فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".
الزواج مطلب من أسمى المطالب العلية لما فيه من حفظ النسل، واستقرار الحياة البشرية على الأرض في وضع يتمكن فيه الإنسان من عمارتها وإصلاحها على النحو الذي أراده الخالق – عز وجل - .
 
فالمرأة والرجل شريكان في هذه الخلافة يتعاونان معاً في إقامة حدود الله، وتأدية ما افترض الله عليهما، بحيث يكون كل منهما ردءاً للآخر في تحقيق ما يصبو إليه كل منهما، وشريكاً له في تحمل تبعات الحياة بقدر طاقته البشرية.
 
ولكي يستطيع كل منهما أن يقوم بواجبه نحو الآخر كان لابد لكل منهما أن يتخير من يألفه قلبه، ويميل إليه طبعه، وتسكن إليه نفسه، ويجد فيه أنسه وسلواه، ويرى فيه من المحاسن ما يحمله على الزواج منه، والاقتران به في بيت واحد يسمى بيت الزوجية، ويكفل لهما الحياة الكريمة في جو هَادِئ يسوده الحب والوفاء، ويعمه الأمن والرخاء.
 
ولو ترك المرء لفطرته لأحسن الاختيار؛ فإنه لا يختار حينئذ إلا من ائتلفت روحه بروحه، واتفقت طباعه مع طباعه، "الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 
ولكن الإنسان قد تتخطفه الشياطين فتهوى به إلى مكان سحيق فيضل ويذل ويخطئ الطريق، أو تتلاعب به الأهواء فتنسيه خصائص فطرته فيرغب عن متطلباتها كلها أو بعضها، فيتخبط في الحياة ولا يحسن الاختيار في كثير من الأمور، فيقع فيما يرديه فيندم حيث لا ينفعه الندم.
 
فالرجل مثلاً عندما يرغب في الزواج تتناوشه عدة أغراض في المرأة التي يريد الزواج منها، بعضها بالنسبة له أولى والآخر ثانوي.
فمنهم من جعل المال هو أساس الاختيار، ومنهم من يجعل الجمال هو الأساس، ومنهم من يجعل النسب هو الأساس، ومنهم من يجعل الدين هو الأساس وما سواه تبعاً له، فأيهم المخطيء وأيهم المصيب؟
 
في هذا الحديث جواب عن هذا السؤال مقرون بوصية غالية فيها الخير كله للأفراد والأسر والمجتمعات، وهي قوله: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".
 
والرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – معلم حكيم، لا يلقى بهذه الوصية دون مقدمات تمهد الطريق لها بأسلوب يعمقها في النفوس المؤمنة، بحيث لا يسعها إلا قبولها والعمل بها. فهو يقدر الأغراض العامة التي من أجلها تنكح المرأة ويجعل الدين آخرها ليرتب عليه هذه الوصية؛ حتى يعلو الدين في نظر الناس عن سائر الأغراض المذكورة قبله، وهو فن من فنون البلاغة عجيب ينبغي أن نتعلم منه كيف نعمق المفاهيم الصحيحة في عقول الناس وندعوهم إلى التأمل والنظر فيما ألقى إليهم ليختاروا من الأمور أحسنها وأنفعها بثقة وقناعة.
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ" كلام مجمل فصله بقوله:"لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا" والتفصيل بعد الإجمال فيه دفع للتوهم والإشكال، وإزالة لما قد يعتري العقول من لبس واشتباه.
 
وهذه الأمور الأربعة ليست هي كل الأغراض التي من أجلها تنكح المرأة، وإنما هي أصولها العامة. ولو كان يريد الحصر لقال: "َإنَّما تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ".
 
ولا شك أن هناك أغراضاً أخرى يبتغيها الرجل في المرأة عند الاختيار، بعضها لنفسه، وبعضها لله – عز وجل.
 
فهناك من يرغب في المرأة المثقفة ثقافة دينية أو دنيوية أو هما معاً.
 
وهناك من يتزوج أم اليتامى ليعولها ويعولهم ويحسن إليهم؛ رغبة في الثواب العظيم.
بل هناك من يتزوج العانس رغبة في التخفيف عنها والإنعام عليها.
 
وهناك من يتزوج المرأة لتربية أولاده من غيرها.. إلى غير ذلك من الأغراض التي نعرفها.
 
لكن هذه الأغراض الأربعة المذكورة في الحديث هي التي يضعها الأزواج في الغالب موضع الاعتبار.
 
فالمال خضرة حلوة يتطلع إليها الرجال والنساء، فهو يرغب فيها وهي ترغب فيه من أجله – أليس هو عصب الحياة وشريانها الحيوي وعمودها الفقري؟!
إنه كذلك حقاً. لا يشك في ذلك أحد.
 
وما أحسن ما قال شوقي:
إن الدراهــم في الأمـاكن كلها              تكسو الرجال مهابـة وجمالاً
فهي اللسان لمن أراد فصاحة               وهي السلاح لمـن أراد قتالاً
إن الغنــى إذا تكلــم بالخطــا               قالوا أصبت وصدقوا ما قالا
إذا الفقيـر أصاب قالوا كلهــم               أخطأت يا هذا وقلـت ضلالاً
 
والواقع يشهد أن طلب المال ضرورة لابد منها، والدين يحتم طلبه بشدة؛ لأن منهجه يقوم على الواقع ويلبي رغبات الناس جميعاً على اختلاف أجناسهم
 
من هذه القواعد قوله تعالى: { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } (سورة القصص: 77).
 
وقوله جل شأنه: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (سورة الملك: 15).
 
وقوله عز من قائل: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (سورة الجمعة: 10).
 
أي وابتغوا من رزق الله بالتجارة والصناعة ونحوها من الأعمال.
 
وبني الإسلام على طلب المال أحكاماً كثيرة منها ما يوافق موضوع هذا الحديث.
 
كقوله جل شأنه في سورة النور: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } (آية: 33).
 
فالرجل إذا لم يجد نفقات الزواج فلا يقدم عليه، وليصبر حتى يغنيه الله من فضله العظيم بالسعي والتكسب.
 
وقد وضح النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا المفهوم بقوله: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطِيعُ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَليه فَلْيَصُمْ فَإِنَّه لَهُ وِجَاءٌ".
 
والباءة هي القدرة على النفقة وتأدية الحقوق الجنسية.
 
والرجل أحياناً يرغب في المرأة ذات المال لينتفع به هو وأولاده منها، وقد لا تمكنه المرأة من ذلك فيكون بخلها عليه سبباً في الشقاق بينهما غالباً، وربما تطغى عليه بمالها، وتمن عليه بما تعطيه منه وتشعره بأنه ليس رجلاً كالرجال، فمن شأن الرجل أن يعطي وليس من شأنه أن يأخذ.
 
والمرأة المنانة شر لا يطاق، والرجل لو كان يسمع أو يعقل ما وقع في حبالها، لكنه الطمع الذي يعمى ويصم.
 
ولقد قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر".
 
وليس عيباً أن يتزوج الرجل المرأة ذات المال، فإن المال نعمة من نعم الله تعالى، وهو حصن لها من غاب أو مات عنها، وحصن لأولاده، ولكن العيب أن ينظر إلى المال وحده، ويجعله مبلغ همه.
 
ولا بأس أن يرغب الرجل في المرأة لجمالها، بل هو المطلوب شرعاً؛ لأنها بجمالها تعصمه من الافتتان بغيرها، وتمته بنفسها متعة يجب أن يشكر الله عليها، ولكن ينبغي ألا يجعله مبلغ همه أيضاً؛ فإن جمالها قد يرديها ويوقعها فيما لا تحمد عواقبه، فيكون وبالاً عليه وعليها وعلى أولاده منها، بل ربما يتعدى هذا الوبال إلى أسرتها وأسرته.
 
يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ".
 
والنسب الشريف من الأمور المعتبرة بين الناس في الزواج على وجه الخصوص، وفي غيره على وجه العموم؛ لأنه انصهار بين أسرتين، فلابد أن يكون بين المتصاهرين من توافق مادي ومعنوي حتى لا يقع الضرر على إحدى الأسرتين.
 
والكفاءة في الأنساب شرط من شروط صحة الزواج عند كثير من الفقهاء بمعنى أن يكون الرجل كفئاً للمرأة؛ لأنها تضاف إليه وتعرف به.
 
فإذا ما رغب الرجل في المرأة ذات النسب الشريف والحسب الرفيع، فإنه يكون قد أصاب الهدف وأحسن التقدير، بشرط أن يكون لهذه الحسيبة النسيبة دين يعصمها من الوقوع في الزلل.
 
لهذا قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".
 
أي اجعلها منتهى البغية؛ فإن في نكاحها نصرة لك ولدينك، لأن ذات الدين جمالها في خلقها وحسن تصرفها؛ لأنها قد استمسكت بما فيه عصمة أمرها، فصانها عما يشينها وحلالها بما يزينها.
والجمال نوعان: جسمي ومعنوي؟
والجسمي معروف له مقاييسه وسماته.
 
والمعنوي جمال خفي لا يعرفه إلا أولو الأحلام والنهي، وهو يغني عن النوع الأول عند من أوتى الحكمة.
 
ولا يغنى الأول عن الثاني قطعاً؛ لأنه عبارة عن مظهر براق سرعان ما يزول وتعتريه كدرة تُذهب ببعضه أو به كله.
 
وما أحسن قول الشاعر:
جمال القد من قبح النفوس        كقنديل على قبر المجوس
 
ورأس مالها في دينها أيضاً؛ لأن ذات الدين مباركة، يجعل الله القليل في يدها كثيراً، وهي غالباً ما تكون قنوعة، ليس في قلبها من الأهواء ما يدفعها إلى الطمع وتكليف الزوج ما لا يطيق، وهي غالباً ما تكون وسطاً في الإنفاق؛ لأن دينها علمها ذلك.
 
ولا شك أن هذه الأمور تنفي الفقر وتجلب الغنى.
 
ولقد قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا عَالَ مَنْ اقْتَصَدَ".
 
أي: لا افتقر من عدل في الإنفاق، فكان وسطاً بين الإسراف والتقتير.
والدين نسب من لا نسب له، وحسب من لا حسب له.
 
وقد جاء في الحديث الصحيح: "مَن بَطأ فِي عَملُهُ، لَم يُسْرِع بِهِ نَسبه".
 
وقوله– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ" إغراء بأسلوب يشعر الأزواج بأن نكاح ذات الدين غنيمة من الغنائم التي تأتي بعد النصر في المعارك الحربية، وصيد ثمين يسر له صاحبه سروراً بالغاً.
ولو قال: "فانكح ذَاتِ الدِّينِ" أو عليك بذات الدين – ما أدى هذا المعنى المكنون في قوله: "فَاظْفَرْ".
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "تَرِبَتْ يَدَاكَ" معناه: أصبت الغنى. يقولون: أترب الرجل: صار ذا مال، ومعناه أيضاً: إن لم تنكح ذات الدين، افتقرت والتعقت يدك بالتراب، أو التصق التراب بها، كناية عن شدة الفقر.
 
ويحتمل أن يكون هذه الجملة مجرد إغراء وتحريض على الفعل دون أن يقصد له معنى جرياً على عادة العرب.
 
ويحتمل أن يكون هذه الجملة مجرد إغراء وتحريض على الفعل دون أن يقصد له معنى جرياً على عادة العرب.
 
والنص يحتمل المعاني كلها بلا استثناء؛ لأنها متلازمة.
ويوخذ من هذا الحديث فوق ما ذكرنا أحكاماً وحكماً ولطائف كثيرة منها:
 
1-  أن الإسلام دين الفطرة، ويسايرها ولا يصطدم بها، فالفطرة تقتضي أن الرجل بطبعه ميال إلى المرأة، وهي ميالة إليه بطبعها، تسكن إليه ويسكن إليها نفسياً وجنسياً؛ لكي تستمر الحياة على النحو الذي أراد الله – عز وجل.
 
والميل النفسي والجنسي له أسباب تدفع إليه وتقويه وتنميه بأطراد، وهذه الأسباب لا تنحصر في المال ولا في الجمال ولا في النسب، ولا في هذه الثلاثة مجتمعة، ولكن تنحصر كلها في الدين، والدين – كما نعلم – عقيدة وعمل وأخلاق وسلوك.
 
فالعقيدة هي جمال الباطن، والعمل الصالح ترجمة له، والأخلاق جبلة تنبيء عن الفطرة السليمة، والسلوك ترجمة لها.
 
فالمرأة ذات الدين يتجلى فيها جمال الظاهر وجمال الباطن في أقوالها وأفعالها وأحوالها.
 
أما أقوالها فالصدق رائدها، وأما أفعالها فالإيمان صبغتها، وأما أحوالها فالاعتدال شيمتها بحيث لو غضب لا تتمادى في الغضب ولا تتهور بسببه.
 
فالمؤمن بطيء الغضب سريع الفيء كما جاء في الحديث الصحيح.
 
وإذا فرحت لا تتمادى في الفرح إلى الحد الذي يخرجها عن الفرح المحمود، وهو الذي لا غرور فيه ولا عجب ولا خيلاء.
 
ومثل هذه المرأة مصدر خير لزوجها؛ لأنها تحسن التدبير على هدى من الله ونور وتعرف كيف تسوس بيتها وترعى شئون زوجها وأولادها، ويعرف زوجها كيف يتعامل معها إذا كان على خلق ودين مثلها، ويستطيع كل منهما أن يؤدي للأخر حقه عليه بالمعروف. وهذا – والله – هو الغني حقاً.
 
يقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ عز وجل خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ".
 
وقال عليه الصلاة والسلام – أيضاً - : "إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ"
 
وعن ابن عباس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:"أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجة لا تبتغيه حوباً في نفسها وماله".
 
وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ".
 
ونحن نعلم أن الزوجة هي سكن الرجل وفراشه، وربه بيته وشريكة حياته، وأم أولاده، والأمينة على ماله وعرضه، فإن كانت صالحة، فهي حسنة من حسنات الدنيا ونعمة من نعم الله الكبرى.
 
والرجل الصالح – أيضاً – حسنة من حسنات الدنيا ونعمة من نعم الله الكبرى على الزوجة الصالحة. فكما يجب عليه أن يتخيرها، يجب عليها أن تتخيره من بين أولئك الذين اجتمعت لديهم صفات الرجولة من المروءة والنخوة، والشجاعة والغيرة على الدين والعرض، والشدة في الحق والرحمة بالصغير والكبير.
 
والزواج عقد من أشرف العقود وأوثقها عند الله عز وجل، به يصير كل من الزوجين لباساً للآخر، يسكن إليه، ويحنو عليه، ويحرص على راحته ومتعته.
 
يقول الله – عز وجل: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } (سورة البقرة: 187).
 
إنه الميثاق الغليظ الذي يباركه الله، ويحب بقاءه، ويكره فسخه من غير ضرورة.
 
قال تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } (سورة النساء: 20-21).
 
فكيف يتخذ المؤمن امرأة لا دين لها سكناً له وربة لبيته وأماً لأولاده.
 
إن المؤمن لا يسكن ولا يستريح إلا لمؤمنه مثله ولا يأمن على نفسه ولا على أولاده من امرأة لا خلق لها ولا دين.
 
يقول الله – عز وجل: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } (سورة النور: 26).

 
2- إن البواعث الحسية – لاختيار الزوج والزوجة – سريعة الزوال، فمن يختار زوجته لجمالها الجسمي من غير ملاحظة الجانب المعنوي من حسن الطباع، وقوة الأخلاق – تكون حياته الزوجية عرضة للاضطراب حتماً.
 
وماذا بعد الاضطراب إلا الشقاق الذي يستحيل معه الوفاق ويقع بعده الطلاق!.
 
وكذلك الحال فيمن يراعي الناحية المادية، فيتزوجها لأنها ذات مال أو لها مسكن خاص بها – والأزمة في المساكن محكمة كما نعلم – أو يقول في نفسه: إن أباها شيخ كبير وله مال وفير وسوف ترثه بعد موته، فتسعد نحن وأولادنا بما نحصل عليه منها إلى غير ذلك من الآمال الموقوتة، التي لا يدري هل تتحقق أم لا، والطمع قتال، وشدة الحرص على طلب الدنيا بلاء عظيم.
 
والرجل الشهم لا يتزوج المرأة لمالها ولا يطلب منه شيئاً بعد الزواج، بل ولا يسكن في مسكنها الخاص ولا مع أبويها، فإن ذلك ينقص من رجولته ويحد من حريته، ويجلب عليه النكد والخزي، ويشعر بأنها هي التي تعوله، فتنقلب الموازين وتتناقص القيم أو تزول.
 
والمرأة بطبعها منانة، والمن يحرج الرجل إحراجاً شديداً ويسقط هيبته ومروءته، ويقلل من شأنه عندها إلى الحد الذي لا تعترف بقوامته عليها، وتعوقه عن تحمل التبعات وتأدية الواجبات التي تلقى على عاتقه.
 
فما كان الرجل قواماً على المرأة إلا بما فضله الله به عليها، وبما ينفق من ماله على طعامها وشرابها وكسوتها ومسكنها، كما صرح بذلك قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } (سورة النساء: 34).

 
3- وهناك فرق دقيق بين المرأة المتدينة والمرأة ذات الدين.
 
فالمرأة المتدينة هي المنسوبة إلى الدين، وهي منه بمعزل.
 
يقال: تدين فلان: انتسب إلى الدين، أو تكلف فيه بما لم يؤمر به، أو تشدد في أمره من حيث أمر أن يأخذ باليسر.
 
أما ذات الدين فهي صاحبته الملازمة له، والمستمسكة بتعاليمه، فذا بمعنى صاحب، وذات بمعنى صاحبة، فأين هذه من تلك؟!
 
ولذا فإني أهيب بالرجال ألا يغتروا بمظاهر التدين، فيحكموا على المرأة بأنها ذات خلق ودين لمجرد أن رأوها تلبس النقاب والجلباب الطويل وغير ذلك؛ فإن هذه المظاهر الخارجية ليست دليلاً قطعاً على أنها ذات خلق ودين، فلابد إذا من التعرف عليها أكثر وأكثر، والتحقق من خلقها ودينها بالوسائل المشروعة، كأن يجلس إليها في غير خلوة ويسألها عن الأحكام الشرعية التي هي موضع خلاف بين الأئمة وسائر الناس، فإن لم تكن تعرف ذلك، فليسألها كيف تصلي، كيف تعامل الناس، كيف تتصرف في حال الرضا وحال الغضب، إلى آخر ما هناك من الأسئلة التي يكتشف بها خلقها ودينها، وعقلها وثقافتها، ومدى سلامتها من الأمراض النفسية والجسمية.
 
فإن رأى ما يعجبه منها، استخار لله – عز وجل – بالاستخارة المشروعة المروية في صحيح البخاري والتي تقدم ذكرها في هذا الكتاب.
 
فإن شرح الله صدره إلى الزواج منها، تقدم وإلا أحجم.
 
والله من رواء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم