لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ،
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ".
الخلوة بالأجنبية ريبة ومذمة، وخيانة وقتنة، وإثم عظيم لمن تكرر منه ذلك أو تهاون بهذا الأمر واستخف بما يترتب عليه من الآثار.
 
وقد سبق بيان هذه الآثار في الوصية التي قبلها.
 
وسفر المرأة من غير محرم مسافة يخشى عليها من التعرض لخطر يلحقها مخاطرة بالنفس، وخروج عن حد اللياقة والأدب والعرف الذي ينبغي أن يراعي ويتبع.
 
والرجل الحازم الغيور لا يدع امرأته تخرج في سفر – ولو إلى طاعة – وحدها دون أن يكون معها، أو يكون معها ذو محرم منها.
 
وفي هذه الوصية تحذير شديد للمرأة وللرجل معاً، بوصفه قواماً عليها ومسئولاً عن حمايتها.
 
وهذه الوصية واضحة في معانيها ومراميها، لا تحتاج منا إلا إلى لمسات من البيان.
 
وإليك – أيها الأخ المسلم – هذه اللمسات في خفة وتعفف عن سوء المقال وذكر سيئات الأعمال، التي تترتب على الخلوة بالمرأة وعلى سفرها دون أن يصحبها زوجها أو ذو محرم منها.
قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا يَخْلُوَنَّ" نهي شديد اللهجة مؤكد بدون التوكيد الثقيلة عن الخلو بالأجنبيات في أي مكان تتحقق فيه الخلوة.
والخلوة معناها: أن يلتقي الرجل مع المرأة في مكان يتمكن فيها منها لو أراد ذلك.
 
وحر النساء بعدهن عن الرجال بقدر الإمكان درءاً للمفسدة ودفعاً للتهمة وصيانة لأعظم شيء ينبغي أن يصان.
 
وقوله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنهَا" ليس شرطاً في الخلوة؛ لأنه لو كان معها محرم لا تسمى خلوة، ولكنه بيان للحال التي ينبغي أن تكون مصاحبة للمرأة عند الالتقاء بالرجال، بدليل ذكر الواو، فإن لم يكن في الرواية واو فإنها تقدر؛ لأنها أحياناً تحذف تخفيفاً.
 
والمعنى أنه لا ينبغي أن يلتفي الرجل بالمرأة إلا في حالة وجود المحرم، ولا تسمح له بهذا إلا ومعها محرم حاضر، لا ليدافع عنها إن وقع اعتداء عليها فحسب، ولكن لتدفع عن نفسها الريب والشبهة ومقالة السفهاء، والعرض كما ذكرنا كاللبن الخالص تعكره أي شائبة، فلا يعود إلى ما كان عليه غالباً.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" أسلوب نهي من غير توكيد؛ لأن سفرها في الغالب لا يكون إلا مع محرم، وقل أن تفكر في السفر؛ لأنها ليست في حاجة إليه كالرجل، فالرجل يسافر كثيراً من أجل طلب الرزق، أما هي فإنها تكون تابعة لزوجها إن أراد أن تصحبه، أو تسافر لتأدية فريضة الحج؛ لهذا لم يؤكد هذا النهي بأداة التوكيد، فتأمل في هذا الأسلوب الحكيم ولا يغب عن ذهنك دقته في التعبير.
 
وقول الرواي: "فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا": يدل على أنها خرجت من غير محرم، وإن لم يصرح بذلك، وبدليل قوله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ"؛ إذ لو كان معها محرم ما منعه من الجهاد وهو قربة من أعظم القربات.
 
وقد تسألني: كيف أمره أن يترك الجهاد في سبيل الله ليحج مع امرأته، وقد نواه وعزم عليه وتأهب للقاء العدو، والجهاد من أفضل الأعمال.
فأقول لك: إن صيانة العرض من أوجب الواجبات، وهو أمر متعين عليه، والجهاد فرض على الكفاية: إن قام به البعض سقط عن الباقين.
 
وقد يضاف إلى ذلك أن الحاجة قد لا تكون إليه ماسة، والجند يومئذ كثير.
 
وربما يؤدي به التفكير في امرأته وتأنيب نفسه على تركها تحج وحدها في سفر طويل ذاهبة وآيبة، فيعوقه هذا التفكير عن القتال، ويحطم روحه المعنوية أو يقلل من عزمه ويحد من حركته في الكر والفر.
 
ولا يخفى علينا ما يعانيه المرء من الأحوال النفسية والعصبية عندما ينقطع عن أهله وهم في غير مأمن، وليس معهم من يعولهم ويدفع عنهم السوء ويخفف عنهم ما قد ينزل بهم من مصاب.
 
والرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – طبيب الأطباء وحكيم الحكماء، وهو مع عبقريته التي لا تداني يتلقى الوحي من ربه، فلا يكون لأمره أو نهيه رد ولا على حكمه اعتراض – صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-.
والسفر الذي لابد للمرأة فيه من محرم لا يحد بمسافة القصر ولا بالليالي والأيام، ولكنه يحد بالمسافة أو المدة التي يتوقع أنها تكون في خطر، إذا لم يكن معها محرم.
 
وقد يقال: إنه قد وردت الأحاديث تحدد المسافة والمدة وكلها في صحيح مسلم.
 
فعن ابن عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أن رسول– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَاً، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
 
وفي رواية عنه: "ثَلَاثَ لَيالٍ".
وعن أبي سعيد الخدري قال في حديث طويل: وسمعته يقول: "لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنْ الدهر إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ منها أَوْ زَوْجُهَا".
 
وعنه أيضاً أن نبي الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
 
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مسلمة تُسَافِرَ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُل ذو حُرْمَة مِنْهَا".
 
أقول: أن هذه الأحاديث تدل على عدم التحديد لا على التحديد، وتفيد في جملتها أن العدد لا مفهوم له، وأن المعول عليه هو ما ذكرناه من أن السفر الذي لابد فيه من المحرم هو الذي يخشى عليها فيه من الخطر.
 
فإذا أرادت المرأة أن تسافر إلى مكان ولو كان بعيداً والطريق آمن ومعها رفقة مأمونة، قامت هذه الرفقة مقام المحرم.
 
والرفقة المأمونة هي المكونة من رجلين وثلاث نسوة كما يقول المالكية، أو أربع نسوة كما يقول الشافعية.
 
ولا ينبغي أن نتشدد في هذا الأمر كثيراً، ولكن يجب أن نراعي الظروف التي تسافر فيها المرأة، وتراعي أيضاً قدرتها على حماية نفسها وخبرتها بالطريق وثقافتها، ومدى العمران الذي تسير فيه، فإن هذا يجعلنا نفتي بما يوافق سماحة الإسلام ويسره، ونرخص في إباحة ما منع من أجل الضرورة وفقاً لعموم قوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (سورة البقرة: 173).
 
وقد أخذ الأصوليون من هذه الأية قولهم في القواعد الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات"، وقولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، وقولهم: "المشقة تجلب التيسير".
 
والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم