اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ - الموبقة الثالثة قتل النفس

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

والموبقة الثالثة قتل النفس ظلماً وعدواناً، وهو من أفظع الجرائم التي يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان، فأي أرض تقله وأي سماء تظله إذا أقدم على هذه الجريمة النكراء بسفاهة وجهل دون رادع من دين أو وازع من ضمير!!
 
وقد قال الله عز وجل في وعيد القاتل: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } (سورة النساء: 93).
 
وقد جل شأنه في وصف عبادة المقربين: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا  يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } (سورة الفرقان: 68-69).
وقد عظم الله جريمة القتل تعظيماً شديداً في قصة قابيل وهابيل فقال في نهايتها { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (سورة المائدة: 32).
 
فقد جعل قتل النفس الواحدة كقتل جميع الناس؛ مبالغة في تعظيم أمر القتل بغير حق، وتهويلاً من شأنه. أي كما أن قتل جميع الناس أمر عظيم القبح عن كل أحد، فكذلك قتل الواحد يجب أن يكون كذلك، فالمراد مشاركتهما في أصل الاستعظام لا في قدره؛ إذ تشبيه أحد النظرين بالآخر لا يقتضي مساواتهما من كل الوجوه.
 
قال سليمان بن على للحسن البصري: يا أبا سعيد، أهذه لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
 
قال: والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.
 
وأعظم أنواع القتل جرماً من قتل ولده خشية الفقر أو قتل ابنته مخافة العار كما كان يفعل بعض العرب في الجاهلية.
 
قال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } (الإسراء: 31).
 
وأشد من ذلك جرماً من قتل نفسه تبرماً من قدر الله وقنوطاً من رحمته.
 
قال تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } (سورة النساء: 29).

 
وفي قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ثلاثة وجوه من التفسير:
 
الأول: لا يقتل بعضكم بعضاً، وإنما قال أنفسكم للدلالة على أن المؤمنين كنفس واحدة.
 
والثاني: لا يفعل أحدكم ما يؤدي إلى قتله، كأن يزني وهو محصن، أو يقتل نفساً أو يرتد عن الإسلام.
 
والثالث: لا يقتل أحدكم نفسه منتحراً. وهذا هو الراجح عندي.
 
ويؤيده ما ذكره ابن حجر الهيثمي في الزواجر أن عمرو ابن العاص – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – احتلم في غزوة ذات السلاسل فخاف الهلاك من البرد إن اغتسل فتيمم وصلى بأصحابه الصبح ثم ذكر ذلك للنبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فقال له: "صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟" فَأَخْبَرْهُ بعذره وَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.  
 
فدل هذا الحديث على أن عمراً تأول في هذه الآية قتل نفسه لا نفس غيره، ولم ينكره – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
 
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال: قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "من ترد من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحس سماً فقتل نفسه فسمه في يده في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن فتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
 
وروى الشيخان أنه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً ولا فاذة إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ".
 
وفي رواية: " فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟" قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
 
ويدخل في حكم القاتل من أعانه على القتل أو كان سبباً فيه.
 
أخرج ابن ماجه والأصبهاني عن أبي هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّه". 
 
وروى الطبراني والبيهقي بإسناد حسن: "لا يقفن أحدكم موقفاً يقتل فيه رجل ظلماً؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين ل يدفعوا عنه".
 
وبعد أن عرفنا عظم هذا الجرم يبقى سؤال نختم به الكلام عن هذه الموبقة.
هذا السؤال: هل للقاتل توبة؟
 
نعم، للقاتل توبة عند جمهور الفقهاء والمحدثين والمفسرين وشرط صحتها أن يقدم نفسه للقصاص، أو يطلب العفو من أولياء المقتول ويدفع لهم الدية، وله أيضاً أن يطلب منهم العفو عن الدية. فإن عفوا عن الدية وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله تعالى إن استطاع أن يصوم، فإن لم يستطع سقط عنه الصوم فإن لم يقدم نفسه للقصاص ولم يطلب العفو من أولياء المقتول عن الدية عن القصاص وعن الدية فعسى الله أن يتوب عليه ويرضى عنه خصومه يوم القيامة. وعليه أن يكثر من الحسنات حتى يجد ما يسد به دينه للمقتول يوم القيامة والدليل على أن للقاتل توبة آيات وأحاديث كثيرة.
 
قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (سورة النساء: 48).
 
وقال تعالى بعد أن ذكر أوصاف عباده المقربين { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (سورة الفرقان: 70).
 
وقا تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (سورة الزمر: 53).
 
وجاء في الصحيحين أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:" بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ .. ثم قال: فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى الله إِنْ شَاء عَفَا عَنهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ".
 
قال الشوكاني في فتح القدير: "والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم للذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي ما جملتها القتل عمداً؟ والله أحكم الحاكمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون".

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم