1. المقالات
  2. أربعون حديثاً في الخيرية
  3. خيرية التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة

خيرية التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة

الكاتب : محمد بن إبراهيم الهزاع
114 2021/01/22 2021/07/29


الحديث الخامس

"خيرية التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة"

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: "تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" (1). وفي رواية عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خيرالْكَلَام أربع، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَر" (2).

قوله: "جَاءَ الْفُقَرَاءُ" قيل: منهم أبو ذر الغفاري وأبو الدرداء وأبو هريرة وزيدان بن ثابت (3).

- قوله: "أَهْلُ الدُّثُورِ" جمع دثر وهو المال الكثير. 

- قوله: "بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا" بضم العين، جمع العليا وهي تأنيث الأعلى. ويحتمل أن تكون حسية بمعنة درجات الجنات، أو معنوية بمعنى علو القدر عند الله (1).

- وقوله: "وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ" وصفه بالإقامة أشارة إلىضده وهو النعيم العاجل، فإنه قل ما يصفو وإن صفا فهو بصدد الزوال.

- قوله: أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ" أي: من أهل الأموال الذي امتازوا عليكم بالصدقة، والسبقية هنا يحتمل أن تكون معنوية وأن تكون حسية، قال: الشيخ تقي الدين (والأول أقرب) (2). 

- قوله: "وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ" وعند مسلم "ولا يكون أحد أفضل منكم" (3).

الضمير في (كنتم) يحتمل أن يكون للمجموع من السابق والمدرك. ولا يلزم من الإدراك المساواة فقد يدرك ثم يفوق، وبهذا فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال، وكذا قوله: "إلا من عمل مثله" أي: من الفقراء فقال الذكر، أو من الأغنياء فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصة لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة فيكون كل من الصنفين خيراً ممن لا يتقرب بذكر ولا صدقة (4).

ويشهد لهذا حديث أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - "أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَبِكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً" (1) الحديث. 

وقد يرد هنا إشكال وهو: إشكال وهو: تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه.

أجاب الكرماني على هذا الإشكال بقوله: (لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل  حالة) (2)، واستدل لذلك بفضل كلمة الشهادة، ومع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة (3).

- قوله: "تُسبحون وتحمدون وتكبرون" في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير. وجاء في بعض الروايات تقديم التكبير على التحميد خاصة. وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس بحديث الباقيات الصالحات "لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ" (4).

ولكن ابن حجر استخرج لطيفة (فائدة) من هذا الترتيب حيث قال: (لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري سبحانه وتعالى، ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم ختم بالتهليل الدال على انفراده سبحانه وتعالى بجميع ذلك) (1).

- قوله: ("خلف كل صلاة" أي: بعد الفراغ من الصلاة، ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن يسيرا بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً متشاغلاً بورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر.

وظاهر الحديث يشمل كل صلاة سواء فرضاً أو نفلاً، ولكن بعض العلماء حملوه على الفرض (2). كما وقع التقييد عند مسلم "دبر كل صلاة مكتوبة" (3) فكان العلماء حملوا المطلقات عليها.

* ما يستفاد من الحديث:

1- إن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف. وهذا مأخوذ من كونه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْر تساوونهم فيه" وعدل صلى الله عليه وسلم عن قول (نعم أفضل منكم بذلك).

2- التوسعة في الغبطة (4).

3- المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، وهذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا من عمل" فهذا عام الفقراء والأغنياء.

4- أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق.

5- فضل الذكر عقب الصلوات.

6- أن العمل القاصر قد يساوي العمل المتعدي خلافاً لمن قال: إن المتعدي أفضل مطلقاً.

المراجع

  1. رواه البخاري برقم (807)، ومسلم برقم (595).
  2.   رواه مسلم برقم (2137). 
  3.  ابن حجر، فتح الباري (2/ 337).
  4. المرجع السابق.
  5. ابن حجر، فتح الباري (3/ 327).
  6. برقم (595).
  7. ابن حجر، فتح الباري (2/ 328).
  8. رواه مسلم برقم (1006).
  9. ابن حجر، فتح الباري (1/ 328).
  10. المرجع السابق.
  11. رواه ابن ماجه برقم (3811) وصححه الألبانى في السلسلة برقم (346) وفي صحيح الجامع الصغير   برقم (173).
  12. فتح الباري (1/ 328).
  13. المرجع السابق.
  14. برقم (596).
  15. الغبطة هي تمني المرء أن يكون له نظير ما للآخر من غير أن يزول عنه، بخلاف الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن المنعم، انظر: ابن حجر، فتح الباري (1/ 166).


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day