الشبهة العاشرة : رواة السُّنَّة بشر غير معصومين

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

أعداء الحق منذ قديم الزمان، لهم حيل وأساليب ماكرة في رفض الحق، وتشويه صورته، لأنهم لا يكتفون برفض الحق، وحرمان أنفسهم منه، ولو كانوا قد فعلوا ذلك لكانوا أنصاف عقلاء.

ولكن كراهيتهم للحق، ومن حيث هو حق، جعلتهم يعملون – جاهدين – على صد غيرهم عن الحق. وهذا من الطباع المنكوسة في أخلاق بعض الناس، لذلك سهل على الشيطان مقادهم، وأخذ يمدهم بما هم في حاجة إليه في وقف الحق عن الزحف والانتصار، ولكي يظلوا في ضلالهم يعمهون.

ومن هذه الحيل والأساليب الماكرة عند منكري السُّنَّة المعاصرين، قولهم: إن رواة السُّنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يخطئون ويصيبون، فهم إذن غير معصومين فكيف نؤمن بصحة وصدق ما رووه لنا من مئات الآلاف من الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويضيفون إلى شبههم هذه شبهة أخرى عارضة، خلاصتها أن الواحد منا إذا قال كلاماً في مجلس، ثم أراد حكايته في مجلس آخر، فإنه لا يستطيع أن يحكيه على صورته الأولى، بل لا بد من التغيير والتبديل في الألفاظ والمعاني وإن قرب العهد بين المجلسين: مجلس البداية ومجلس الحكاية.

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

إن لله في الحياة سنناً نافذة في خلقه، ومن سننه أنه خلق الملائكة، والجن، والبشر، وركب في البشر طبيعتين: طبيعة الخير، وطبيعة الشر.

أما الملائكة، فقد جبلهم على الطاعة والخير، والشياطين مطبوعون على الشر.

وأرسل رسله إلى خلقه من الجن والإنس فمنهم من يهتدي حتى يبلغ أعلى عليين، ومنهم من يضل حتى يهوى أسفل سافلين، وصلحاء البشر فيهم صلحاء شبيهون بالملائكة في الإيمان والطاعة والاستقامة وفي مقدمة هؤلاء الصلحاء الرسل وتابعوهم.

فليس الوصف بالبشرية نقصاً من حيث البشرية نفسها وإنما معايير النقص والكمال رهينة بكسب الإنسان وعمله.

ومن سنن الله النافذة أن جعل البشر يديرون شئون أنفسهم بأنفسهم على هدى من رسالات الله إليهم لا تديرها لهم ملائكة ولا شياطين، وهذا هو مقتضى التكليف أو المسئولية كما يعبر عنه في الفكر الحديث.

إذن فإن رواية الحديث عن طريق البشر ليست بدعاً من السلوك، ولا سبة تقدح في سلامة السُّنَّة من التحريف في ألفاظها ومعانيها.

وتوصلاً إلى هذه الغاية نشأ فن أو علم الجرح والتعديل، هذا الفن، أو العلم وقفه علماء الحديث على معرفة أحوال الرواة من التابعين وتابعيهم ومن غيرهم، وصنفوا الرواة أصنافاً مختلفة، ووضعوا لقبول الرواية من كل راو شروطاً محكمة.

والتعديل يعني وصف الراوي بالعدالة إذا توفرت فيه شروطها، والتجريح، يعني معرفة الرواة غير العدول الذين لا تقبل رواية الحديث عنهم.

فالحديث الذي يقبل من حيث روايه ينبغي أن يكون الراوي، ضابطاً ثقة، وهو المسلم البالغ العاقل، السالم من أسباب الفسق وخوارم المرءوة، والمتيقظ غير المغفل (العاقل) وأن يكون حافظاً إذا حدث من حفظه، فاهماً إذا حدث على المعنى في الرواية الشفهية (ينظر الباعث الحثيث: ص 92 وما بعدها) للإمام ابن كثير.

أما رواية ما خالف حاله هذه الأوصاف فلا تقبل، وكذلك لا تقبل رواية أصحاب الأهواء إذا رووا ما يوافق هواهم ولا مجهول الحال.

ويلاحظ أن هذه الضوابط وضعت لهدق سام وهو دفع احتمال الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، حتى تطمئن النفس إلى أن ما روى صح صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم يكن علماء الحديث يقبلون كل ما يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تتوفر فيه شروط الرواية الصحيحة وهذا يدفع بكل قوة ما أثاره منكرو السُّنَّة من أن رواة السُّنَّة بشر يخطئون ويصيبون. هذا العبارة وإن كانت صحيحة من حيث الجملة، فلا مفهوم لها هنا لأن الشروط التي وضعها علماء الحديث رضي الله عنهم كانت لتحقيق الإصابة في الرواية ودفع الخطأ، وهم أعلم بأسباب الإصابة والخطأ عشرات المرات من هؤلاء الببغاوات، الذين يرددون ما قاله المبشرون والمستشرقون الحاقدون على الإسلام، دون أن تكون لهم ممارسة أو خبرة ذاتية في هذا المقام الجليل.

إنني على يقين من أن الذين يهاجمون السُّنَّة الآن في الصحف والمجلات لو عقد لأحدهم اختيار في علوم الحديث مهما طال أو قصر، سهل أو صعب لرسب فيه بالخط الثلث ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

إنهم يتصايحون في الفضاء، ويحاربون في الهواء، أو في غير مواجهة ولو ووجهوا لانكشفوا وافتضح أمرهم عند الناس، وقديماً قال الشاعر:

إذا ما الجبان خلا بأرض تمني الطعن فيها والنزالا

مقلدون لا مبتكرون:

منكرو السُّنَّة في هذه الشبهة: شبهة بشرية الرواة مقلدون – كعادتهم – لا مبتكرون، ما في ذلك ريب أنهم مقلدون لمكذبي الرسل على مدى التاريخ النبوي كله، فالقرآن الأمين يقص علينا مسالك مكذبي الرسل كلما بلغوهم ما أنزله الله عليهم، وإليك البيان.

في سورة إبراهيم عليه السلام ورد هذا الحوار المحكي بين الرسل والذين كذبوهم من أقوامهم:

{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } (سورة إبراهيم: 10-11).

انظر إلى هذا المنطق المعوج الذي واجه به مكذبو الرسل الرسل الذين أرسلهم الله إليهم.

رفضوا رسالاتهم والإيمان بها، بحجة أنهم بشر مثلهم ليس لهم عليهم سلطان.

وهذه شبيه بموقف منكري السُّنَّة، الذين يرفضون السُّنَّة بحجة، أو شبهة أن رواتها من الصحابة، والتابعين بشر؟!

ثم انظر إلى صوت الحكمة العالية في رد الرسل على هؤلاء المكذبين: { إِن نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } (سورة إبراهيم: 11).

ونذكر القاريء أن منكري السُّنَّة رفضوها في هذه الشبهة، لأن رواتها بشر يخطئون ويصيبون نذكر القاريء بهذا لنبين له لطيفة من لطائف بلاغة القرآن، وهي أنهم وصفوا البشر بأنهم يخطئون ويصيبون وهذان الوصفان متحققان فيما حكاه القرآن في هاتين الآيتين: أعني الإصابة والخطأ.

فالمخطيء هم مكذبو الرسل، ومثلهم منكرو السُّنَّة، لأنهم جميعاً اعتمدوا في تكذيب الرسل، وتكذيب السُّنَّة على علة واحدة، هي بشرية الرسل والرواة.

أما المصيبون فهم الرسل، والمؤمنون بسنة خاتمهم صلى الله عليه وسلم، المحتكمون إليها في حياتهم طاعة لله ورسوله ومثل هذا ورد في سورة "يس" في الحديث عن أصحاب القرية: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُم مُرْسَلُونَ قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } (يس: 13-15).

هذا هو التقليد الذي سار عليه منكرو السُّنَّة، فليس لهم من قدوة إلا مكذبو الرسل، وليس لمكذبي الرسل من إمام إلا الشيطان، الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.

وقد حكى عنهم القرآن هذه المقولة في سور أخرى كالأعراف والفرقان والقمر وغيرها، من السور التي فيها قصص الأنبياء ومما حكاه عن مشركي العرب من رفضهم لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، قوله عز وجل: { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } (سورة الأنبياء: 3).

وقولهم عن القرآن في بيان رفضهم له: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ } (سورة المدثر: 25).

فهل ترى من كبير فروق بين مكذبي الرسل، وبين منكري السُّنَّة المطهرة؟! إنهم – جميعاً – مكذبون للرسل في أصول ما جاءوا به، وفي فروعه.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم