتلوه الشياطين على عهد سليمان، يعني: في زمن ملكه. { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } أي: ما سحر ولا تعلم السحر{ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } لأنهم تعلموا السحر وعلموه الناس.
 
وكان شياطين الجن يعلمون شياطين الإنس، وكان هاروت وماروت رجلين يتظاهران بالصلاح والتقي، حتى لقبهما الناس بالملكين، وكانا من أبرع الناس في السحر، فإذا جاءهما من يطلب منهم أن يعلماه السحر أبيا عليه في أول الأمر، وقالا له: { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي: محنة وبلاء، { فَلَا تَكْفُرْ } بتعلمك السحر واتق الله وابتعد عن هذا الطريق. فلا يزداد إلا عزماً على تعلمه، فيعلمانه ما يفرق به بين المرء وزوجته.
 
ولكن الله – عز وجل – يقول: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (سورة البقرة: 102).
 
فهؤلاء السحرة ليس لهم في الآخرة نصيب من رحمة الله، بل لهم عذاب فوق العذاب بما كانوا يفسدون.
وقد كان قوم فرعون يجيدون نوعاً من السحر غير الذي يعرفه البابليون، فرد الله عليهم كيدهم في نحورهم بالمعجزة التي أيد بها نبيه موسى – عليه السلام.
 
وهي العصا التي تلقفت كل ما صنعوا، وفي هذا يقول الله – عز وجل -: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ } (الأعراف: 117-119).
 
وقال في آية أخرى: { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } (سورة يونس: 81).
 
وقال عز من قائل: { إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } (سورة طه: 69).
 
والساحر يقتل إذا لقى الناس منه شراً بعد أن يستتاب، فإن تاب ورجع عن غيه تركناه وشأنه حتى يحكم الله في أمره وهو خير الحاكمين.
 
وعلى كل مسلم أن يعتزل السحرة أجمعين، ولا يتعامل معهم أينما كانوا، ولا يقترب منهم حيثما وجدوا، ولا يأتي كاهناً يدعي أنه يتصل بالجن فيطلعونه على بعض الأمور المغيبة، ويخدمونه في إخراج الأعمال وتلبية الرغبات وإحضار الغائب وما إلى ذلك من الدعاوي الباطلة.
 
وكذلك العراف الذي يفتح الكتب المزيفة وينظر في النجوم وهو أجهل من الدواب، ويقص الأثر ويضرب الرمل ويفتح المندل وما إلى ذلك مما لا يصدقه عقل ولا يقره عين.
 
روى البزار عن عمران بن حصين – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال: قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –".
وروى مسلم في صحيحه عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً".
 
ولا يخفى علينا ما يقوم به السحرة من إفساد للعقيدة وإضرار بالمجتمع ونشر للخرافات القديمة والخزعبلات المتوارثة.
 
ولا يغيب عن أذهاننا ما نسمع به وما نراه وما نقرأه في الصحف وغيرها عن أحوال هؤلاء السحرة وما يفعلونه بالنساء على الخصوص وما يفعلونه في الرجال السذج، وما يتعاطونه من هؤلاء وهؤلاء من أموال طائلة.
 
وإذا ساد الجهل عم الفساد في الأرض، وإذا حلت الخرافات محل التعاليم الدينية والنظريات العلمية – أطل هؤلاء السحرة برءوسهم التي يجب قطعها وبثوا سمومهم في المجتمع، الذي جعل نفسه بإرادته نهباً لهم وفريسة تأتيهم إلى أماكنهم.
 
وأهل العلم لا يعجزون عن ملاحقة هؤلاء السحرة والضرب على أيدهم بمطارق من حديد، ولكن ينبغي أن تفتح لهم أجهزة الإعلام أبوابها؛ ليقولوا كلمة الحق ويقوموا بواجبهم في توعية المجتمع وتبصيره بأخطار هؤلاء، ويكشفون لهم بالحجة والبرهان أكاذيبهم وألاعيبهم. والله المستعان.
 
وقد تقول: إن كلامك هذا يوحى بأنه ليس هناك سحر؟
 
أقول نعم: ليس هناك سحر في هذا العصر، ولو وجد فإنه يكون نادراً جداً، والنادر لا حكم له.
 
واعلم أن السحر لو وجد لا يصيب إلا ضعفاء الناس من النساء وأهل البدو والبسطاء من الرجال.
ولو أصيب أحد بسحر فإنه سرعان ما يزول بذكر الله وتلاوة القرآن، وتقوية الإرادة بالعلم والحكمة، والجلوس مع أولي العزم والحزم، والسماع لأهل الرأي والمشورة، طرد كل الوساوس التي توحي بأنه مسحور.
 
فأقول: نعم، ولكن السحر لم يؤتر فيه، ومع ذلك أنزل الله عليه وسورة الفلق وسورة الناس، وهم سورتان يتعوذ بهما المسلم من السحر والحسد وشياطين الإنس والجن.
 
وقضية سحر النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد تكلم فيها العلماء كثيراً، وناقشتها أنا بحمد الله تعالى في بعض كتبي منها: كتاب الطبري ومنهجه في التفسير في الفصل الرابع، بعنوان: تتمة في قضايا مهمة، وكتابي: القاسمي ومنهجه في التفسير في الفصل الرابع.
 
وقد تكلمت أيضاً عن السحر وتأثيره وعلاجه بإيجاز شديد في كتابي: بين السائل والفقيه.
 
وقد تكلمت عنه بتوسع في كتاب لم يطبع بعد، وذكرت فيه: حقيقة السحر، وأنواعه، وكيفية الوقاية منه، وكيفية العلاج من أدوائه إذا وقع، إلى آخر ما هنالك من المسائل الملحة التي يحتاج الناس إلى جواب شاف عليها.
المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم